ردا على رسالة “المعتقلين” في سجون السيسي

قبل نحو أسبوعين، تداولت بعض المنصات الإعلامية، وعدد من النشطاء السياسيين والحقوقيين رسالة، قال موقعوها (الذين لم يذكروا أسماءهم) إنهم ممثلون عن سجون: وادي النطرون، طرة، جمصة، المنيا، برج العرب، الأبعدية، الحضرة، و”مراكز وأقسام الشرطة المختلفة في مصر”، وجاء في الرسالة المذكورة ما نصه:

“بعد وفاة الرئيس مرسي (رحمه الله) وقد كانت الشرعية تتمثل في شخصه، أما وأنه قد رحل، فقد أصبح للبلاد رئيس شرعي، ودستور، وقوام دولة كاملة، ومؤسسات مكتملة.. ونحن إذ نعبر عن شريحة معتبرة، تمثل أغلب المعتقلين، بكافة توجهاتهم السياسية، مخاطرين بأنفسنا لإيصال هذه الرسالة، بصوت مسموع لدى أطراف اتخاذ القرار، نعلن:

إنه وفقا لما تم التصريح به يوم 11 سبتمبر (أيلول) الماضي، بمناسبة إطلاق استراتيجية جديدة لحقوق الإنسان، فإننا نثمن وندعم ما تم التصريح به، ونوافق على مصالحة أو تسوية شاملة، في الإطار الذي تحدده الدولة، بما يضمن عدم اعتراض مشاريعها (الدولة) وما تقوم به”.

واستطرد كاتبو الرسالة: “نطالب كل أطراف الصراع، بإنهاء معاناتنا ومعاناة أطفالنا وأسرنا ومرضانا وعجائزنا وشبابنا الذين أصابتهم مختلف أمراض السجن النفسية والجسدية، فضلا عن مستقبلهم الغامض الذي يمضي أمامهم وأمام أسرهم، في حزن مكتوم، إذ يمر قطار الأعمار سُدى، دون إمكانية تعويض هذه السنوات”..

وانتهت الرسالة بهذه الاستغاثة: “فرحمة بنا، أنقذونا من بين هذه الجدران، وأعيدونا للحياة”.

ليس رئيسا ولا وجود لمؤسسات في مصر

هذه ليست الرسالة الأولى التي تخرج من سجون السيسي، فقد سبقتها رسائل عدة خلال السنوات الثماني المنصرمة، جسدت (كلها) معاناة المعتقلين، وطالبت بوضع حد لهذه المعاناة التي تتمثل في الاعتقال التعسفي، دون سند من القانون، والغياب التام للعدالة في الحالات التي تُعرض على القضاء، و”حقارة” أماكن الاحتجاز واكتظاظها، وانعدام الرعاية الصحية (الإحصاءات المحايدة تتحدت عن أكثر من ألف ضحية للإهمال الطبي خلال ثماني سنوات)، والحرمان من الزيارة والتريض، وإهانة الأهالي وسوء معاملتهم، والتحرش بالنساء منهم، أثناء الزيارات إذا تمت.. إلخ.

الجديد في هذه الرسالة أنها تحدثت بلسان المعتقلين في “سجون مصر كلها”، باستثناء سجن العقرب! ولا أدري (وأنا المعتقل السابق) كيف تم التنسيق بين أصحاب الرسالة في “كل السجون”، سواء من جهة استطلاع آراء المعتقلين بشأن موضوع الرسالة، أو من جهة التوافق على مضمونها، في “وقت قياسي” لا يتجاوز اثني عشر يوما، هي المدة الفاصلة بين الإعلان عما سماه السيسي “الاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان”، في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2021 والثالث والعشرين من الشهر نفسه، وهو تاريخ كتابة هذه الرسالة!

الجديد في هذه الرسالة أيضا، الحديث عن “وفاة الشرعية” بوفاة صاحبها الرئيس الشهيد محمد مرسي، والاعتراف الواضح بـ”شرعية السيسي” في قولهم: “بعد وفاة الرئيس مرسي (رحمه الله) وقد كانت الشرعية تتمثل في شخصه، أما وأنه قد رحل، فقد أصبح للبلاد رئيس شرعي، ودستور، وقوام دولة كاملة، ومؤسسات مكتملة”!

وللتصويب، حتى لا تمر هذه العبارة “الملغومة” مرور الكرام.. فإن الشرعية لم تكن تتمثل في الرئيس مرسي (رحمه الله)، وإنما تتمثل في الشعب الذي يمنح ويمنع هذه الشرعية لمن يشاء، من خلال انتخابات نزيهة! وقد ظل هذا الشعب (صاحب الشرعية) يتظاهر (يوميا) على مدى ثلاث سنوات، مطالبا بعودة الشرعية (أي احترام إرادته التي منحت الشرعية للرئيس المنقلب عليه) والتنديد بانتزاعها منه، بغير الطريق الذي حدده الدستور، ألا وهو “الانتخابات الحرة”.

وللتصويب أيضا، فإن السيسي ليس رئيسا شرعيا ولن يكون، وإنما هو مغتصبٌ للسلطة؛ لأنه لم يصل إليها بالطريق الشرعي الذي حدده الدستور، وإذا جادل مجادل في ذلك، محتجا بتلك “الانتخابات” التي أجراها السيسي؛ لإضفاء “الشرعية” على وجوده في منصب رئيس الجمهورية “المغتصَب”، فشهادة المراقبين العدول تقول: إنها كانت “انتخابات صورية”، الغرض منها “استيفاء المسوغات الشكلية” التي ترفع الحرج عن داعميه من المسؤولين (في الدول الديمقراطية) أمام شعوبهم، لا أكثر ولا أقل!

أما الحديث عن “قوام دولة كاملة”، فلعل كاتبي الرسالة لم يصلهم ما قاله السيسي (بعضمة لسانه) أو وصلهم ولم يكترثوا له: “إحنا أشباه دولة”! وربما لم يصل إلى علمهم، أو وصل و”مش فارق معاهم” أن مصر ليس بها “مؤسسات مكتملة” أو غير مكتملة! وإنما بها سكرتارية لشخص واحد اسمه عبد الفتاح السيسي، ألغى الدستور الذي أقره الشعب في 2012 بأغلبية 64 في المائة، وقام بتفصيل دستور جديد على مقاسه، في 2014، يضمن له البقاء في السلطة مدى الحياة! ولعلهم لم يعلموا، أو علموا و”كبروا دماغهم” بأن من يعتبرونه “رئيسا شرعيا” قد أوعز إلى أجهزته الأمنية والمخابراتية باختيار أعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ من بين أشد المصريين فساداً ونفاقا وتملقا، وأشدهم عداوة لمصر وشعبها، وليس أدل على ذلك، من موافقة هؤلاء على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، رغم صدور حكم قضائي بمصريتهما، وإصدارهم تشريعا يقضي بفصل موظفي الدولة، بغير الطريق القانوني، وكذلك فصل كل من يُشتبه بانتمائه للإخوان المسلمين، من وظيفته، حتى لو كان كفؤا ومتميزا، الأمر الذي فتح الباب على مصراعية لاضطهاد وتشريد ملايين المصريين، مع حرمانهم من إمكانية التظلم أو التقاضي!

لا تثريب عليكم

بغض النظر عن محاولة الرسالة (الواضحة) لإضفاء “الشرعية” على السيسي ونظامه الانقلابي، ومحاولة إظهار مصر للرأي العام (الخارجي) بأنها دولة مؤسسات، ولعل هذا هو الهدف الأساس من هذه الرسالة، فإن الشق المتعلق بمعاناة المعتقلين فيها، حقيقة واقعة، يُسأل عنها السيسي وحده، وليس أي شخص آخر، ولا أي جهة أو كيان معارض له.. فدولة “المؤسسات المكتملة” التي تحدثت عنها الرسالة، هي دولة قانون في المقام الأول، تحترم القانون وتعمل بمقتضاه، وتنفذه على الجميع دون استثناء. وقد كفل القانون للمعتقل حقوقا؛ لم ير أي معتقل (في مصر) أي أثر لها، في أي مكان من أماكن الاحتجاز أو الاعتقال!.. فمن المسؤول (إذن) عن إهدار حقوق المعتقلين غير هذا الذي وصفته الرسالة بأنه “أصبح الرئيس الشرعي” وهو الذي لا يقع أي انتهاك في السجون إلا بأمره؟!

أشارت الرسالة إلى “أطراف اتخاذ القرار” وناشدتهم: “أنقذونا من بين هذه الجدران، وأعيدونا للحياة”!.. وهذا انطباع خاطئ! فلا وجود لـ”أطراف” تتخذ القرار في مصر!.. هناك طرف واحد (فقط) هو السيسي وأجهزته الأمنية والمخابراتية التي تأتمر بأمره المباشر!.. ومن ثم، فالرسالة موجهة للسيسي دون سواه، ولا أظنه سيستجيب!.. وإذا كانت الرسالة موجهة إلى قيادة الإخوان المسلمين، فإنها لن تصل..

أما السيسي، فقد شرع في بناء “أول أكبر” مجمع للسجون في مصر، وهو واحد من ثمانية مجمعات مماثلة، تستوعب نحو 400 ألف “نزيل” إذا كانت كاملة العدد؛ كي تستوعب كل من يُغضب السيسي ولو بتدوينة، أو تغريدة، أو بمقال كما حدث مع الصحفي عبد الناصر سلامة رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق، أو بفيديو مثلما جرى مع الفنان إيمان البحر درويش الذي اختفى في ظروف غامضة، بعد “سحبة اسكندراني” خرجت من أنفه، في معرض تهديده بفضح أجهزة أمن السيسي إذا مسته بسوء، فأنزلت به ما هو أكثر من السوء، قبل أن يبوح بسره!.. إن هذا العدد الهائل من الزنازين يشي بأن السيسي لديه النية لاعتقال المزيد، وليس العكس!

وأما الإخوان المسلمون، فحالهم “يصعب ع الكافر”!.. فهم منقسمون (اليوم) على أنفسهم، ولا تملك قيادتهم (التي لم تعد شخوصها معروفة على وجه التحديد) رؤية تطرحها، ولا أوراقا تلوّح بها.. وأما باقي القوى (إذا كان لا يزال في مصر قوى) فقد انكفأت على نفسها، فلا تسمع لها رِكزا.. وأما الكيانات “الثورية” في الخارج، فليست سوى صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يلتفت إليها إلا قلة “بريئة” لا تزال مسكونة بمشهد ميدان التحرير المثالي في 2011، ولم تستوعب بعد، أن “ثورة يناير” لم تكن سوى انتفاضة “صادقة” من جانب الشعب، خطط لها العسكر بخبث، ودعوا إليها من خلال صفحة “كلنا خالد سعيد” على فيسبوك لإنجاح انقلابهم الأبيض على مبارك، وإفشال سيناريو التوريث الذي كان سيدفع بجمال مبارك (المدني) إلى حكم مصر، وهو الأمر الذي لم يستسغه العسكر، فلم يسمحوا بتمريره!

بناءً على ما تقدم، فلكل معتقل الحق في أن يعتق رقبته بالوسيلة التي تتاح له، أو التي يبادر هو بإتاحتها لنفسه، فإن كان صادقا مع الله، فيما مضى، وفيما هو آت، فهو في حُكم المُكره على قول ما لا يرضى من القول.. وإن كان فقد القدرة على التحمل، وبلغ به التعب مبلغه، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. وإن كان ذا أسرة لاقت في غيابه صنوف الحرمان، وذل الحاجة، فالله يعفو عن كثير.. وإن كان هناك من لا يزال وفيا لمبدئه، مستعدا للتضحية بالغالي والنفيس؛ حتى لا يظن أهل الباطل أنهم على حق، أو أن باطلهم قد انتصر، فاللهَ أسأل أن يزيده ثباتا وعزة وشموخا، وأن يعوّضه خيرا في الدنيا والآخرة.. ولا سامح الله من سعى لحمل أمانة لا طاقة له بها، فظلم نفسه وظلم غيره، ولا سامح خائنا أقسم بالله على كتاب الله وهو عازم على خيانة من استأمنه، ولا سامح انتهازيا علا صوته بكلمات منمقة استجلابا للإعجاب، وبالغ في نفخ أوداوجه لتنتفخ جيوبه.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

twitter.com/AAAzizMisr

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل