هل أعطى الروس لأردوغان فرصة إنهاء وضع إدلب بشكل سلمي؟

733

في الظاهر والعلن، هناك تحضيرات عسكرية لافتة لتحرير إدلب، تتواكب مع نشاط دولي وإقليمي محموم في الدبلوماسية والإعلام والسياسة، مترافقة مع تهديدات الدول الغربية على المكشوف، باستهداف الجيش العربي السوري والدولة السورية، فيما لو ذهب بالحسم العسكري حتى النهاية، وهذه التهديدات، مغلّفة بالرد على استخدام الأسلحة الكيمياوية، والتي اتفقوا جميعاً بأن الجيش العربي السوري سوف يستخدمها… (استخدمها أم لم يستخدمها).

كتب شارل أبي نادر للعهد الإخباري : هذا في العلن، أما في غير العلن، فيبدو أن هناك مناورة “شطرنجية” معقدة، تحاك خيوطها بتخطيط روسي وبتنفيذ تركي، تحت مراقبة حذرة من سوريا وإيران، لإطلاق رصاصة بدء الهجوم مباشرة، في حال فشلت تركيا في تنفيذها، فما عناصر هذه المناورة؟

عمليا، القرار السوري بتحرير ادلب هو قرار نهائي ولا رجوع عنه، وهذه المعادلة الواضحة هي ثابتة: في القانون الدولي، في التجربة، في القدرة العسكرية، والأهم من ذلك، في المصلحة الوطنية والقومية للدولة السورية.

الحلفاء الروس متحمسون مثل الدولة السورية وربما اكثر، لأنهم، إضافة الى مصلحة الدولة السورية التي يشتركون معها فيها ايضا، لديهم مصلحة فيها التحدي والمنافسة والصراع الاستراتيجي والحرب الباردة مع الأميركيين.

الحليف الايراني يدعم ويتمسك بكل ما تراه الدولة السورية مناسباً لتحرير أراضيها، ولإعادة التوازن العسكري والميداني الى كامل الجغرافيا السورية، ومن ضمنه الى دولة أساسية في محور المقاومة، والذي تتجاوز أهدافه الارهابيين، الى رعاتهم الاساسيين، الغربيين والاسرائيليين.

حزب الله ايضا جاهز لمساندة الجيش العربي السوري في معركة المرحلة الأخيرة من قطار مواجهة الارهاب وتحرير سوريا، ويرى من العدل والإنصاف والوفاء لشهداء الدفاع المقدس، تتويج هذا الدفاع المقدس بتصفية وإنهاء أي تواجد أو جذور أو أصول ارهابية، بالحسم العسكري اذا فُرض على الدولة السورية، أو بالتسوية السياسية إذا قُدِّرَ لها أن تسلك.

من ناحية أخرى، أظهرت قمة طهران الأخيرة بين الرؤساء الثلاثة، الروسي والايراني والتركي، تبايناً واضحاً في النظرة الى تحرير ادلب، وفي الوقت الذي أظهر الروس والايرانيون جدية لامتناهية لناحية تنفيذ قرار إنهاء وضع الارهابيين في ادلب عبر الحسم العسكري، تحفّظ الاتراك بشكل متشدد لمنع الحسم عبر العملية العسكرية، طالبين إعطاءهم فرصة أخرى لتنفيذ ذلك سلمياً، تضاف الى عشرات الفرص التي حصلوا عليها سابقا وفشلوا فيها.

من الناحية الفعلية، لا يمكن لموقف تركيا اليوم، أن يكون في حقيقته سلبياً تجاه روسيا وايران، لأنها لا تحتمل خسارة حلفها الجديد، أو حلف المصلحة الجديد، مع الروس ومع الايرانيين، انها تحتاجه اليوم أكثر من أي يوم آخر، بمواجهة الهجمة الأميركية الشرسة عليها، اقتصاديا وديبلوماسيا وسياسيا، ومن الطبيعي أنها لن تفرط به مقابل مجموعات المسلحين (الإرهابيين وغير الارهابيين)، والذين طالما تحركوا وقاتلوا وقُتلوا لمصلحة أجنداتها، أكثر من مصالحهم الخاصة الضائعة أساساً وغير الواضحة.

من جهة أخرى، تعلم تركيا جيداً أن تسهيلها لعملية تحرير إدلب عسكريا، سوف يضعها في عداء مع جميع المسلحين الذين ترعاهم وتحضنهم بالعلن، ومع الإرهابيين الآخرين الذين تحضنهم أيضا وترعاهم، لكن في الخفاء، والذين بالأساس تجمعوا في الشمال السوري (أجانب ومحليون)، برعايتها وتحت أنظارها وموافقتها.

هؤلاء المسلحين، والمتداخلون في الأراضي التركية سابقًا وحاليًّا، عبر نشاط عسكري وأمني ومالي وتدريبي ولوجستي واجتماعي، يحتاجون الآن، ولاحقا بعد تحرير ادلب، عسكريا أو سلميا، لراعٍ يحضنهم ويوجههم ويكون قادراً على حمايتهم أو استيعابهم، وتركيا هي المؤهلة الأنسب لذلك.

وهذا ما تريده أيضا روسيا وبقوة، لأنها تعتبر أن احتضانهم واستيعابهم ضروري، ولا يجب تركهم دون راع أو موجه، لأن خطر إرهابهم وخاصة للأجانب منهم، سيتوسع وينتشر، ووجهتهم الطبيعية ستكون بالغالب أراضيها أو أراضي دول الاتحاد السوفياتي السابق، لذلك تبقى فكرة استيعابهم ضرورية، ولا يمكن لتركيا إدارة الظهر لهم وتركهم لمصيرهم أمام الهلاك المؤكد، فيما لو تُركوا وحيدين بمواجهة القاذفات والصواريخ الاستراتيجية والتكتيكية الروسية، أو بمواجهة الوحدات الخاصة السورية وعلى رأسها قوات النمر، والتي لديها مع هؤلاء حساب عسير وخاصة في جسر الشغور وادلب واريحا وسهل الغاب ومعسكر المسطومة ووادي الضيف ومحيط الفوعة وكفريا واللطامنة وكفرزيتا وغيرها..


من هنا جاءت عناصر المناورة الروسية كالتالي:

– الروس والايرانيون والدولة السورية يضغطون في الحشود ونقل الوحدات العسكرية على الخط النهائي للمعركة، ولا يمنع من متابعة القصف الجوي المركز باستهداف مواقع يجب أن تُدمر أساساً، مع حسم عسكري أو من دونه.

– الاتراك يعارضون العملية العسكرية في الظاهر ويستشرسون في محاولة منعها، مهددين متوعدين، محافظين في ذلك على خطوط تواصل مع جميع المسلحين، وهنا يبقى هؤلاء الى جانب تركيا، تفاوضهم مُظهرة الصعوبة والضغط وعدم إمكانية الاستمرار في تأخير العملية العسكرية عليهم، تدفعهم لإيجاد حل والمحافظة على أرواحهم وعلى بعض مكتسباتهم للتفاوض السلمي، وفي الوقت نفسه، تتابع عملها لناحية استيعاب مجموعة “تحرير الشام” وأذنابها المتشددين، وتسعى لإدخالها في منظومة التسوية التي تصبح بالنسبة لهؤلاء أمرا واقعا مفروضا، ولا حل لهم من دونها.

والنتيجة النهائية: تحرير إدلب كما تحررت الغوطة الشرقية وكما تحرر الجنوب السوري، وينضم مسلحو الشمال إلى الآخرين، وبالإجراءات الادارية والتنظيمية نفسها مع الجيش العربي السوري، تكون الدولة السورية والروس والايرانيين وحزب الله قد ربحوا تحرير ادلب، ووضعوا قطار الحل على السكة النهائية قبل التوجه شرقا، حسماً أو تفاوضاً، وتكون تركيا قد ربحت روسيا وايران وتربح المسلحين الذين تبقى راعيتهم في المفاوضات، تستفيد من ورقتهم وتؤمن من خلال دورهم (السلمي الشعبي) برعايتها، تحجيم الاكراد وتقييد حركتهم الانفصالية في عفرين ومحيطها، وفي غيرها ربما، والمقصود طبعا في الشرق السوري.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

عاجــــــل