أبي نادر: قراءة في الميدان السوري وتأثيره على مفاوضات آستانا المرتقبة

15٬911

إنّ معطيات المسلحين ورعاتهم والتي استندوا إليها سابقا، قبل وأثناء جولات المفاوضات المتعددة ومنها أستانا، كانت تعتمد بالأساس على السيطرة الميدانية، حيث كانوا يأخذون من سيطرتهم على بعض المواقع الضاغطة على العاصمة دمشق منطلقا لمطالب وفرض شروط وامتيازات في المفاوضات.

العميد شارل أبي نادر

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية _ حوار سمر رضوان

عن مفاوضات أستانا 9، و المشهد الميداني السوري وانعكاساته على الساحة الدولية والإقليمية، ما بعد ليلة الصواريخ ما بين سوريا والكيان الإسرائيلي، وغير ذلك، يوضّحها، العميد المتقاعد، شارل أبي نادر، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ “وكالة عربي اليوم”:


مفاوضات أستانا 9

انطلاقا من التغيير الميداني الواسع الذي فرضه الجيش العربي السوري بعد جولات التفاوض الأخيرة وخاصة أستانا 8،لا يمكن إلا أخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار، وذلك انطلاقا من الخارطة الميدانية الجديدة التالية:

بعد تحرير الغوطة الشرقية بشكل كامل، بالإضافة لتحرير جنوب وجنوب غرب العاصمة ما بين بيت سحم وببيلا ويلدا من جهة، وحي القدم ومخيم اليرموك والحجر الأسود حيث ينهي الجيش آخر نقاط سيطرته

من جهة ثانية خسر المسلحون البقعة الأكثر أهمية من الناحية الميدانية والاستراتيجية، والتي كانت عماد معركتهم للضغط على العاصمة

وبالتالي من غير المنطقي الآن إلا انتزاع النقاط التفاوضية والاستراتيجية، والتي كانت تقدمها لهم تلك المناطق

وهذه النقاط كانت قبل أن يخسروها تُلخّص بـ: الضغط على العاصمة والتهديد الدائم للمدنيين والإبقاء على نقطة ارتكاز جاهزة دائما لتنفيذ عملية اختراق على العاصمة.

بعد استكمال تحرير مواقع سيطرة المسلحين في ريفي حماة الجنوبي وحمص الشمالي، ما بين الرستن وتلبيسة، وتحرير كامل طريق دمشق حمص حلب الدولية، لا يمكن أيضا إلا أخذ الموضوع بعين الاعتبار من الناحية الميدانية ومن ناحية نقاط التفاوض.


مناورات الدولة السورية

المفترض التفاوض بطريقة تعبر بطريقة واقعية عن الميدان الذي أصبح لمصلحة الدولة بشكل لافت

من هنا، أعتقد أن مناورة الدولة السورية في التفاوض المرتقب في أستانا 9، لا يمكن أن تتجاوز هذا التقدم الميداني الواسع للجيش العربي السوري

وبالتالي، سوف تلتزم بمبدأ المفاوضات والذي كانت دائما ثابتة عليه

إنما من المفترض التفاوض بطريقة تعبر بطريقة واقعية عن الميدان الذي أصبح لمصلحة الدولة بشكل لافت حاليا، مع التركيز على خلق دينامية جديدة، بالاتفاق طبعا مع وفد المعارضة، للسير بتطبيع الوضع ميدانيا وإداريا في مناطق سيطرة الدولة والمناطق التي خضعت للتسويات،

وفصل المطالب السياسية والتي أخذت سكّتها الصحيحة، عن حاجات المواطنين من أمن واقتصاد وعمل وإدارة، والتي هي من مسؤولية الدولة بالكامل.


تركيا “الضامنة والمحتلة”

لا يمكن أيضا فصل التغييرات الميدانية التي حدثت في الشمال السوري عن تلك التي استجدت في الوسط ومحيط العاصمة وأريافها

وبالتالي، هذه المفاوضات المرتقبة في أستانا 9، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن تركيا، و كضامن أساسي في أستانا، فشلت في تنفيذ التزاماتها وأقدمت على احتلال أراضٍ سوريّة في عفرين ومحيطها بطريقة اعتداء واضح وصارخ وغير مشروع، و حيث أن فشلها في إدلب في فصل المسلحين وإلغاء أو إبعاد الإرهابيين منهم، والذي تبين أنه ليس عن عجز بل عن تواطئ، جاء لاستغلال التوتر والفوضى والنزاع المسلح الإرهابي الواسع هناك، لتنفيذ احتلالها للمنطقة الشمالية من سوريا.

انطلاقا من ذلك، قد لا يكون من المنطقي الاستمرار بالتفاوض بنفس الآلية أي اعتبار تركيا ضامن جدي وصادق،لأنها غير ذلك، وحيث أن المطلوب منها الكثير لإثبات جديتها وصدقها، من المفترض لإثبات ذلك أن تنفذ التالي:

إكمال تعهداتها بإنهاء البنية الأمنية والعسكرية والإدارية للمجموعات الإرهابية، ومنها تحرير الشام أو النصرة، وغيرها من الفصائل والتي هي عمليا إرهابية إنما تحمل أسماء تبدو معتدلة.

-مساعدة المجموعات المعتدلة، والتي تتواصل مع غرفة حميميم ومع منظومة خفض التصعيد، على أخذ دور أمني وإداري ريثما تكمل الدولة السورية انتشارها وفرض سيطرتها بعد تحرير مناطق إدلب ومحيطها.

-تسهيل اشتراك وانخراط المجموعات المعتدلة بعملية التفاوض والتواصل مع الدولة السورية، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عبر الفريق الروسي المكلف بإدارة عملية خفض التصعيد والتفاوض.

وأخيرا، على تركيا، بعد تأمين الأرضية المناسبة للتفاوض من خلال ممارسة ضغط على كامل المجموعات الإرهابية وغير الإرهابية حيث تسيطر، التحضير لانسحاب وحداتها بالكامل من المناطق التي تحتلها في سوريا بعد أن استغلت عدم التوازن الأمني والعسكري

والتي كانت قد ساهمت أصلا في نشره، والعمل على خلق آلية تنسيق وتواصل مع الدولة السورية عبر الوسيط الروسي، ينتشر من خلالها الجيش العربي السوري وقوات الأمن السورية الشرعية في كامل مناطق التواجد المسلح، وتسلك المفاوضات السورية السورية بالطريقة المنطقية دون ضغوط السلاح والمسلحين، وصولا لتسوية سياسية تحفظ حقوق الجميع.


سيناريو جديد ينطلق من إدلب

لا اعتقد ان لهذه المناورة فيما لو حصلت، حظوظ بالنجاح، لأسباب عدّة، منها الميدانية العسكرية ومنها الاستراتيجية.

ميدانيا: بعد التقدم الواسع للجيش العربي السوري في وسط سوريا بالكامل، وبعد تحريره كافة الأرياف المتاخمة للعاصمة، أصبح يملك قدرة ميدانية وعسكرية لافتة، تمكنه من السيطرة جنوبا وتحرير ما تبقى من أرياف درعا والقنيطرة، خاصة أن جهوده التي كان يعطيها في معارك الغوطة الشرقية وأرياف حماة وحمص، أصبحت محررة ومناسبة لتنفيذ أي عمل عسكري واسع جنوبا، دفاعا أو هجوما.

استراتيجيا: يبدو من التصاريح الروسية والأميركية، وحتى الأردنية، أن الاتفاق الأمني الدولي الإقليمي الذي يرعى المنطقة الجنوبية ما زال ساري المفعول

وهو يستبعد أي محاولة دخول مسلح إلى الجنوب السوري، عبر البوابة الأردنية، لأن الموضوع لا يناسب الأردن أمنيا وعسكريا واقتصاديا، ولأن التوافق الروسي الأميركي الوحيد تقريبا في الميدان السوري يشمل تلك المنطقة الجنوبية.


منظومة أس 300 الروسية

هل كان الرد على إسرائيل إيرانيا أم سوريا أم من حزب الله؟

لقد أشارت أغلب الوسائل الإعلامية المحلية والغربية، عن موضوع الرد على الوحدات العدوة في الجولان المحتل متسائلين عن مصدر هذا الرد، إذا كان إيراني أو سوري أو من حزب الله؟

بمعزل عن هوية الوحدات التي ردت، فإن هذا الرد هو يعبّر بالكامل عن السيادة السورية، التي تتمثل بالجيش العربي السوري و بمنظومته للدفاع الجوي، أو بوحدات حليفة تتمتع بالمشروعية الكاملة تبعا لطلب واضح وصريح من الدولة السورية، بالانتشار وبتوزيع القدرات العسكرية،

و بالتصرف العسكري مهما كان نوعه،

خاصة وأنه يستهدف العدو في مناطق يحتلها في الجولان، ويستهدف طائراته وصواريخه في اعتداءاته المتكررة.

ومن الناحية العسكرية، يبدو أن منظومة الدفاع الجوي التابعة للجيش العربي السوري ما زالت تمتلك البنية التحتية الأساسية، والتي كانت قد جهزتها خلال المواجهة السابقة المفتوحة ضد العدو الإسرائيلي، من انفاق وملجأ ونقاط مموهة للرادارات والمنظومات التتبع والمراقبة والتوجيه

إسرائيل تعطي موضوع منظومة S-33 التي ستحصل عليها سورية أهمية كبرى

بالإضافة لأنها كما يبدو تتزود تباعا ودائما من روسيا بصواريخ حديثة ومستحدثة، من الصواريخ الفعالة المضادة للصواريخ وللطائرات، وقد أثبتت جهوزيتها العالية مؤخرا، في إسقاطها للقاذفة العدوة أف 16، وفي اعتراضها الناجح للعدد الأكبر من صواريخ كروز الغربية من نوع توماهوك وغيرها، وذلك في الاعتداء الثلاثي الأخير على سوريا.

في موضوع منظومة الصواريخ الروسية المضادة أس 300، يبدو أن إسرائيل تعطي أهمية كبرى للموضوع، حيث تعتبر أن حصول الجيش العربي السوري عليها، يشكّل خطرا أكيدا على طائراتها وصواريخها في الأجواء السورية، أو في الأجواء المحيطة فوق لبنان أو فوق الجولان المحتل، وتعتبر إسرائيل أيضا، أن امتلاك محور المقاومة لهذه الصواريخ سوف يؤمن حماية شبه كاملة للتواجد الإيراني وتواجد حزب الله في سوريا، الأمر الذي تصوّب عليه دائما، والذي طالما اعتبرته في جميع تواصلها مع الروس، أنه خط أحمر لن تقبل به، لذلك:

ربما سيخضع موضوع حصول الجيش العربي السوري على إس 300 للتريث الروسي، و للتفاوض الواسع والذي سوف يتناول النفوذ الإيراني وتواجد حزب الله في سوريا

لآن في تأمينه للجيش العربي السوري دون مراعاة هواجس إسرائيل، ستعتبره الأخيرة مشروع حرب واشتباك بينها وبين الروس، الأمر الذي ربما تبتعد عنه روسيا الآن لأسباب وأسباب.

 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

عاجــــــل