التبايُنات التركية – الكردية تُرهِق الأميركي

118

المُباغتة الأميركية المتعلّقة بالانسحاب من سوريا، ترتبط بشكلٍ مباشرٍ بالاستراتيجية الأميركية الفجّة الباحِثة عن بواعث تُرضِخ حلفاءها، فالنهج الترامبي يأتي ضمن قالب الغطرسة وفرض الأهواء والمزاجية، هو نهج مرتبط بما تُمثّله فضاءات الشرق الأوسط الغنية بتشعّباتها وتناقضاتها، وإمكانية الاستثمار المُعتمِدة على خلط الأوراق وتباين المصالح، لا سيما حين الوصول إلى مرحلة انعدام الخيارات وضياع الرؤى البعيدة والقريبة، المُرتبطة بالشأن السوري.

كتب أمجد إسماعيل الآغا للميادين نت : وعليه كانت الأوهام الأميركية تخطّ طريقها ضمن وقائع أبعد ما تكون عن تفعيلها واقعاً ضمن المشهد السوري، الأمر الذي ترجمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقرارٍ من العيار الثقيل، مُتعلّق بانسحابٍ تكتيكي من سوريا، ويُراد منه إنشاء مسرح جديد تحتوي مشاهده على تناقضات، يُمكن من خلالها البحث مجدّداً عن طرائق تُبقي ترامب على رأس المُستفيدين من قراره بالانسحاب من سوريا،
ضمن هذه الجدليّة بات حلفاء واشنطن في حِيرة من أمرهم، فما بين تركي باحِث عن مكاسب سياسية تُبقي أحلامه العثمانية قيد الحياة، وكردي تاهَ بين مُعادلات السيطرة والنفوذ، والبحث عن شريكٍ فاعلٍ يمكن التعويل عليه وحمايته من غدر الأميركي من جهة، وأنياب التركي المُتربّصة به من جهة أخرى، ضمن هذه الجزئيّة تكمُن مُعضلة الأميركي ومحاولته إمساك العصا من مُنتصفها، لتحقيق توازنات تركية كردية، ومن دون أن تُبعده عن المسارات السياسية والعسكرية في المشهد السوري.

الإعلان الأميركي بالانسحاب من سوريا، تبعه إعلان آخر يحمل من التناقضات الكثير، حيث أن تأسيس منطقة آمِنة شمال سوريا، جاء كجائزة ترضية للأتراك والكرد على السواء، لكن مع اختلاف وتناقض بين التصوّرات الأميركية والتركية والكردية حول ماهيّة المنطقة المُزمَع إنشاؤها، فالهدف الأميركي في حيثياته لا يبحث ضمناً عن تلبية مطالب أردوغان، أو تبرير هواجِس الكرد، بقدر ما يحتويه الهدف الأميركي من امتصاص حال الغضب التي تلت القرار بالانسحاب من سوريا، وتدارك تداعياته العملية والمستقبلية، فعلى جانبيّ هذا القرار يكمُن خطر كردي قد يُهدِّد توجّهات واشنطن في سوريا وامتدادها إلى العراق، بالإضافة إلى حليف أطلسي لا يمكن بأية حال من الأحوال الاستغناء عنه ضمن مصالح ظرفيّة في سوريا، فالدور الوظيفي لتركيا أبعد استراتيجياً لجهة الأهداف الأميركية بعيدة المدى المُتعلّقة بالشرق الأوسط.

ضمن السياسة الأميركية الصادِمة غداة قرار الانسحاب، برزت إلى المشهد السوري جُملة من التبايُنات، على رأسها وفي مقدّمها طرح قديم تجدَّد في محاولةٍ للالتفاف على جزئيّات القرار الأميركي، لكن ترامب في وقتٍ سابقٍ تحدّث عن إقامة مناطق آمِنة للنازحين في سوريا، وجاء هذا الطرح تحديداً في 25 كانون الثاني/ يناير 2017، حيث قال: “سأُقيم حتماً مناطق آمِنة للناس في سوريا”، وهو ما خلق آنذاك ردود فعل مُتباينة حول ماهيّة المناطق الآمِنة وحدودها وأبعادها والقدرة على تنفيذها والغاية من وراء إنشائها، وبين رافِضٍ ومؤيدٍ لهذه المناطق نتيجة عدم وضوح الرؤية السياسية المتعلّقة بأبعاد هذه المنطقة، وفي ذات السياق، كانت تركيا قد طرحت في مرحلةٍ مُبكرةٍ من الحرب على سوريا، فكرة المنطقة الآمِنة على إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، خلال الزيارة التي قام بها أردوغان إلى واشنطن في أيار/ مايو 2013، وقد قوبِلت الفكرة بالرفض القاطِع على الرغم من الضغط التركي لجهة التشديد على أهميّتها، أما اليوم فقد تبدَّلت المُعطيات لتتبدَّل معها المشاهد والمسارات السياسية والعسكرية في سوريا، وبات طرح مسألة المنطقة الآمنة وسيلة أميركية لإيجاد صيغةٍ توافقيةٍ بين تركيا والكرد، وفي جانبٍ آخر، لا يعدو هذا الطرح عن كونه محاولة أميركية لخلق المزيد من التوتّرات على الحدود السورية، بما يُبقي هذه المنطقة عُرضة للتعقيدات التي تحمل مُفاجآت قد تُطوّع أميركياً لغايات ظرفيّة، وبذلك تعمل واشنطن على تجاوز حال التخبّط والغموض التي تطبع سياستها في سوريا.

يبدو أن الانقسام داخل أركان الإدارة الأميركية هو السِمة الأبرز لمشهد السياسة الأميركية في سوريا، حيث أن ترامب يريد الانسحاب من مستنقع الأزمات التي خلّفتها الأزمة السورية، تاركاً إياها لروسيا وتركيا، في مقابل ذلك، تسعى وزارتا الدفاع والخارجية للبحث عن تفضيلات أخرى، تُبقي السطوة الأميركية وثقلها العسكري ضمن مسارات الشرق الأوسط ، بين هذا و ذاك، تكمُن جُملة من التبايُنات الباحِثة عن توافقاتٍ تُرضي تركيا والكرد، لكن وعلى المدى المنظور من غير المُحتَمل أن تتخلّى الولايات المتحدة عن الكرد لإرضاء أنقرة، فهذا يحمل نتائج قد تكون كارثيّة بمعناها السياسي لواشنطن، فالكرد بذلك التخلّي إنْ حصل، سيُجبرهم على الهرب من أنقرة إلى أحضان دمشق، ضمن هذا المُعطى يبدو أن الإدارة الأميركية تُعاني من ضياع في التوجّه الاستراتيجي المُتعلّق بالحلفاء في سوريا.

خلاصة القول، إن الانسحاب الأميركي وما تبعه من فكرة إنشاء منطقة آمِنة، هي قرارت أميركية يُراد منها خلط الأوراق وتجنّب الآثار السلبية الناجِمة عن سياسات ترامب، ولا ضير من وضع إسفين بين حلفاء سوتشي وأستانا، فالولايات المتحدة وضمن حسابات الربح والخسارة تجد أن بقاءها في سوريا سيكون من دون تحقيق مكاسب، لكن قد تُبقي على تأثيرها التخريبي أطول مدّة مُمكنة، وبالتالي فإن كافة الاحتمالات في سوريا ستبقى مفتوحة ومتقلّبة، وتتّجه نحو مزيدٍ من الغموض والتشوّش والتخبّط.


 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

عاجــــــل