الطاقات المتجددة.. هل ستصبح بديلاً عن التقليدية في سوريا؟

الطاقات المتجددة.. هل ستصبح بديلاً عن التقليدية في سوريا؟

تزداد معاناة السوريين من سوء واقع الكهرباء، وخاصة في أوقات البرد والحرّ الشديدين اللذين يزداد خلالهما استخدام الأجهزة الكهربائية، والسبب الأساسي هو النقص الشديد في مادتي الفيول -الذي يعد مصدراً أساسياً للطاقة الأحفورية- والغاز الذي يغذي غالبية محطات التوليد، وذلك نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، وعدم قدرة الدولة على الاستفادة من حقول النفط في المحافظات الشمالية بسبب سيطرة الاحتلال الأمريكي ومسلحي تنظيم “قسد” الموالين له عليها.

وانصبّت اهتمامات الحكومة السورية مؤخراً على إقامة مشاريع للطاقات المتجددة، منذ أن وجّه الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب القسم الدستوري الذي أجراه في 17/7/2021، بالتركيز على الاستثمارات بالطاقة البديلة، وذلك بغية تخفيف التقنين الكهربائي في المناطق السكنية، وإقامة الاستثمارات المختلفة التي تعتمد على الكهرباء بالدرجة الأولى.
لا يمكن الاعتماد عليها!

كما شاع الحديث في الأوساط السّورية عن التوجه الحكومي لاستبدال الطاقة التقليدية بالطاقات المتجددة سواء أكانت شمسية أم ريحية أم حيوية، الأمر الذي نفاه معاون مدير مركز بحوث الطاقة سنجار طعمة في حديثه لـ “سبوتنيك”، مؤكداً أن الطاقات المتجددة ستكون رديفاً للطاقة التقليدية، وأن القصد من هذه الاستثمارات هو زيادة توليد الكهرباء من مصادر أخرى للتخفيف من استهلاك الطاقة التقليدية، وخاصة أنه لا يمكن الاعتماد على الطاقات المتجددة في كل فصول السنة، فمثلاً يمكن التوليد بالطاقة الشمسية لمدة 10 ساعات يومياً في فصل الصيف مقارنة بـ 5 ساعات فقط في فصل الشتاء، معتبراً أن ذلك لن يخلق مشكلة ولن يؤثر على منظومة الكهرباء لأن مساهمة الطاقة المتجددة لا تزال ضعيفة إلى الآن.
المشاريع الحكومية

وأكد طعمة أن الحكومة تعمل على إقامة مشاريع كبرى للاستثمار بالطاقات المتجددة لربطها على الشبكة الكهربائية وتوزيعها بالشكل المناسب، إذ تدرس حالياً العروض الفنية لإنشاء مزرعة ريحية باستطاعة 10 ميغاواط في محافظة حمص-جندر، إضافة إلى متابعة تنفيذ محطات توليد الشيخ نجار الكهروضوئية باستطاعة 33 ميغاواط.

وأشار إلى إعداد الدراسات الفنية لتنفيذ مشاريع كهروضوئية لصالح بعض الجهات العامة الأخرى، والعمل على استكمال تنفيذ مشروع كهروضوئي باستطاعة 650 ميغاواط، على أسطح كلية الهمك بجامعة دمشق.
شركات صينية وإماراتية

ومن جانب آخر، كشف طعمة عن رغبة العديد من الشركات المحلية والعربية والعالمية، في الدخول بسوق الاستثمار بالطاقات البديلة في سوريا، مشيراً إلى أن المركز يدرس حالياً عرض مقدّم من إحدى الشركات الإماراتية لإنشاء محطة توليد كهروضوئية باستطاعة 300 ميغاواط في منطقة وديان الربيع قرب محطة توليد تشرين بمحافظة ريف دمشق، إضافة إلى اتفاق مع تجمع شركات محلية وصينية لتنفيذ مشروع محطة توليد كهروضوئية باستطاعة 30 ميغاواط في منطقة جندر، مع تأمين التمويل اللازم للمشروع من خلال السماح بدفع أقساط لمدة 12 عام بعد وضعه بالخدمة، منوّهاً بأن هذا المشروع توقف بسبب تعذّر تقديم كفالة سيادية للتجمع.

وفي السياق يتابع معاون مدير مركز بحوث الطاقة: يجري حالياً التنسيق مع مكتب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، للمساعدة في إعداد دفاتر شروط للإعلان عن محطتي طاقة متجددة باستطاعة 50 ميغاواط كهروضوئي، في حران العواميد و50 ميغاواط كهروريحي في منطقة قطينة على أساس اتفاقيات شراء طاقة.
مشاريع خاصة أيضاً

وفيما يخص مشاريع القطاع الخاص التي تخضع لتعرفة التغذية، كشف طعمة أن وزارة الكهرباء سمحت بترخيص 157 مشروع كهروضوئي، باستطاعة إجمالية تبلغ 117 ميغاواط، نُفِّذَ منها 72 مشروع باستطاعة 18ميغاواط، علماً أن استراتيجية وزارة الكهرباء تضمنت تركيب 200 ميغاواط محطات كهروضوئية.

وفي مجال الاستثمار بالرياح، سمحت وزارة الكهرباء بترخيص 9 مشاريع كهروريحية باستطاعة إجمالية 35 ميغاواط، نُفِّذَ منها مشروع واحد باستطاعة 2.5 ميغاواط، لافتاً إلى أنه يتم تنفيذ العنفة الثانية بنفس الاستطاعة ومن المتوقع وضعها بالخدمة خلال شهرين، إضافة إلى العمل على تنفيذ عنفة ريحية ثالثة بتصنيع محلي باستطاعة 7 ميغاواط، علماً أن استراتيجية وزارة الكهرباء في هذا المجال تضمنت تركيب 100 ميغاواط محطات كهروريحية.

وفي السياق ذاته كشف طعمة عن التفاوض مع مستثمرين لتركيب 100 ميغاواط في عدرا، ومثلها في حسيا، إضافة إلى 300 ميغاواط في مناطق مختلفة جميعها محطات كهروضوئية.
الكهرباء من النفايات

وتحاول الجهات المختصة استثمار كافة المصادر، إذ يجري العمل على استثمار مكبّات النفايات الصلبة وفق دراسة بين وزارتي الكهرباء والإدارة المحلية والبيئة، إضافة إلى العمل على استثمار النفايات السائلة (مياه الصرف الصحي) ومعالجتها من خلال مخمّرات تنتج الغاز الحيوي الذي يتم حرقه إما بشكل مباشر لإنتاج الحرارة أو بحرّاقات خاصة لإنتاج الكهرباء.
التقليدية أم الشمسيّة؟

وفيما يخص تكاليف الاستثمارات، كشف معاون المدير أن كلفة الاستثمار المطلوبة لتوليد كيلو واط ساعي من الكهرباء بالطاقة الشمسية تتراوح بين 600-800 دولار، مشيراً إلى أنها أعلى من كلفة الاستثمار بالطاقة الأحفورية التي تصل إلى 700 دولار للكيلو واط الساعي.

وأشار إلى أن مشكلة توليد الكهرباء بالطاقة التقليدية تكمن في صعوبة تأمين الوقود وليس في التكاليف كما يعتقد البعض، مشيراً إلى أنه خلال عمر المشروع تعد تكلفة إنتاج الكيلو واط الساعي المنتج بواسطة الطاقة المتجددة أرخص منها في الطاقة التقليدية.

ويتابع: يتراوح عمر مشاريع محطات الطاقة التقليدية والمتجددة في سوريا بين 20-25 عاماً، وهي الفترة الافتراضية لتهالك معدات المشروع وآلياته.

ويرى طعمة أنه لا يمكن تحديد حاجة سوريا من الطاقات المتجددة بشكل دقيق، إلا أن بعض الدراسات أكدت أن حاجة البلاد من الطاقة التقليدية كانت تصل قبل الأزمة إلى 8 غيغاواط، وعليه يمكن القول إن الحاجة إلى الطاقات المتجددة تفوق هذا الرقم باعتبار أنها ليست متوفرة على مدار العام كما هو الحال في الطاقة التقليدية التي لا يتوقف عمل المحطات العاملة عليها، سوى شهر ونصف خلال العام بسبب أعمال الصيانة.

وأشار طعمة إلى التسهيلات التي تقدمها الحكومة السورية للاستثمار بالطاقات البديلة، عن طريق صندوق “دعم الطاقات المتجددة ورفع كفاءة الطاقة” الذي يجري العمل عليه حالياً، لإعطاء قروض للمستثمرين والزراعيين والتجار لدعم تطبيقات الطاقة البديلة.
الشمسية أكثر جدوى للصناعة

ولا يخفى على أي متابع الصعوبات التي يواجهها الصناعيون، بسبب محدودية الطاقة الكهربائية، والخسائر التي نتجت عن ذلك وانعكست بدورها على أسعار السلع في الأسواق.

“ناشدنا الحكومة مرات عديدة وعلى مدى عامين لإيجاد بدائل عن الطاقة التقليدية” يقول الصناعي عاطف طيفور في حديث لـ “سبوتنيك”: لدينا اليوم محطات طاقة تقليدية استطاعتها حوالي 5000 ميغاواط، يعمل منها بشكل فعلي حوالي 2200 ميغاواط فقط”.

ويرى طيفور أن الطاقة الأكثر جدوى للمدن الصناعية هي الطاقة الشمسية، كون الطاقة الريحية متوفرة في مناطق قليلة من سوريا، على الرغم من أنها لا تحتاج إلى مساحات كبرى كما هو الأمر لحوامل الطاقة الشمسية.
ليست مخصصة للمواطنين

واعتبر طيفور أن ألواح الطاقة الشمسية التي تم استيرادها إلى سوريا ليست مخصصة للمواطن وللاستخدامات المنزلية كما يشاع، وإنما قامت الجهات المختصة باستيرادها لزيادة الإنتاج، وللتوفير بالمؤسسات العامة كالمدارس والمشافي والفعاليات الاقتصادية، لافتاً إلى أن الهدف اليوم هو إقامة محطات للاستثمار بالطاقة البديلة سواء من قبل الحكومة أو شركات القطاع الخاص، ولا سيما في ظل التسهيلات التي تقدمها الحكومة للمستثمرين كإعطاء أراض مجانية لإقامة المحطة، وقروض ودعم فني وإداري.
باهظة في المنازل ومناسبة للمحطات

وأشار إلى أن توجه المواطنين لاستخدام ألواح الطاقة الشمسية يعد مكلفاً للغاية، لما فيه من تكاليف باهظة تصل إلى 10 ملايين ليرة سورية للمنزل الواحد فقط، إضافة إلى استنزاف البطاريات المرافقة لهذه الألواح، مشيراً إلى أن المستثمر عندما يولد طاقة كهربائية فهو يضخ في الشبكة ككل، فمثلاً توليد 30 ميغاواط من الكهرباء يوفر التغذية الكهربائية لـ 10 آلاف منزل.

ويضيف: وبالمقابل لا تعد تكاليف الطاقة الشمسية مرتفعة بالنسبة لإقامة محطات، بل هي مربحة لكافة الأطراف، داعياً إلى التوقف عن إقامة مشاريع للترفيه من مطاعم ومولات ومدن ألعاب، والتوجه إلى إقامة مشاريع إنتاجية، وخاصة أن كل كيلو واط ساعي منتج عبر الطاقة البديلة يخفف عبئ عن الشبكة الكهربائية.
استثمار مجدي

ويضيف: كذلك الأمر بالنسبة للطاقة الشمسية فمثلاً لدينا مناطق كمونها الشمسي عالي جداً كمنطقة تدمر، إذ يمكن تركيب ألواح طاقة شمسية فيها وبتصنيع محلي أيضاً من خلال معامل الألواح الكهروضوئية، ما يؤدي إلى توفير تكاليف الاستيراد والجمركة والشحن.

واقترح الدكتور سعيد أن تقوم الحكومة بتخصيص منظومة طاقة شمسية لكل منطقة، عوضاً من أن يقوم كل منزل بتركيب منظومته الخاصة، ما يسمح بالضخ بالشبكة عوضاً عن الضخ في البطاريات المرافقة لهذه الألواح.

سبوتنك

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل