المعتقلون المصريون وأُسرهم أولاً

حينما تنازلت عن الطموح الشخصي كانت زاوية رؤية الشأن العام مختلفة، أصبح ما هو مرفوض يقيناً يمكن النقاش حوله، وما تراه مناسباً أصبح هو المستحيل. سنحت الظروف في الفترة الأخيرة أن أرتب لقاء بين عدد من المهتمين بالشأن العام في داخل مصر وخارجها، وقتها لم تكن هناك أي صفة رسمية لأي شخص في ذلك اللقاء؛ للحديث عن الموضوعات ذات الأولوية القصوى كما يراها هؤلاء المهتمين.

وبعيداً عن تفاصيل النميمة السياسية المعتادة، أستطيع أن أؤكد أن النظام المصري الآن لديه رغبة حقيقية للجلوس على طاولة الحوار.

لدينا الآن فرصة حقيقة وبإصرار من قبل نظام الحكم للجلوس، فكم حاولت أن أبتعد عن لقاء د. مشيرة خطاب (رئيسة المجلس القومي لحقوق الإنسان حالياً) مرات، وأن اللقاء يكون بدونها بذريعة أن الانتقاد سيصل لشخص الرئيس، وكانت المفاجأة أنها صممت ووافقت على الحضور للاستماع. كانت الملاحظات والانتقادات حادة وتطرقت لكل المجالات، طال بعضها شخص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والمؤسسة العسكرية ودورها.

ما يهمني هنا ليس فقط إظهار رغبة النظام في لملمة الجروح الغائرة وجبر الخواطر المكسورة والغاضبة، أو التي بعضها يرغب أو يعمل على الانتقام.. دع المفاجأة تكتمل حينما تعلم أن جميع الأطراف لديها رغبة حقيقية للحوار، هذا ما أستطيع تأكيده.. الجميع أُنهكوا، الكل مُستنزفون تماماً، بل ويبحثون عن حل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأطراف الفاعلة المسيطرة على المجال العام على مدار السنوات الأخيرة، وخاصة فيما بعد 2013، لديها قنوات اتصال مستمرة، هكذا علمت وتأكدت وصدمت. والجملة الأخيرة معلومة استوثقتها من ممثلي هؤلاء الفاعلين، فلا يغرنك ما يُقال في وسائل الاعلام التي تبحث عن القصة المثيرة.

إن نظم الحكم لا تحب ولا تكره، ولكن يتم تقييمها بعيدا عن مشاعر الحب والكره والمصالح الشخصية، فلا بأس من الحوار الذي هو أساس العمل العام. تلك التجربة التي خضت تفاصيلها، والتي لا زلنا لا نعرف نتائجها حتى الآن.

أستطيع أن أؤكد ثلاث نقاط، قد تكون مبشرة بالنسبة للرأي العام للخروج من هذا النفق المظلم:

النقطة الأولى: الضغط الدولي

حقيقة حينما اخترت الولايات المتحدة الامريكية كمنفى اختياري، التقيت بالعديد من النشطاء، بعضهم كان فاعلا أو مقربا من أصحاب القرار في الأحداث الكبرى التي أودت بنا لهذا المصير. اكتشفت أن ما يُقال حول الضغوط الأمريكية والغربية بشكل عام ليست كما هي متصورة ويتم إبرازها، المؤكد أن لدى هذه الدول كروت ضغط أو تأثير، لكن نظام الحكم في مصر احترف التلاعب بها ويمكنه استيعابها واحتواؤها بسهولة من قبل الدولة المصرية، فالخبرة والقدرات والكروت التي يملكها مكنته من الاستمرار حتى الآن.

قالها مرة أحد النشطاء المنفيين هنا في واشنطن العاصمة؛ إن الدافع وراء ذلك “السبوبة”.. كلمة واحدة باختصار تشرح كل هذه الدوافع وإيهام الشباب الصغير بأن هناك دوراً ولا زال له تأثير، فالمؤسسات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية قد تعمل على المساعدة أو التحفيز أو مساندة الأطراف للانخراط في العملية السياسية أو التفاوضية كما يحلو للبعض تسميتها، بينما المؤكد أنها ليست ولن تكون البديل عن هذه الأطراف إلا في حالات نادرة؛ حينما تصل الأمور لارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وحتى الأخيرة بحاجة لشرعية دولية واسعة ورضى لدى الرأي العام العالمي.

بكل ثقة أقولها المسألة المصرية ليست محل اهتمام إلا المصريين وفقط، حتى التأثير العربي انتهى.

النقطة الثانية: الرغبة في الحوار

استجابت الأجهزة الأمنية على مدار السنة الأخيرة لدعوة البرلماني السابق محمد أنور السادات بالإفراج عن بعض المعتقلين، أو كما يحلو لأجهزة الأمن تسميتها الإفراج عن بعض المحتجزين. السادات التقط خيط الانفراجة وعمل على توسيعها لتشمل الجميع، بل بذل جهداً لتحسين صورتها وشجع أطرافا أخرى للانخراط فيها حتى تكون عملا جماعيا.

أعلم على سبيل اليقين أن بعض الشخصيات العامة والسياسية التقطت نفس الخيط في التواصل مع أجهزة الأمن؛ للإفراج عن المعتقلين المنتمين لمجموعاتهم السياسية أو تحسين أوضاعهم، لكنهم كانوا يخشون إعلان ذلك عدا السادات، خوفا وابتزازا من مدعي ومحتكري الوطنية ومحترفي تضييع الفرص ومسببي الأزمة السياسية الحالية التي أنهكت الدولة المصرية وأصبحت مهددة في وجودها.

وصلنا للنهاية؛ إما الحوار معا أو الضياع جميعا. ماذا لو كان في كل تيار سياسي لديه شخصية على غرار الأستاذ محمد السادات، يتفاوض وينتظر ويخوض معاركه بالنقاط. الآن لدينا طرف نزيه يمكنه التواصل ويحفظ للجميع ماء الوجه، بل يحمل مشاعر إيجابية تجاه معارضي النظام في الداخل والخارج؛ إن صنفته فيكون الأقرب للمعارضة، يعمل على التهدئة وإعادة ترتيب الأوراق، فلماذا لا زلنا محبوسين في لحظات تاريخية انتهت؟

آن الأوان لإبعاد الأصوات المتطرفة الرافضة للحوار من كل التيارات والخضوع لصوت العقل، جاء وقت العناصر العاقلة في الأطراف الفاعلة في المشهد المصري أن تتصدر صناعة القرار. أقولها بثقة: إن الجميع لديه رغبة صادقة وراسخة بالتخلص من هؤلاء، أستطيع بكل ثقة أن هناك مستفيدين من جمود الوضع الحالي ومن أزمة المعتقلين وأسرهم، سواء داخل النظام ومؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، أو على الطرف الآخر من المعارضين.

النقطة الثالثة: أوراق معارضي الخارج

على مدار سنوات ومن قبل ثورة يناير 2011، كانت الورقة الفاعلة لدى معارضي الخارج هي فضح انتهاكات النظام وتسليط الضوء على مساوئه، لكن يجب عدم نسيان أن التغيير والعامل الحاسم بيد المصريين. الآن وعلى مدار سنوات تم تشويه صورة النظام في كل أنحاء العالم، صُنف ووضع على قوائم الدول الديكتاتورية على غرار كوريا الشمالية والصين ومثيلاتها، فماذا تحقق؟

جاءت الفرصة للجلوس علانية، فبدلا من أن تكون سرية فيستفرد نظام الحكم بكل طرف، توفرت لدينا ضمانات بعدم التنكيل للحديث علانية. أزعم وبكل ثقة أن المعارضة المصرية في الداخل والخارج لا تملك أي فرص أو أدوات للتأثير على الداخل المصري، ولنتعامل بمنطق نفعي تماما؛ إن نجحت في الإفراج عن المعتقلين أو بعضهم سيكون لك رصيد لدى الشارع يمكن البناء عليه، وإن فشلت فلن تخسر شيئا، فأنت لا تملك من أمرك شيئا.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل