انتخابات تركيا: وسقطت أحلام الخلافة

95

جاء سقوط إسطنبول التي كان الكثيرون يريدون لها أن تكون مكّة أو قدساً ثانية ليفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية التركية بعد أن فَقَد الجميع أملهم في أيّ تغيير بسبب سيطرة أردوغان على جميع مفاصل الدولة التركية وأهمها الجيش والأمن والمخابرات والقضاء و 95% من الإعلام.

كتب الاعلامي حسني محلي للميادين نت : بعد حرب سياسية وإعلامية ونفسية استمرت 9 أيام حسمت الهيئة العليا للانتخابات النقاش المُحتَدِم حول ولاية إسطنبول، ورفضت فرز وعدّ الأصوات من جديد ليصبح مرشّح الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو رئيساً للبلدية مع استمرار اعتراض العدالة والتنمية على ذلك.

فإسطنبول هي الولاية الأكبر بعدد سكانها البالغ 16 مليون وإمكانياتها الاقتصادية والتجارية والمالية والفكرية والثقافية العظيمة ، كما إنها العامل النفسي الأهم بالنسبة للرئيس أردوغان الذي انتُخِب رئيساً لبلديتها قبل 25 عاماً وب 25% فقط من أصوات الناخبين، وهو نصف ما حصل عليه أكرم إمام أوغلو الآن. وجاء قرار الهيئة العليا مُفاجئاً للجميع بعد أن هدَّد وتوعَّد الرئيس أردوغان أعضاءها وهو الذي عيَّنهم كما عيَّن وزير الداخلية جميع أعضاء اللجان الانتخابية في عموم تركيا ، فيما وظَّف حزب العدالة التنمية حوالى مليون من أعضائه لمراقبة الانتخابات.

ومن دون أن يمنع كل ذلك الحزب الحاكِم الحديث عن عمليات الاحتيال والتزوير والغشّ في الولايات التي فاز فيها مرشّحو الشعب الجمهوري وعددها 21 ولاية، وهي من أهم ولايات تركيا بما فيها العاصمة السياسية أنقرة وعاصمة الخلافة والسلطنة العثمانية إسطنبول.

وسقطت أحلام الرئيس أردوغان بإمبراطوريته التي كان يتغنّى بأمجادها العظيمة على أسوارها التي حطّمها محمّد الفاتح قبل 566 عاماً . وكان أردوغان يحلم بإحياء أمجادها بعد ما يُسمَّى بالربيع العربي الذي أراد له أن يساعده لتحقيق أهدافه في إعادة السلطنة والخلافة العثمانية التي قال عنها بأنها حكمت المنطقة العربية لمئات السنين وقد حان الأوان لها أن تعود “بحلّة جديدة”.

وجاء سقوط إسطنبول التي كان الكثيرون يريدون لها أن تكون مكّة أو قدساً ثانية ليفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية التركية بعد أن فَقَد الجميع أملهم في أيّ تغيير بسبب سيطرة أردوغان على جميع مفاصل الدولة التركية وأهمها الجيش والأمن والمخابرات والقضاء و 95% من الإعلام.

وأثبت الشعب التركي أو على الأقل 50 بالمئة منه أنه لم ولن يستسلم وسيستمر في نضاله من أجل الديمقراطية، وهو مستعد لدفع الثمن مهما كان غالياً طالما أن هذا النضال سينتهي بنهاية أردوغان. فقد أعلن أردوغان نفسه حاكِماً مُطلقاً للبلاد بعد تغيير النظام السياسي إلى رئاسي في نيسان / إبريل 2017، وجعل من حياة الناس جحيماً لا يُطاق بعد أن سعى لأسلمة الدولة والأمّة التركية وفق مزاجه ومعاييره والتخلّص من إرث أتاتورك العلماني.

وتطلّب كل ذلك المزيد من التسلّط الذي حمل في طيّاته الكثير من الاعتقالات التي استهدفت الآلاف من مُعارضي أردوغان من السياسيين والصحافيين والأكاديميين والمُثقّفين بل وحتى المواطنين العاديين.

وجاء سقوط إسطنبول ليُخيّب أيضاً آمال الإسلاميين العرب ويحطّ من معنوياتهم جميعاً ، بعد أن أصبحت المدينة تحت حُكم إمام أوغلو ( أي إبن الإمام ) “اليساري العلماني والصلاة من خلفه كفر وخيانة “. إذ تحتضن المدينة مراكز ومقار جميع التنظيمات والفعاليات الإسلامية من مختلف أنحاء العالم، ويعيش فيها الآلاف من قيادات وعناصر وأنصار وأتباع المجموعات الإسلامية ومنهم حوالي ألفين يعملون في قطاع الإعلام أي التلفزيونات والإذاعات ومواقع الإنترنت التابعة للأحزاب والمجموعات والتنظيمات الإسلامية من مختلف الدول العربية خاصة مصر واليمن وسوريا والعراق وتونس والسودان وأريتريا وليبيا وغيرها.

ومن دون أن تمنع هذه الهزائم الرئيس أردوغان الذي سيبقى مبدئياً رئيساً للبلاد حتى حزيران 2023 من الاستمرار في برامجه وتطبيق مخطّطاته العقائدية الإخوانية التي أراد لها أن تساعده خلال السنوات الثماني الماضية من أجل زعامة العالم الإسلامي، بدعم من الغرب الذي أراد آنذاك له أن يسوّق تجربة الإسلام التركي المعتدل العلماني للإسلاميين العرب.

كما جاءت سيطرة حزب الشعب الجمهوري على هاتاي وأنطاليا وأضنة ومرسين القريبة من سوريا، وفوز حزب الشعوب الديمقراطي في 8 ولايات على الحدود التركية مع سوريا والعراق وإيران ليثبت اعتراض سكان هذه الولايات على سياسات أردوغان الإقليمية ذات الطابع القومي والطائفي .

وزاد كل ذلك في الطين بلّة في مأزق الرئيس أردوغان الذي سيواجه المزيد من المشاكل في علاقاته الإقليمية والدولية، وخاصة مع أميركا والاتحاد الأوروبي بعد انتكاساته السياسية والعسكرية والاقتصادية ، والأهم العقائدية إذ لم يعد “زعيماً سياسياً وروحانياً للإسلاميين” مع استمرار خلافاته مع السعودية ومصر والإمارات والحديث عن دوره في أريتريا وليبيا.

وسيمنع كل ذلك أردوغان من الاستمرار في حساباته وسياساته الخاصة بدول الجوار الأربع بعد تدهور معنوياته التي لن يكون سهلاً عليها أن ترتفع بعد الآن أي بعد خسارته في إستانبول وأنقرة، وهي مدن مهمة جداً بعد أن تحوّلت إلى معقل لكل الفعاليات الإسلامية الداخلية والخارجية. هذا بالطبع إذا تجاهلنا الإمكانيات المالية العظيمة للمدينة وكانت في خدمة العدالة والتنمية وأتباعه وأنصاره في الداخل والخارج.

وقدَّر عبد اللطيف شنار نائب رئيس الوزراء السابق في حكومة أردوغان حتى 2007 حجم الفساد المباشر وغير المباشر في إستانبول بحوالى 3 تريليون دولار خلال ال 25 عاماً الماضية .

ويفسّر ذلك ” الحالة العصبية ” لأردوغان وأتباعه ، وهو ما انعكس على الحرب الكلامية المبكرة بين أتباعه في الإعلام الموالي ، حيث بدأوا يتّهمون بعضهم البعض بالتآمر على “الزشعيم” في محاولة من كل واحد منهم لإثبات ولائه المُطلق قبل أن يبدأ أردوغان “بقطف الرؤوس التي أينعت “.

فالمعلومات تتحدّث عن “تمرّد” مُحتَمل داخل العدالة والتنمية مع تحميل أردوغان مسؤولية الهزيمة في أنقرة وإستانبول والوضع الذي آلت إليه الدولة التركية في مجال سياساتها الداخلية والخارجية الفاشلة ، والتي أوصلت البلاد إلى حافّة الهاوية اقتصادياً ومالياً ما دفع الناخِب للتصويت لإبن الإمام وآمن بأنه سيكون نزيهاً ونظيفاً !


 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

عاجــــــل