لماذا الديمقراطية أولا في العالم العربي؟

قبل أسبوع من انعقاد قمة الديمقراطية التي دعا لها الرئيس الأمريكي جو بايدن في التاسع من الشهر الجاري، تداعى قادة سياسيون ونشطاء ديمقراطيون عرب من كل التيارات لعقد مؤتمر افتراضي مساء الجمعة الماضي، تحت عنوان “الديمقراطية أولا في العالم العربي”، شارك فيه نحو مائتي مشارك من 18 دولة عربية.

كان لافتا حرص المتحدثين الرئيسيين في المؤتمر على التوضيح أنهم لا يستهدفون دعما أمريكيا أو غربيا، ولكنهم يستهدفون فقط التأكيد على أهمية الديمقراطية للمنطقة العربية، كما أنهم لا يربطون أنفسهم بقمة بايدن أو غيره، حتى وإن لم يكن عيبا الاستفادة من الزخم الذي ستناله قضية الديمقراطية في العالم العربي ضمن أجواء تلك القمة. فالمنطقة العربية التي شهدت ربيعا متأخرا في بعض بلدانها ما لبث أن استحال خريفا بفعل الثورات المضادة؛ هي الآن الأكثر معاناة من القمع والاستبداد. ولن تتوقف الآثار السلبية لغياب الديمقراطية في العالم العربي على شعوب المنطقة، بل ستفيض لتصل للشعوب الغربية عبر موجات الهجرة غير الشرعية وعمليات العنف والإرهاب.

لماذا كانت الديمقراطية أولا وليس التنمية أو الخبز أو حتى الشريعة؟ بكل بساطة لأن الديمقراطية تحرر إرادة الشعوب، وتمكنها من تقرير مصيرها، واختيار نظم حكمها ومساءلتها، وحسن تنمية ثرواتها، وحسن إنفاقها في المشاريع التنموية المطلوبة. كما أن الديمقراطية ترفع وعي الشعوب بحريتها واستقلالها، وهي التي تمكنها من حماية عقيدتها وشريعتها، ولا تترك ذلك لتلاعب الحكام، وتوظيفهم للدين والشريعة بما يخدم بقاءهم واستبدادهم.

لن تتوقف الآثار السلبية لغياب الديمقراطية في العالم العربي على شعوب المنطقة، بل ستفيض لتصل للشعوب الغربية عبر موجات الهجرة غير الشرعية وعمليات العنف والإرهاب

“الحرية مقدمة على الشريعة”.. هذا موقف أصيل لكبار العلماء المجتهدين، وهو موقف أعلنه الدكتور يوسف القرضاوي مرارا، نصا منطوقا أو مكتوبا، داخل مصر وخارجها قبل سنوات من الربيع العربي، وكان أحد المرجعيات لهذا الربيع الذي يعتبر القرضاوي شيخه الأبرز. هذا الموقف أنار الطريق أمام الكثيرين، وأعاد ترتيب الأولويات، وتحديد أصح المسارات، أمام الكثير من القوى الإسلامية خاصة في المشرق العربي التي كانت تعطي الأولوية للشريعة على الحرية. فليس في الأمر تعارض بين الحرية والشريعة، بل إنهما قرينان، فلا شريعة بلا حرية، ولا حرية بلا ضوابط شرعية.

في حملته الانتخابية الرئاسية تعهد جو بايدن بتعزيز الديمقراطية عبر العالم، ومواجهة النظم المستبدة، وكان ضمن تعهداته تنظيم قمة للديمقراطية في العالم، يدعو إليها قادة النظم الديمقراطية. ولأن العالم العربي حاليا لا توجد به نظم ديمقراطية، فقد تم تجاهل دعوة حكامه باستثناء العراق، وهو استثناء لا مبرر له سوى أن الديمقراطية العراقية المشوهة هي صناعة الغزو الأمريكي، وكان الأجدر بإدارة بايدن دعوة ضحايا الاستبداد والمدافعين عن الديمقراطية في العالم العربي الذين دفعوا أثمانا كبيرا في نضالهم من أجل الحرية والديمقراطية لشعوبهم. حسنا فعلت الإدارة الأمريكية أيضا أن تجاهلت هؤلاء المدافعين عن الديمقراطية، حتى تتأكد للعالم استقلالية موقفهم، ونبل مسعاهم، وطهارة تضحياتهم. ولو كانت الإدارة الأمريكية صادقة حقا في شعاراتها فليس مطلوبا منها تقديم الدعم للمدافعين عن الديمقراطية، ولكن المطلوب هو وقف الدعم المالي والسياسي والاقتصادي الذي تقدمه للحكام المستبدين، والذين يستقوون بهذا الدعم على شعوبهم، ويستخدمونه للتنكيل بمعارضيهم.

كان العقد المنصرم (الربيع العربي والثورات المضادة) اختبارا حقيقيا لمدى الإيمان بالديمقراطية في المنطقة العربية، نجحت بعض القوى السياسية في هذا الاختبار، وفشلت بعض القوى رغم أنها تنتسب ظاهرا لليبرالية، وكانت تبشر بالديمقراطية، لكنها انحازت إلى الاستبداد والانقلابات العسكرية؛ متجاهلة ما كانت تدعو إليه من قبل. حدث هذا في مصر وليبيا وتونس وحتى السودان.

حين تتحقق الديمقراطية يصبح من حق كل تيار أو قوة سياسية أن تعرض بضاعتها بكل حرية، ويصبح من حق الشعوب أن تختار ما يناسبها بكل حرية أيضا، ويمكن لها أن تعدل أو تغير خياراتها مع كل استحقاق، وبهذا تصبح هناك فرصة لكل التيارات

تأسيس “شبكة الديمقراطيين العرب” واحد من الأهداف النبيلة، زرعت بزرته في مؤتمر “الديمقراطية أولا في العالم العربي”، وهذه الشبكة يمكن أن تضم طيفا واسعا من كل المدافعين الحقيقيين عن الديمقراطية أيا كانت خلفياتهم السياسية (ليبرالية- إسلامية- يسارية- مستقلة). فحين تتحقق الديمقراطية يصبح من حق كل تيار أو قوة سياسية أن تعرض بضاعتها بكل حرية، ويصبح من حق الشعوب أن تختار ما يناسبها بكل حرية أيضا، ويمكن لها أن تعدل أو تغير خياراتها مع كل استحقاق، وبهذا تصبح هناك فرصة لكل التيارات في تداول الحكم بما يسعد شعوبها.

معركة الديمقراطية في العالم العربي ممتدة، ولا تزال تنتظرها الكثير من المحطات والتضحيات، وما حدث في الموجة الأولى والثانية للربيع العربي هو مجرد خطوات أولى؛ صحيح أنها لم تصمد كثيرا أمام الثورات المضادة، لكنها أثبتت القدرة على التغيير، ومنحت الشعوب فرصة تجربة الديمقراطية والحرية لبعض الوقت  “على سبيل الاختبار”، على طريقة العروض الترويجية المجانية للسلع الجديدة التي تحتاج لدفع ثمنها كاملا إذا أردت امتلاكها، والشعوب تدفع الآن هذا الثمن وحتما ستمتلك الحرية، وتنعم بالديمقراطية مع سداد ما تبقى من أقساط.

twitter.com/kotbelaraby

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل