كيف تعاملت السلطة وحركة فتح مع أزمة فلسطينيي سوريا؟!

زيارة مرتقبة للرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى العاصمة السورية دمشق، هذا ما قاله في حديث صحفي أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب، خلال وجوده في دمشق مؤخرا، ضمن وفد فلسطيني يمثل سلطة محمود عباس.

زيارة رافقتها الكثير من الانتقادات لتجاهلها ملف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وغياب هذه القضية الهامة عن أجندة اجتماعات الرجوب بالمسؤولين في دمشق.

وبحسب الرجوب فإن اللقاءات جاءت في ظل مرحلة هي الأصعب في تاريخ القضية الفلسطينية، وأن الوفد في دمشق لتشكيل انطلاقة حقيقية لصياغة الوضع الفلسطيني في ظل التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق لإنهاء القضية الفلسطينية.

حقيقة لا نعلم ماذا تنتظر السلطة من النظام السوري ليقدمه لها في ظل الوضع الذي تعيشه سوريا والتي أصبحت مسرح عمليات وقصف متواصل للاحتلال الإسرائيلي متى شاء، تماما كما يحدث في مناطق السلطة بالضفة الغربية المحتلة؛ من اقتحامات واعتقالات وقتل للفلسطينيين تحت مسمع ومرأى أجهزة التنسيق الأمني، بالإضافة إلى القرار السوري المملوك من قبل دول مثل روسيا وإيران.

كيف يمكن أن يخدم نظام دمشق سلطة رام الله في مواجهة التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، دمشق التي تستعيد علاقاتها مع دول عربية طبعت مؤخرا مع الاحتلال؟

وهل حقيقة السلطة تواجه التطبيع؟ فماذا نسمي لقاء عباس مع وزير الدفاع الإسرائيلي غانتس نهاية العام الماضي؟

بالتالي، فإن الحديث عن أهداف الزيارة أنها في إطار دعم القضية الفلسطينية حديث باطل وبعيد كل البعد عن الواقع، وإنما هي مصالح متبادلة وتكتيك جهات مرتهنة لا تمتلك قرارها.

إن غياب أو تغييب ملف فلسطينيي سوريا وما لحق بهم من تدمير للمخيمات واستهدافهم بالقتل والإخفاء القسري في السجون السورية؛ عن أجندة اللقاء الأخير، يقودنا للبحث في عنوان مهم هو كيف تعاملت سلطة محمود عباس وحركة فتح مع أزمة فلسطينيي سوريا منذ بداية الأحداث في 2011؟

قبل الحديث في هذا العنوان، من المهم الإشارة إلى بعض المحددات التي بنت سلطة عباس وحركة فتح موقفها من الأزمة السورية بين النظام والمعارضة.

الانقسام الفلسطيني من أهم المحددات التي رسمت به حركة فتح موقفها السياسي من الأزمة في سوريا، فجاء موقف فتح معاكسا تماما لموقف حركة حماس، من مبدأ الخلاف والندية وعدم التوافق على موقف فلسطيني موحد مما جرى ويجري في سوريا.

بالتالي، رأت السلطة وفتح في اختيار موقف معاكس لحركة حماس من الأزمة السورية؛ فرصة لاستعادة علاقات فتح مع نظام دمشق بعد سنوات من القطيعة بسبب الخلافات بين الرئيس الراحل ياسر عرفات وحافظ الأسد. بمعنى خروج حماس من سوريا وعودة فتح.

وهذا هو المحدد الثاني في أن السلطة وفتح بنت موقفها انطلاقا من مصلحة فصائلية ضيقة على حساب مصلحة الشعب الفلسطيني ومدى تأثره في تبعات الأحداث في سوريا بسبب موقف السلطة.

بالتأكيد تبعات هذا الموقف ستكون تأثيراته أكثر سلبية على الفلسطينيين في سوريا، كونه موقفا سياسيا من جهة فلسطينية تقول إنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا يختلف من حيث التأثير الذي يحدثه موقف فصيل فلسطيني من الأحداث السورية، سواء بدعم النظام أو المعارضة.

إذا المحدد الأول هو امتداد للانقسام الفلسطيني وتبعاته، والثاني تحقيق مصالح سلطوية فصائلية على حساب مصالح اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.

ونستدل على ذلك من خلال استعادة السلطة للعديد من المقرات والمكاتب والأراضي التي كانت دمشق قد وضعت يدها عليها إبان الخلاف بين عرفات والأسد.

في موقف سلطة محمود عباس وحركة فتح من الأزمة السورية، فإن السلطة وفتح لم تضعا بيضهما في سلة واحدة، ضمن تقديرات وحسابات سياسية تقوم على قاعدة علاقات مع الأطراف جميعها وبنسب متفاوتة.

الموقف السياسي الرسمي لسلطة محمود عباس وحركة فتح كان موقفا داعما للنظام السوري، ولم يتغير هذا الموقف منذ بداية الأحداث وخلال مراحلها المختلفة وتطوراتها السياسية والعسكرية، وهو موقف مشابه ضد ثورات الربيع العربي.

فالنظام الفلسطيني في رام الله كان ولا يزال النظام العربي الوحيد الذي لم يقطع علاقته مع النظام في دمشق منذ بداية الأزمة، وحتى في ظل تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية.

هذه العلاقة من خلال وفود السلطة ومنظمة التحرير التي استمرت في زياراتها إلى العاصمة دمشق، وبالتحديد خلال فترة حصار مخيم اليرموك جنوب دمشق (2012- 2015).

وانعكس موقف السلطة وحركة فتح المؤيد للنظام من خلال تبني روايته في ما يتعلق بجريمة حصار أهالي مخيم اليرموك الفلسطيني ووفاة أكثر من 200 لاجئ بسبب الجوع، وتماهي السلطة مع النظام في تحميل مسؤولية الحصار للمعارضة السورية، وتبني فكرة أن من يمنع دخول المساعدات الغذائية إلى المخيم هي مجموعات المعارضة المسلحة في مخيم اليرموك.

هذا التماهي كان واضحا من خلال تصريحات الشخصية الجدلية وممثل الرئيس عباس ومنظمة التحرير المختطفة وعضو اللجنة التنفيذية في المنظمة، أحمد مجدلاني، والذي كانت له زيارات متعددة إلى دمشق بالتحديد حول قضية مخيم اليرموك.

وفي كل زيارة له إلى دمشق ينتاب الفلسطينيين في مخيم اليرموك حالة من القلق والترقب، لأنهم اعتادوا على حدوث مصيبة للمخيم مع زيارة المجدلاني وإطلاقه التصريحات التي تخدم رؤية النظام، وحتى أنه أساء في أكثر من مرة للاجئين الفلسطينيين في اليرموك، وصل حد التحريض ضد المخيم والدعوة لعمل عسكري مشترك بين النظام والسلطة.

إن وفود السلطة وحركة فتح التي زارت دمشق خلال سنوات الأزمة، لم ينتج عنها أي حل لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، فالسلطة لم تستثمر هذه العلاقة مع النظام في الإفراج عن معتقل فلسطيني واحد؛ حتى – على الأقل – لو من أبناء حركة فتح المعتقلين في السجون السورية.

صحيح أن السلطة اليوم تمارس جهودا في ما يسمى إعادة إعمار مخيم اليرموك، من خلال أعمال إزالة الأنقاض وتقديم بعض المساعدات للمقيمين في المخيم، لكنها جهود أقل من الواقع والاحتياجات، والسلطة تتحمل جزءا من المسؤولية في وصول المخيم إلى هذا الحال من الدمار؛ نتيجة موقفها السياسي.

صحيح أن سلطة محمود عباس وحركة فتح وضعت جل بيضها في سلة النظام السوري، لكن هناك سلالا أخرى حظيت بشيء من هذا البيض، سواء بقرار رسمي من السلطة وفتح أو قرار من الأجهزة الأمنية التابعة لهذه السلطة.

في ما يتعلق بسلة المعارضة السورية، فقد تشكلت مجموعات عسكرية في صفوف قوات المعارضة (الجيش السوري الحر) في مخيم اليرموك 2012، من أبرزها كتائب شهداء الأقصى والتي تم تغير اسمها فيما بعد، حيث إن قادة وعناصر هذه المجموعات من كوادر وأنصار حركة فتح المعروفين في مخيم اليرموك.

وكتائب شهداء الأقصى لمن لا يعلم فهي الذراع العسكري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وقد واجهت هذه المجموعات قوات النظام السوري مدعوما بالفصائل الفلسطينية، مثل القيادة العامة وجبهة النضال وفتح الانتفاضة وحركة فلسطين حرة.

في عام 2015 ومع الهجوم العنيف الذي شنه تنظيم داعش الإرهابي على مخيم اليرموك، امتنعت المجموعات المسلحة المحسوبة على حركة فتح من التصدي للتنظيم والدفاع عن المخيم وأهله، ومن الواضح أنه قرار سياسي أمني مرتبط بالسلطة وأجهزتها الأمنية.

فلماذا لم تتصدَ هذه المجموعات المسلحة للتنظيم، في حين أنها كانت تشتبك مع فصائل معارضة أخرى في مناطق مجاورة لمخيم اليرموك لأسباب أقل أهمية؛ مثلا بسبب غلاء الأسعار؟

لكن الواضح أن القرار هو عدم الاشتباك مع داعش الذي يريد إنهاء كتائب أكناف بيت المقدس التي تحسب على حركة حماس، وبالتالي نعود إلى المربع الأول المتعلق بالانقسام الفلسطيني.

وبعد سيطرة التنظيم بايعت هذه المجموعات تنظيم داعش الذي أعلن مخيم اليرموك جزءا من ولايته، وخرج من تبقى من هذه العناصر مع التنظيم بعد تدمير المخيم إلى البادية السورية. وحتى في ما يتعلق بتنظيم جبهة النصرة في مخيم اليرموك، فقد ضم التنظيم أيضا عناصر من حركة فتح.

الخلاصة، أن موقف سلطة محمود عباس وحركة فتح من الأزمة السورية بني على عدة محددات سياسية وأمنية؛ ركزت بالدرجة الأولى على مصالحهما الذاتية وجعلت من معاناة فلسطينيي سوريا ومحنتهم وقودا لتحقيق أطماعهما ومحاربة خصومهما السياسيين في المشهد الفلسطيني.

السلطة الفلسطينية وحركة فتح من الأطراف النادرة الذين احتفظوا بشيء من بيضهم دون أن ينكسر في عجانة الأزمة السورية.

أخيرا، ألفت النظر إلى تقديري لعدد من الجهود الإنسانية التي بذلها نشطاء من أبناء حركة فتح في التخفيف من معاناة أهلنا في مخيم اليرموك خلال فترة الحصار والموت جوعا، ومنهم من استشهد واعتقل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل