سوريا ما بعد داعش

149

هل صحيح أن داعش قد انتهى ؟ هل ما بعده أقل خطورة مما قبله ؟ سواء على سوريا أو على سائر المنطقة ؟ هذا إذا لم نوسّع الدائرة ونتحدّث عن الساحل الأفريقي وآسيا.

كتب د. حياة الحويك عطية للميادين نت : التقارير الواردة من سوريا تقول إن الشاحنات التي تنقل العتاد والجنود الأميركيين المُنسحبين من سوريا تنقل معهم ثمانمئة مقاتل داعشي أجنبي كانوا أسرى لدى “قسد” ، وذلك بمُقتضى اتفاق سرّي بين قيادة سوريا الديمقراطية والدول التي ينتمي إليها هؤلاء خاصة فرنسا والولايات المتحدة.

ما يعني أن كلاً من داعش و”قسد” على حد سواء هما مجرّد أدوات طيِّعة بيد واشنطن . استعملتهما في سوريأ وربما تعود إلى استعمالهما غداً في العراق أو في الساحل الأفريقي أو في ليبيا أو في الصين ومَن يدري ألا يحمل جزء منهما في فنزويلا مثلاً.

هؤلاء الأجانب الذين قد يتضمّنون خبراء إسرائيليين من وحدات المُستعربين الذين درسوا في كلية شريعة خاصة أُنشِئت لهم في تل أبيب. هؤلاء ليسوا كل عديد داعش. فلا شك أن لتركيا حصّتها بين المُتبقّين ، على الأقل أولئك الذين كانوا يتاجرون بالنفط مع إبن أردوغان وصهره. ولا شك أن هناك مَن سيستسلم ، ومَن سيحلق لحيته ويُغيِّر ملابسه ويبقى مُندسّاً بين صفوف الشعب السوري.

ما ينطبق على داعش ينطبق على عشرات الآلاف من أعضاء التنظيمات الإرهابية الأخرى التي كان من المعروف أن عددهم قد بلغ ثمانين الفاً. وهؤلاء سيتفرّقون بدورهم خاصة بعد معركة إدلب القادمة. أو تسوية إدلب المُستبعَدة. فمَن قال إن خطر أعضاء النصرة أقل خطراً من أعضاء داعش؟
كل هذا سيعني بقاء عشرات الآلاف من المُجرمين، من المشوّهين نفسياً وفكرياً، من المزدوجي الحقد، حقد الثقافة التي شُحِنوا بها وحقد المهزوم . فكيف ستُعالج سوريا هذه المشكلة؟

سؤال يطرح نفسه بحدّة تزداد ضراوة مع منسوب المشاكل الأخرى التي تواجه سوريا ما بعد الحرب العسكرية : المشكلة الوجودية المُتعلّقة بأرض وشعب سوريا، المشكلة الدستورية في المقام الأول ، المشكلة الاقتصادية مع مستوى الدمار ومُتطلّبات إعادة الإعمار واستمرار الحصار ، المشكلة السياسية مع تزايُد الضغوط التي لن تنكفىء مع الانتصار وإنما ستتضاعف.

فلا الأميركي ولا التركي ولا الخليجي وبالطبع ولا الإسرائيلي ، سيُسلّمون بهزيمتهم وإنما سيلجأون إلى أساليب وأسلحة أخرى تطرح عدداً من التحديات والسيناريوهات. ( وفي كل يوم نسمع عن قصّة في هذه الضغوط من مثل تقرير منظّمة الأسلحة الكيماوية).

استعراض المشاكل واحدة واحدة :

في الأولى ، بدا منذ سوتشي الأخير الافتراق واضحاً بين ما يُسمّى بالدول الضامِنة، ففي حين يُصرّ بوتين وروحاني على وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة ، ما يعني دخول الجيش إلى كامل التراب السوري بما فيها المناطق التي تتحرّر من داعش ومناطق “قسد” ومنطقة إدلب ، يُصرّ أردوغان وبوقاحة على أن ” الجيش التركي هو وحده القادر على ذلك” وفق ما قاله في المؤتمر الصحفي المشترك ، ثم عاد وكرَّره للسي أن أن التركية وغيرها من وسائل الإعلام.

باختصار السلطان مـُصرٌّ على احتلال شمالي سوريا وضمن هذا الاحتلال تسوَّى أمور إدلب أيضاً، فإذا نحن أمام محمية تركية يزيد حجمها عن حجم الأردن ولبنان، تضمّ غالبية من الإرهابيين والأصوليين المُتشدّدين الذين لا يسجدون فعلياً إلا لصورة أردوغان.

وفي واقع الأمر تصبح سوريا مُحاصَرة بين فكيّ كمّاشة: إسرائيلي في الجنوب، وتركي – إسرائيلي في الشمال ( إذا ما أخذنا بعن الاعتبار المعاهدات الاستراتيجية الوثيقة بين تركيا وإسرائيل) ، هنا يبدو التحدّي الأول والأخطر الذي يُفسِّر ما قاله الرئيس الأسد من أن الحرب لم تنته.

في هذا السياق ، تكون “قسد” أو الكرد الانفصاليون ( إذ أن المواطنين الكرد ليسوا كلهم في صف هؤلاء) الحجّة التي يدعم الأميركي والإسرائيلي والأوروبي بقاءها ذريعة لمنح التركي تفويض الاحتلال. وبذا نفهم الإغراءات والضغوط التي مورِست لمنع محاولة التقارُب بين قيادات الكرد ودولتهم السورية.

في هذه المعادلة، يأتي الاحتلال التركي ، تحت مُسمّى المنطقة الآمنة، وما يتبقّى من وجود كردي، ذريعة المطالبة بتعديل للدستور يسمح بالفدرلة على أساس إتني مذهبي : هذا كيان كردي وذاك كيان سنّي أصولي ، واحد تحت الوصاية الأميركية – الإسرائيلية – الفرنسية ، وثان تحت الوصاية التركية – الإسرائيلية. ولتكرّ مسبحة التفتيت والتجزئة التي تقضي على ما صانته الدولة وجيشها وحلفاؤها.

في مقاربة كهذه، يصبح المطلب التركي الآخر من الدستور ، وهو السماح بقيام أحزاب على أساس ديني ( ما يحظّره الدستور الحالي) مدخلاً لانتشار الأخوان المسلمين وتنظيمات أصولية أخرى تندرج تحت عباءتهم بمُسمّيات مختلفة ، مدعومة من الخارج بالمال – في بلد دمّرت الحرب اقتصاده – وبالسياسة – في بلد مُحاصَر ومُقاطَع سياسياً حتى من عربه ، وبالسلاح ، إن اقتضى الأمر ، وهو أكثر المتوفّر.

وبما أن الخطوة الحتمية اللاحقة للدستور هي الانتخابات ، فسيكون من شأن هذه التركيبة أن توصل إلى مجلس الشعب ومن ثم مراكز القرار ممثلي هذه الكتل الهجينة التابعة للخارج التي لا علاقة لها بالمصلحة السورية.

وإذا ما انتقلنا إلى المطلب الثاني الذي يريدونه من الدستور ، ألا وهو تحرير الاقتصاد نحو مزيد من اللبرلة ، في ظل أوضاع الخروج من حرب عالمية ستتعدّى العقد من الزمن ، فإن لنا أن نتخيّل المتتالية التالية : الحرب دمّرت كل شيء وبالتالي ضاعفت حاجة المواطن للدولة، الدولة مُثقلة اقتصادياً وأمامها عبء غير مسبوق، اللبرلة تقلّل من قدرة القطاع العام ، وتزيد الفوارق الاجتماعية بشكل خطير ، والنتيجة ارتهان الناس مُرغمين إلى مَن يملك المال ، أو تراكم حقدهم وتفجّر غضبهم في وجه الدولة التي اعتادوا أن تتكفّلهم أو بعضهم في وجه بعض وقد اعتادوا الفوضى والعنف.

ولا يُخفى على أحد أن الناس التي عاشت تروما الحرب ومن ثم يفرض عليها أن تعيش تروما ما بعدها تتّجه أكثر فأكثر نحو الخيارات الماورائية ، وهنا تقف الدولة أيضاً أمام معضلة : أما استيعاب هذه الخيارات وبالتالي تقليص مساحة العلمنة والدولة المدنية ، وإما عدم الاستيعاب وبالتالي ترك هؤلاء فريسة للقوى الدينية المُتطرّفة.

مشهد قد يبدو قاتماً ومُحبطاً ، ولكن الوجه الآخر من الميدالية ، يعكس وعياً واضحاً لدى القيادة السورية بكل هذه المعطيات والمخاطر، وهذا ما تجلّى واضحاً في خطابات الرئيس الأخيرة ، وفي تحرّك الدبلوماسية السورية. وإذ يبدو الإصرار على التصدّي للمطامع الأردوغانية العسكرية واضحاً وصريحاً ، فإن ذلك لن يترك أمام الحلفاء الروس والإيرانيين ( شركاء أستانة) إلا بذل كل الجهد لضبط السلطان الهائِج . كما أن بطولات الجيش والقوى الرديفة وما نجحت في تحقيقه تظلّ رسالة للتركي بأن التاريخ يمكن أن يسترجع مقاومة الاحتلال العثماني لبلاد الشام إذا ما فرض الأمر قدراً.

أما بالنسبة للدستور ، فإن صلابة الموقف السوري إزاء تشكيل اللجنة وآلياتها ، يتضمّن صلابة مُحدّدة إزاء حليف إيراني قد يتفّهم مسألة الأحزاب الدينية أو حليف روسي قد يتفّهم مسألة الفدرالية ، فسوريا ليست إيران ولا روسيا ولكل قوّة سياقاتها.

أما البند الاقتصادي فإنه لا يتحمّل الخصخصة التي قد تفرضها الحاجة إلى دور هذا القطاع ، إلا بتكفيل المستثمرين بضمانات اجتماعية عالية وشاملة تدخل في جيب الدولة وتخرج إلى تكفل المواطن، لاسيما في المجالين الأساسيين التعليم والصحة .

هذا إلى جانب الحاجتين الأساسيتين : المأوى والغذاء . وهما حاجتان تتمكّن سوريا بما هي عليه من قوّة زراعية هائلة أن تؤمّنهما . فالأمن الغذائي هو أمن الحاجة الإنسانية الأولى وهو أول المُمكنات في بلد طالما حقّقه، شرط الحفاظ على الثقافة الإنتاجية في وجه ثقافة الاستهلاك.

في كل هذا يبرز دور الثقافة والإعلام، كرافعة لبناء عقلية ونشر نمط حياة ونمط تفكير أو كانجرار غير واع إلى مفاهيم الاستهلاك وقِيَمه التي لا تتعارض فعلياً مع مفاهيم الظلامية وقِيَمها، لأن كلاهما تعتمد على تغييب العقل النقدي والقيمة الإنسانية المستقلة.

يبقى الأمر الأخير وهو تمكّن ما يُسمّى بالدول العربية في المشرق والمغرب من تخفيف الضغط على سوريا ، كي تتمكّن هذه الأخيرة من مواجهة هذه التحديات الهائلة. لا محبّة بسوريا وإنما بنفسها. أقول هذا وأستثني الدول الخليجية التي تثار قضية مشاركتها في إعادة الإعمار ، لأنها إن ساهمت في إعادة إعمار الحجر والفولاذ فستقضي كلياً على كل ما أسلفناه من المطلوب في الإنسان.


 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

عاجــــــل