هل تنجح تونس على الطريقة التركية؟

لم تنجح إلى حد الآن سوى التجربة التركية في مواصلة بناء نظام سياسي في ذات الوقت تَعدُّدِي عصري ومُنسجم مع القيم والتقاليد الإسلامية. فَشلت التجربة في جميع البلاد التي عرفت ما سُمِّي بالربيع العربي وعلى رأسها مصر.

 

لم يتم تنحية الرئيس المصري المنتخب بالقوة من الحكم فحسب، بل جرت تصفية كاملة وعنيفة لأنصاره وللتيار المساند له وأُلصِقت بهم فوق ذلك تهمة الإرهاب. وبقيت التجارب الشبيهة لذلك تُراوح مكانها في كل من المغرب والأردن والسودان والعراق وليبيا. وتم إدخال كل من اليمن وسورية في حرب أهلية لا نهاية لها أتت على الأخضر واليابس.

 

وانفردت الجزائر بمسار خاص بها سَلَكته قبل الربيع العربي بأكثر من عقدين من الزمن وقصته معروفة. وتبيَّن من خلال كل هذه التجارب أن مَنع تكرار التجربة التركية في العالم العربي بات موضوع صراع استراتيجي على أكثر من صعيد دولي ومحلي. وكانت تونس آخر من يشهد حلقة من حلقات هذا الصراع.

هل تنجح تونس على الطريقة التركية ؟ وأي مصير ينتظرها بعد اليوم؟

لقد نجح الرئيس “أردوغان” في تخطي ثلاث محاولات انقلابية من بين السبعة التي عرفتها تركيا الجمهورية (من 1960 إلى الآن). وأفشل ثلاث محاولات لحل حزبه باسم القانون. كان ذلك في 2007 و2013 وفي2016.

وكان من الأسباب الرئيسة في التفاف الشعب حوله وخروجه عاري الصدر ليلة 15 جويلية 2016 والتضحية بنفسه لإفشال المحاولة الانقلابية الأخيرة، (مقتل 249 مواطن وجرح 2194…)، أن هذا الحزب مَكَّن تركيا في ظرف قياسي من  الوصول إلى معايير الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والسياسية بالتوازي مع إعادة الهيبة والقيم التركية إلى أعلى مستوى.(انظر العلاقات المدنية العسكرية في عهد حزب العدالة والتنمية، يوسف أوزكير ورمضان أكّير، تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم، ص195).

لم يحدث هذا بتونس خلال العشر سنوات الماضية. ينبغي عدم تحميل حركة النهضة المسؤولية وحدها. لم تتمكن كل المعارضة التي أطاحت بالنظام السابق من تبني استراتيجية بديلة لِنَقل تونس خطوات إلى الأمام وفق معايير الاتحاد الأوروبي على طريقة “أردوغان”، أو وفق أي معايير عصرية أخرى.

 

عكس ذلك ما فتئت تونس تنهار. ولذلك لم يكن من الصعب على الرئيس “قيس سعيد” المنتخب شعبيا التصرف بمنطق مصلحة الدولة والقيام بما قام به دون الخوف من خروج واسع للجماهير تنادي بالإطاحة به. وكان ذلك مواتيا لكثير من الدول والأوساط النافذة التي جعلت من منع تكرار تجربة العدالة والتنمية في تونس أحد أهدافها. وها هي تجد اليوم فرصة من ذهب لتمرير سياستها الرافضة لنجاح أي مشروع تعددي في إطار المبادئ الإسلامية.

هل نفرح لذلك؟ بكل تأكيد لا، ولكننا ينبغي ألاَّ نَحزن أيضا. لقد شاع بعد انقلاب الجيش في تركيا في 28 فيفري 1997 على الزعيم الإسلامي “نجم الدين أربكان”، أن اللائكية المفروضة والتغريب، والأتاتوركية بشكل عام ستستمر لألف سنة قادمة في هذا البلد. ولكن الشعب التركي تَمكَّن بعد أقل من خمس سنوات من إيصال حزب العدالة والتنمية للحكم، ومن إفشال ثلاث محولات انقلابية ضده، كانت متبوعة بثلاث محاولات لحل الحزب.

إن التيار الوطني الذي يسعى لبناء تعددية حقيقية ودول عصرية غير تغريبية في تونس أو في غيرها، ينبغي أن يُقارن اليوم بين درسي تونس ومصر مقارنة بتركيا. ويشرع في بناء قاعدة اقتصادية وسياسية وفق المعايير العالمية والنجاح فيها، قبل أي أمر آخر، إذا أراد كسب معاركه في الخمس سنوات المقبلة كما فعل الأتراك.

 

الشروق الجزائرية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل