حلم أردوغان بالمنطقة الآمنة بين سندان الخذلان الأمريكي ومطرقة الجيش السوري

197

منذ بداية الحرب على سوريا ويرتفع الصوت التركي تارة وينخفض تارة أخرى حسب وتيرة الميدان بخصوص المنطقة الآمنة، التي فشل في تحقيقها حتى اللحظة بفضل عوامل عديدة، كما فشلت ذات الخطة التي حاول الإسرائيلي بالتنسيق مع الأردني إقامتها في منطقة الجنوب، وفشلت قبلها المراهنات على منطقة مشابهة على الحدود اللبنانية السورية.

رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان عاد اليوم ليعزف على هذه النغمة، رغم فشل مخططه من خلال الاتفاق مع الأمريكي المنسحب كذباً والمنسق معه ضمناً، لتحقيق هذه الفكرة بناء على إنسحابه المزعوم، وثبت ذلك دخول الجيش السوري إلى محيط منبج، وقوة الموقف الروسي الذي لم يسمح بدخول التركي إلى هذه المناطق رغم محاولات المساومة والمراوغة.

أردوغان حتى اللحظة لازال يعتقد بأن هذا الحلم قابل للتحقيق، لابل أنه يتوسع في أحلامه مابين تحقيق مشاريع تركيا الطوباوية وبين إعادة أمجاد الإمبراطورية والخلافة العثمانية من خلال خلق توازن إجتماعي سياسي عسكري بين الأطراف التركية الحالمة بكل ما تقدم، ليظهر على أنه منقذ الأمة التركية وصانع أمجادها، محاولاً كعادته أن يأخذ دور البطل فيها، فقد وصل به الأمر بأن ألمح بأنه لن يكتفي بإعادة السيطرة على ما أسماه أرض الأجداد في شمال سوريا بل وصل به الأمر إلى السودان والبلقان ومن يعلم قد تكون أوروبا أيضاً أرض أجداده كما يزعم.

إلى متى سيستمر هذا المسلسل التركي وإلى متى سيبقى أردوغان في حالة الإنفصال عن الواقع؟

ماهي العوامل الحقيقية والفعلية التي أفشلت التركي في تحقيق هذا الهدف بالرغم من أن لديه كثير من الأوراق الحساسة وخاصة لجهة الميدان والدعم الأمريكي المبطن؟

هل كان هناك إتفاق فعلي بين الأمريكي والتركي رغم الإيماء بوجود خلاف بينهما رافقه مشاحنات سياسية وتهديدات متبادلة بين الرئيسين ترامب وأردوغان؟

لما كل هذا الصبر على تركيا من قبل الدولة السورية وهل للحلفاء رأي آخر معلن لجهة التعامل مع الوضع القائم أم أن الأمر يبقى قيد الكتمان نظراً لحساسية المرحلة؟

هل يفيد الإعلان عن قرب تسوية سورية مع قوات قسد التي يتذرع بمحاربتها أردوغان والتي حسب وسائل الإعلام أعلنت موافقتها نحو الإنضمام إلى صفوف الجيش العربي السوري؟

حول الأسباب والعوامل التي جعلت رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان يعيد تكرار محاولاته لإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري يقول الخبير العسكري الإستراتيجي والمحلل السياسي العميد هيثم حسون: “طبعاً كما هو معلوم الرئيس التركي منذ الحرب على سورية كان الشعار المفضل لديه للإستثمار السياسي وفي الحرب على سورية هو إقامة المنطقة الآمنة، المستند فيها أساسا إلى أطماع إستعمارية قديمة تعود إلى السلطنة العثمانية. هذا الأمر سعى إليه أردوغان منذ سنوات الحرب الأولى، بذريعة حماية اللاجئين السوريين، وذريعة منع الدولة السورية من إستهداف المدنيين السوريين كما إدعى، ولكن هذا الأمر فشل في بدايات الحرب على سورية، ووصل إلى مرحلة اليأس من تنفيذه، ولكنه عاد مجدداً إلى هذا الحديث خلال الأسابيع الماضية بسبب مجموعة المتغيرات الناشئة”.

وتابع حسون:” والحديث عن المنطقة الآمنة لايستند إلى وقائع سياسية أو وقائع ميدانية أوعسكرية، وإنما يستند فيه أساساً إلى فكرة أنه يريد النزول عن الشجرة العالية التي صعد إليها من خلال التصريحات والتهديدات الكبيرة التي كان يطلقها خلال الفترة الماضية. أردوغان عاد إلى هذه النغمة بعد المستجدات الأخيرة للحالة السورية”.

أما لجهة تأرجح حلم أردوغان بإقامة المنطقة الأمنة في الشمال السوري وبقائه بين الطموح والممكن وعلاقة ذلك بالخلافات الناشئة مع الأمريكي يقول العميد حسّون:

“شعار المنطقة الأمنة منذ بداية الحرب على سوريا كان هدفاً لجميع الأعداء في الإقليم، وما سمي معارضة كمقدمة لإسقاط الدولة السورية، الكيان الصهيوني و”النظام” الأردني طالبا أيضاً بالمنطقة الجنوبية كمنطقة عازلة أو آمنه، بعض القوى المعادية في لبنان وتنفيذاً لأوامر خليجية وغربية رفعت ذات الشعار لتطبيقه في مناطق حدودية، كل هذه المطالب سقطت مع تحرير المناطق الحدودية مع لبنان والمنطقة الجنوبية، بقي النظام التركي وهو منذ بداية الحرب كان يرفع ذلك الشعار ويسعى جاهداً لتحويله إلى واقع دون أن يحقق أي نجاح. بعد التحو لات الميدانية الدراماتيكية لمصلحة الدولة السورية لم يعد هذا الحديث مجديا”.

أما عن سبب عودة أردوغان إلى إتخاذ هذه الخطوات والعزف بشدة على نغمة المنطقة الآمنية فيرى العميد حسّون أن “ما سبَبَ العودة الى تلك النغمة هو مجموعة المستجدات التي طرأت خلال الأسابيع الماضية والمرتبطة بقرار الإنسحاب الأمريكي من الأراضي السورية المحتلة حيث جرى التفاهم بين الرئيسين التركي والأمريكي على دخول القوات التركية إلى منبج بالتوازي مع إنسحاب الأمريكيين هذا الموضوع أفشلته سرعة ردة الفعل للقيادة السورية وحليفها الروسي بدفع قوات من الجيش العربي السوري لمحيط منبج، ما سبب خيبة ومفاجأة للأمريكيين والأتراك عطلت التفاهم بينهما،

وتابع حسون: “بعد ذلك قامت تركيا بإتصالات كثيفة مع الحليف الروسي للحصول على غطاء يسمح بدخول القوات التركية إلى شرق الفرات، لكن الرئيس الروسي كان واضحاً بأنه لن يُسمح لأي قوة بالدخول بإستثناء الجيش السوري صاحب الحق والقدرة اللازمة لمواجهة التطورات الحاصلة مع ضمانات أمنية لتركيا، بعد ذلك حصلت مناوشات سياسية و إعلامية بين التركي والأمريكي الذي رفع درجة تهديده لتركيا في محاولة من الرئيس الأمريكي لتخفيف الشعور بالغدر والخذلان للميليشيات الكردية من الراعي الأمريكي، ترافق ذلك مع تحركات عسكرية سورية بإتجاه شرق الفرات بغطاء سياسي عسكري من الحلفاء وتواضع مطالب الميليشيات الكردية بعد أن فقدت الغطاء والمشغل والمظلة الأمريكية”.
وأردف العميد حسّون:

“هنا وجد أردوغان أنه وقع ضحية تهديداته العلنية وتحركاته العسكرية الإستعراضية على الحدود، والتي أصبح أسيراً لها في هذه الأثناء، وللخروج من هذا المأزق السياسي الخارجي والداخلي تمت العودة للدفاتر القديمة لإخراج الشعار ذاته ” المنطقة الآمنة”، ولإعطاء هذا الموضوع صفة الجدية حصل تنسيق مع الولايات المتحدة كي تعلن موافقتها على الطرح التركي، ومنح أردوغان إنتصاراً معنوياً يعوض الفشل الذي واجهه في كل تحركاته، ليقوم بتوظيفه في الداخل التركي بين مؤيديه ومعارضيه”.

وأضاف العميد حسّون:” الجميع يدرك وفي مقدمتهم أردوغان أن هذا الأمر غير قابل للتحقيق، لأن دونه مواجهة مؤكدة مع الجيش السوري وحلفائه وفي مقدمتهم روسيا، وهو بطبيعة الحال لايستطيع إحتمال تبعات هكذا مواجهة معروفة النتائج مسبقاً، ويظل شعار ومشروع المنطقة الآمنة مبرراً لأردوغان ليبقي صوته عالياً فقط، والإيحاء بأنه صاحب القول الفصل واليد العليا دون أن يكون لديه أي فرصة للنجاح في تحقيق مآربه”.


 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

عاجــــــل