أقدار القدس بين أمراء الطوائف – والمقاومة!

56

نصار إبراهيم (فلسطين المحتلة)

دونالد ترامب يعلن الأربعاء 6 كانون أول 2017 أن القدس هي عاصمة إسرائيل!.
منذ سبعين عاما وكلما تعرض الشعب الفلسطيني لكارثة أو اقتلاع أو مجزرة أو حصار أو حرب وحشية يتوجه بالنداء إلى أمته العربية برؤسائها وملوكها وأمرائها وشيوخها: أين ضمائركم…!؟.
هذا السلوك يعكسن ثقافة ووعيا محددين يقومان على فرضية أن “الضمير” يكفي بحد ذاته للمواجهة وخوض الصراع وحماية الحقوق أو استعادتها… وبالتالي تجري مخاطبة ذلك “الضمير” بصورة مباشرة حين تتعرض الحقوق لانتهاك صارخ، ذلك لأن “الضمير” هو الحد الأقصى الذي يكثف الوجدان والالتزام الأخلاقي عند الفرد الذي يعتقد بأنه سيقود مباشرة وفوراً لرد فعل أو مواجهة سريعة ضد الانتهاكات والتحديات التي يتعرض لها الإنسان أو الوطن في الواقع.
كانت أمي تقول: “المال السّايب بعلِّم السرقة…!”… وأحيانا كانت تضيف بسخرية مُرّة”شو بدها تعمل الماشطة في الراس العِكِش..!”… والماشطة هنا كما أفهم تعادل “الضمير” الذي نتحدث عنه ونناديه ونناشده ليتصدى لويلات الواقع…
القدس دائما في عين العاصفة، فهي مدينة تحدد المصائر والحقوق، إنها ليست مجرد جغرافية، كما ليست مجرد رموز دينية، بل مدينة تختصر وطنا وتختصر تاريخا وكرامة أمة بكاملها، مدينة عابرة للحدود والطوائف والأديان.. تمد جسورها نحو أفقها العربي والإنساني… لكل هذا وسواه فهي دائما في قلب النار والصراع، ولم تكن يوما خارج ذلك، إنها محور الصراع… فهي بتاريخها ودلالاتها ورمزيتها تمثل جسر العبور إلى فلسطيني وجسر الإنسان نحو السماء…
لقد درجت العادة ودرج الخطاب الفلسطيني والعربي عند كل خطوة تستهدف مدينة القدس في رمزيتها وجغرافيتها وسكانها على رفع الصوت والدخول في توصيف تلك السياسات سواء جاءت من إسرائيل أم من حلفائها:
إسرائيل تقوم بتهويد مدينة القدس…!
نعم وهل تنتظرون منها غير ذلك؟!
إسرائيل تنتهك حقوق الإنسان وكل القوانين الإنسانية الدولية في القدس…!
نعم وهل هناك من كان ينتظر من إسرائيل أن تكون احتلالا إنسانيا؟!
إسرائيل تقوم بتفريغ القدس من سكانها…!
نعم وما الغريب وهل كنتم تتوقعون غير ذلك، فهي تفرغ فلسطين بكاملها من أهلها؟
إسرائيل تحاصر القدس بالجدران وتفصلها عن محيطها وفضائها الفلسطيني الحيوي اجتماعيا واقتصاديا…!
نعم وهل كنتم تنتظرون منها أن تبني الجسور لتأمين التواصل بين الفلسطينيين؟!
إسرائيل تهدم الأحياء الفلسطينية وتهجر سكانها…!
نعم وهل كنتم تعتقدون أنها ستبني للفلسطينيين فللا وناطحات سحاب؟!
إسرائيل تقتحم الأقصى والقيامة…!.
وما الغريب أو غير الطبيعي في ذلك وهل كنتم تنتظرون منها أن تبني مزيدا من المساجد والكنائس؟!
إسرائيل تضيق على الفلسطينيين بالضرائب ورخص البناء والخدمات…!.
نعم وهل تنتظرون منها عكس ذلك، كأن تقتطع من موازنتها لكل فلسطيني 2000 دولار شهريا مدى الحياة!؟
إسرائيل تواصل التأكيد على أن القدس عاصمة دولة إسرائيل الموحدة والأبدية… ثم يأتي دنالد ترامب اليوم ليشد على يدها وموقفها ويعلن جهارا نهارا أن القدس هي عاصمة إسرائيل!.
حسنا ما الجديد في ذلك وكل سياسات إسرائيل، وكل سياقات السياسات والمواقف الأمريكية تذهب دائما لدعم وحماية إسرائيل وتغطية سياساتها!؟.
وبكلمة؛ هل هناك من يتوقع أو كان يتوقع من احتلال استعماري استيطاني اقتلاعي، ومن أمريكا الراعية له غير ذلك؟ أليس هذا هو الحال الطبيعي لأي احتلال ومن يدعمه ويحميه؟.
إذن المشكلة ليست في توصيف ما تقوم به دولة الاحتلال، أو ما تتخذه الولايات المتحدة من مواقف وسياسات… فهذه هي طبيعة وجوهر القوى الاستعمارية.
المشكلة هي في ماذا يفعل أو سيفعل الفلسطينيون والعرب كي يصدوا إسرائيل وأمريكا من ورائها ويجابهوا سياساتهما ومشاريعهما العدوانية على مدينة القدس وغيرها؟!
هذا هو السؤال الفاصل والفيصل…
معضلة القدس وغيرها أن إسرائيل وأمريكا باتتا تدركان وتعيان بالتجربة والممارسة حدود ردود فعل الفلسطينيين والعرب، ولهذا تقومان بفرض “الحقائق” على الأرض ومن ثم تقولان في نفسيها: سيصرخ الفلسطينيون والعرب قليلا أو كثيرا وبالتأكيد سيتهموننا… ليكن هذا… فهم لن يذهبوا أكثر من ذلك … فلتواصل إذن الجرافات عملها…. دعوهم يصرخون، أما نحن فسنبني على ما سننجزه اليوم خطوتنا القادمة غدا… وبالتأكيد سيصرخ الفلسطينيون والعرب من جديد… إننا نعرف ذلك… لهذا واصلوا العمل بلا توقف دعوهم يصرخون!.
معضلة القدس في أن العرب لم يدركوا بعد، ولم يتعلموا الدرس بأن الصراخ والاتهام لن يوقف اعتداءات إسرائيل كما لن يعيد حقوقا وحقائق تم فرضها بالقوة.
حماية القدس والدفاع عنها ركيزته وجوهره هو: الموقف الواضح والفعل المقاوم الحاسم… المقاومة بما هي منظومة شاملة سياسية وشعبية واجتماعية وثقافية وإعلامية وسلوكية واقتصادية وميدانية… مقاومة يومية لا تتوقف لا تريح ولا تستريح… مقاومة تغطي مساحة القدس ومساحة فلسطين ومساحة الكون… مقاومة تجعل الاحتلال يدفع الثمن مباشرة عند كل خطوة يقوم بها…
ولكن…يبدو أن مأساة القدس وأقدارها هي من مأساة فلسطين والأسئلة التي تقذفها القدس في وجوهنا كل لحظة هي ذات الأسئلة التي ترسلها قضية فلسطين منذ سبعين عاما.. وهي ذاتها التي تبقي الفعل الفلسطيني والعربي عموما محكوما بسقوف إسرائيل وحماتها وداعميها، وتحت سقف نفاق المجتمع الدولي ومعادلات حقوق الإنسان العاجزة… التي كلها تصمت بجبن أمام فاشية الاحتلال وتبرر له احتلاله وعدوانه بمقولة “حق الدفاع عن النفس” تلك المقولة المهينة بكل المقاييس…
لهذا فإن المشكلة والمعضلة الأهم هي عند الفلسطينيين والعرب أنفسهم، فما لم يصعدوا لمستوى تحديات الواقع والأهداف الوطنية والقومية، ويقلبوا معادلات المواجهة ستبقى القدس تحت النار وستبقى أيضا فلسطين وشعبها عنوانا مستمرا لمأساة لا تنتهي.
آه… صحيح بالمناسبة: أين مئات الآلاف من “المجاهدين الإسلامويين” الذين جاءوا كالطوفان وأغرقوا سورية والعراق واليمن وليبيا وتونس.. لماذا لا نراهم ينتفضون ويهبون “لمناكحة” إسرائيل وأمريكا!؟
أين القرضاوي والفتاوي التي تدعو لحماية القدس !؟
أين أبطال وفرسان “حماية السُّنة”؟ لماذا لا نرى غبار خيولهم في الأفق…!؟.
أين عربان النفط الذين يدمرون أصل العرب في اليمن تحت عنوان “الدفاع عن العروبة”… لماذا لا يهبوا في مواجهة ترامب الذي رقصوا معه في الرياض “عرضة السيف”.. ثم حمل السيف (مع صرة بنصف ترليون دولار) واتكأ على كل ذلك وأعلن وهو يبتسم: القدس عاصمة إسرائيل!؟.
ومع ذلك، ورغم كل شئ أقول: هي قدس فلسطين عصية على الابتلاع… حتى لو توهموا ذلك… هي القدس ستتجاوز، كعادتها، حد المطلق وتفرض ذاتها… فهي تنهض من ركام الزلازل والبراكين… أكثر بهاء وأصالة… وما عدا ذلك عابر مهما بدت اللحظة منحوسة… ومن يعِشْ يرَ!.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...