عرمرم عرمرم يا سودان.. حمدوك وارتهاناته الأربعة

تسارع إيقاع الأحداث في السودان في الأيام الأربعة الماضية، لينهي نحو شهر من التحركات والوقائع، ويفتح مرحلة جديدة من صراع ممتد؛ بدأت حلقته الأخيرة عقب الإطاحة بعمر البشير من سدة الحكم في عام 2019، حيث تم التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة في السودان، وشكلت بموجبه حكومة انتقالية من ممثلين مدنيين وعسكريين كي تشرف على عودة الحكم المدني الكامل.

هناك ترحيب رسمي، دولي وإقليمي، بالخطوة الحاسمة التي فصلت بين ما جرى منذ الانقلاب الذي أعلنه الفريق أول عبد الفتاح البرهان في 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وما سيليها، بتوقيع اتفاق سياسي جديد بين البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك لتقاسم السلطة. ويسمح الاتفاق المكون من 14 بندا، بالإفراج عن السجناء السياسيين، لكن لم يتضح بعد حجم السلطات التي يتمتع بها رئيس الوزراء.

عنوان الاتفاق، حسبما يتضح من ردود الفعل، هو “عزل” حمدوك، نهائيا عن القوى السياسية التي رشحته ودعمته، عزل يجعله مرتهنا لأربع إرادات: الأولى تبدت بوضوح في تصريحات المسؤولين الأمريكيين، حيث قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن: “إن الولايات المتحدة تريد أن ترى المزيد من التقدم نحو الديمقراطية في السودان قبل استئناف تقديم المساعدات”، والمتحدث باسم وزارة الخارجية، نيد برايس قال: “هذه خطوة أولى، ولا يجب أن تكون خطوة أخيرة”، مشددا على أنه لن يتم استئناف تقديم المساعدات (قيمتها 700 مليون دولار)، فتقديمها “سيعتمد كليا على ما سيحدث في الساعات والأيام والأسابيع المقبلة”.

في هذه النقطة يظهر بوضوح أن التأييد الدولي (الغربي بالأساس، فموقف كل من روسيا والصين من البداية غامضا، وربما غير مؤثر ظاهريا) موجه إلى عبد الله حمدوك كشخص، بمعزل عن باقي القوى السياسية. الدعم الغربي هو، إذا، منحصر في حمدوك كممثل للمدنيين، دونا عن الكتل السياسية المؤثرة والفاعلة.

حمدوك سيكون مرتهنا أيضا للاعتبارات الحاكمة للمكون العسكري، وأهم ما يشغل تفكيري هنا هو الموقف من إسرائيل، فإذا كان حمدوك قد أعلن رفضه للاتفاق المنفرد الذي عقده البرهان في مدينة عنتيبي في شباط/ فبراير 2020، تحت رعاية الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، مع رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو، حيث اتفقا على بدء خطوات تعاون من شأنها أن تقود إلى تطبيع العلاقات بين الجانبين، فإن واقع الاتفاق الجديد بين حمدوك وبين البرهان، الذي جرى في معزل عن القوى السياسية الأساسية الداعمة لحمدوك، تجعل الأخير في موقف ضعيف، قد لا يسمح له بالاستمرار في رفضه المضي إلى تنفيذ اتفاق عنتيبي.

ثم سيكون حمدوك، ثالثا، مرتهنا لواقع أن المواقف الغربية، والإقليمية (مصر، السعودية، الإمارات) ليست راغبة في التخلي عن المكون العسكري في المعادلة السياسية الداخلية لصالح المكون المدني، وحججها في ذلك تبدو إلى حد ما معقولة، فبالفعل تعاني مؤسسات الدولة السودانية كافة من هشاشة ظاهرة، وهناك حالة من السيولة السياسية توجب حضورا ما للجيش في مرحلة الانتقال، خاصة لجهة إنجاز متطلبات اتفاق جوبا للسلام، بكل تعقيداته.

أخيرا، سيكون حمدوك مرتهنا لاستمرار الرفض الجماهيري الواسع للشراكة مع المكون العسكري، والذي عبر عنه بيان تجمع المهنيين، الذي وصف اتفاق البرهان وحمدوك بأنه “اتفاق الخيانة”، وأنه “مرفوض جملة وتفصيلا، ولا يخص سوى أطرافه، فهو مجرّد محاولة باطلة لشرعنة الانقلاب الأخير وسلطة المجلس العسكري، وانتحار سياسي للدكتور عبد الله حمدوك”.

* * *

الاتفاق السياسي الذي وُقِّع بين البرهان وحمدوك أنهى مرحلة وفتح آخرى، معلمها الرئيس أن حمدوك عاد بمفرده إلى موقع رئيس الوزراء، بدعم ورعاية لصيقة من الغرب وبلدان عربية مؤثرة. وهو أصبح في مواجهة تكتل شعبي فعال ومؤثر، مكون من جناح من قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزى) وتجمع المهنيين والحزب الشيوعي السوداني.

وهكذا ترتسم عناصر الصراع في المرحلة المقبلة داخل السودان: شراكة البرهان وحمدوك، التي تعبر عن توافق الجيش كقوة أمر واقع مع حمدوك؛ منعزلا عن القوى الثورية الأساسية التي دعمته، والقوى الثورية التي رسخت موقفها الرافض للشراكة مع المكون العسكري، وبينهما هناك تيار إصلاحي، كان جزءا من الثورة على البشير. وأخيرا هناك خليط من القوى التقليدية (القبائل، الطرق الصوفية، الجماعات المناطقية)، ولها روابط ظاهرة مع بقايا نظام البشير.

لا يمكن لأي مراقب للوقائع الجارية في السودان أن ينكر أنه لولا تواصل التظاهر والاحتجاج والدماء النازفة في الشوارع؛ لما وجدت قيادة الجيش، والقوى الإقليمية الداعمة له، نفسها مضطرة للتراجع عن مواقفها والتوجه إلى حمدوك، الذي بات عنوانا للقوى الغربية، للتوقيع على الاتفاق الجديد، لكن الآراء تفترق بعد تسليمها بتلك “الحقيقة”.

فهناك من المراقبين من يشكك في نجاعة مواصلة التيار الثوري رفض الشراكة مع الجيش، وهؤلاء إذ كانوا قد شككوا من البداية في قدرة المتظاهرين على كسر إرادة الانقلاب، ثم “صدمتهم” طاقة الرفض والخيال الثوري/ الاحتجاجي، انتقلوا إلى “دفاتر خبرات الثورة في العصر الحديث”، ورددوا برطانة مقولات من نوعية “الاحتجاج والتظاهر قد يُسقط النظام القديم ولكنه لن يبني جديدا”، وأن “إصلاح المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ودمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي لا يتحقق على يد قوى سياسية غير منتخبة”.

والواقع أن زخم الثورة لم يصل بعد، في تقديري، إلى ذروته المنتظرة، وهو ما عبر عنه بيان تجمع المهنيين: “طريق شعبنا أكثر وضوحاً الآن من أي وقت مضى، إسقاط شراكة الدم وكل من يلتحق بها، ومواصلة المقاومة السلمية ببناء قواعده المقاوِمة في لجان الأحياء والكيانات النقابية، وتنويع أدوات الفعل المقاوم بلا توقف وصولاً للدولة المدنية الديمقراطية وسلطتها الثورية الخالصة”.

* * *

أتابع وقائع ما يجري في السودان لأفهم وأتعلم، أملا في أن يقدم السودانيون برهانا على أن قوى الثورة المضادة، والهيمنة الإسرائيلية يمكن أن تنكسر في مكان ما في بلاد العرب. ولست واهما في توقعي، كما أني لست واهما في أحلامي، وهي مفارقة أدركها جيدا. الأحلام نفسها مجرد “وهم”، لكنها أكثر فاعلية من “الواقعية”، و”الإصلاحية”، و”الحلول الوسط”، وخبرة “كتب الأنظمة والأجهزة”، فكل هذا بدوره مجرد “أوهام” حين تصطدم بـ”أوهام” مضادة، تمتلك الخيال والإرادة معا. وظني أنه في السودان، في هذه اللحظة، يتوفر كل هذا.

في الدعوة لتظاهرة السبت الماضي، لفت نظري استخدام كلمة “عرمرم”، في بيان الدعوة: “مسارات وموجهات مليونية زلزال الشعب.. ثوار وثائرات مدينة أمدرمان الكبرى.. سوف تنطلق مواكبنا عرمرم الى قصر الطاغية وأصحابه”، ورحت أردد: عرمرم، عرمرم، يا سودان.

ولفت نظري، أخيرا، بيانات “تجمع الأخصائيين النفسيين”، وخاصة بيان الأحد. فردّا على “مناشدة مدير عام قوات الشرطة الفريق خالد مهدي لعلماء النفس والاجتماع لتفسير ما أسماه “سلوك عنيف” تجاه أفراد الشرطة”، فند البيان مسألة “السلوك العنيف” للمتظاهرين، مؤكدا أن “التجمع” رصد “العنف الدامي والقوة المفرطة التي تستخدمها قوات ومليشيات المجلس العسكري الانقلابي في قمع التظاهرات والمواكب السلمية لإخماد جذوة الثورة، ولكن ردت عليهم جماهير الشعب السوداني بالصدور العارية وشجاعة وصمود، تأكيدا لرفضهم القاطع للانقلابات”، وأنه “طوال أمد الثورة ظل الثائرين والثائرات متمسكين بسلمية الحراك”.

ثم أوضح بيان تجمع الأخصائيين النفسيين” ردا على مناشدة الفريق خالد، أن “ما شهده من أفعال للمتظاهرين في مواجهة عنف الشرطة من إطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والحي بالهتاف السلمي والصدور العارية؛ هي ردود أفعال يصنفها علم النفس كأفعال سامية منتصرة على غريزة البقاء، تفضل أهداف الحرية والسلام والعدالة بعيدة المدى على أهداف البقاء. هذه الأفعال هي أيضاً من ناحية نفسية أفعال بنائية للمجتمع لا فردية؛ أي أنها تفضل نجاح أهداف الثورة لمصلحة المجتمع العليا على بقاء الفرد”.

هذا هو اختبار حمدوك، الذي يمكن له من خلال اجتيازه أن يثبت مقدرته على التحرر من الارتهانات الأربعة التي أوقع نفسه فيها: “تجنب أن تتقدم غريزة البقاء على الحرية والسلام والعدالة، فالاستمرار في استخدام العنف المفرط في قمع المظاهرات هو مدعاة لغريزة البقاء في نفوس المتظاهرين والتي ستحمي نفسها بكل الطرق المتوفرة”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل