ملاحظات فكرية سياسية رياضية حول الأولمبياد والحضور العربي فيها

انطلقت الأسبوع الماضي في اليابان دورة الألعاب الأولمبية الصيفية طوكيو 2020 بعدما تم تأجيلها إثر انتشار جائحة كورونا خلال العام الماضي. الأولمبياد التي نشأت أساساً كوسيلة للتقريب بين الشعوب لا تزال تؤدي رسالتها على نحو معقول، رغم الحضور أو التأثير السياسي السلبي عليها منذ انطلاقتها، بينما بدا الحضور العربي خلال هذه الدورة وحتى خلال القرن الماضي معبراً عن الحالة السياسية والاقتصادية للدول العربية، حيث سجلت مصر حضورا قويا فيها قبل أن تتراجع بعد انقلاب تموز/ يوليو 1952 الذي تم استنساخه أيضاً في العالم العربي، وتحديداً الحواضر الكبرى منه.

منذ انطلاقتها في العام 1896 ألغيت الأولمبياد ثلاث مرات بسبب السياسة ومآسيها: في العام 1916 بسبب الحرب العالمية الأولى، وفي العامين 1940 و1944 بسبب الحرب العالمية الثانية، بينما شهدت مقاطعة لأسباب سياسية مرتين أيضاً: 1980 في موسكو على خلفية غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، و1984 في لوس أنجلوس بأمريكا كردّ من موسكو وحلفائها على مقاطعة واشنطن وحلفائها أولمبياد 1980.

بدا الحضور العربي خلال هذه الدورة وحتى خلال القرن الماضي معبراً عن الحالة السياسية والاقتصادية للدول العربية، حيث سجلت مصر حضورا قويا فيها قبل أن تتراجع بعد انقلاب تموز/ يوليو 1952 الذي تم استنساخه أيضاً في العالم العربي، وتحديداً الحواضر الكبرى منه

رغم ذلك استمرت الأولمبياد في أداء رسالتها كوسيلة لجمع الشعوب والتقريب بينها من خلال الرياضة التي حققت وتحقق غالباً ما تعجز عنه السياسة، وبدا لافتاً جداً منذ الدورة الماضية (ريو دي جانيرو 2016) تشكيل فريق للاجئين ينافس تحت علم الأمم المتحدة، بعد استفحال أزمتهم في العقدين الأخيرين وعجز المنظومة السياسية الأممية عن حلها بل تجاهلها في الحقيقة. وهنا بدت الرياضة وكأنها تعالج فعلاً أو تحلّ مشاكل السياسة قدر استطاعتها.

تنقّلت الأولمبياد كذلك منذ انطلاقها بين القارات الخمس لا الستّ في الحقيقة، وفي آخر ثلاثة عقود تنقّلت بين أمريكا الشمالية وأستراليا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولكن دون أن تشمل أفريقيا للأسف، علماً أن تنظيمها صعب ويحتاج إلى إمكانيات وقدرات أكبر من تنظيم مونديال كرة القدم الذي ظفرت به القارة السمراء، ثم قطر (2022) كأوّل دولة عربية تنال هذا الشرف.

وفي ما يخص هذه الدورة (طوكيو 2020)، فقد نافست تركيا على استضافتها حتى الأمتار الأخيرة، وقدمت ملفا معقولا جداً، لكن صادف الأمر بداية الحملة المسعورة ضدها من قبل قوى الثورة المضادة العربية بقيادة عاصمة الشرّ أبو ظبي. ولا أشك لحظة في أنه تم بذل جهود وموارد كبيرة لمنعها من نيل شرف الاستضافة، تماماً كما حصل في إفشال حصولها على عضوية مجلس الأمن قبل سنوات، بينما كان الفشل الذريع في منع مرشحها من الوصول إلى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما الفشل الاستراتيجي والأهم في منعها من تكريس حضورها بالمنطقة والدفاع عن مصالحها الإقليمية المتطابقة مع مصالح الدول والشعوب العربية وقواها الحية.

انقلاب تموز/ يوليو 1952 كسر سيرورة النهوض بمصر وعلى كل المستويات أيضاً – والعالم العربي الذي يذهب حيثما تذهب المحروسة – التي احتاجت بعد ذلك إلى 52 عاما لنيل ذهبيتها السابعة في دورة أثينا 2004

عربياً؛ كانت مصر صاحبة أول مشاركة عربية في العام 1912 والتي بدت رمزية إلى حد كبير، إلى أن حصل الانفجار في المحروسة بعد ثورة 1919 ودستور 1923 على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأدبية والثقافية والفكرية والفنية والرياضية، ما انعكس أولمبياً أيضاً. وهكذا تم حصد ست ذهبيات في أوّل ثلاث مشاركات جدية بدورات 1928 و1936 1948، حيث احتلت مصر مرتبة متقدمة رغم مقاطعة أولمبياد 1932، في ظل النضال الوطني والإصرار على مشاركة اللجنة الأولمبية الوطنية لا تلك التابعة للاحتلال الإنجليزي.

انقلاب تموز/ يوليو 1952 كسر سيرورة النهوض بمصر وعلى كل المستويات أيضاً – والعالم العربي الذي يذهب حيثما تذهب المحروسة – التي احتاجت بعد ذلك إلى 52 عاما لنيل ذهبيتها السابعة في دورة أثينا 2004.

وعموماً، بدا الحضور العربي في الأولمبياد خجولاً مع نقاط مضيئة متناثرة ومتباعدة زمنياً، كما رأينا في المغرب زمن نوال المتوكل وسعيد بوعيطة، والجزائر مع حسيبة بولمرقة وخالد الكروج، علماً أن دولا كثيرة تحقق منفردة ما تعجز عنه الدول العربية مجتمعة، حتى أن دولة صغيرة مثل جامايكا مثلاً (يوسين بولت ورفاقه) وحتى دول أخرى فقيرة وتعاني مثل كينيا وإثيوبيا، تتفوق على الدول العربية في عدد الميداليات الذهبية صاحبة الكلمة الفصل في الترتيب النهائي.

عربياً أيضاً، وفي ما يتعلق بدورة طوكيو 2020 يمكن الحديث عن عدة معطيات تستحق الاهتمام، حيث رأينا مشاركة فلسطينية لافتة ومعبّرة مع تألّق البعثة بالزي الشعبي في حفل الافتتاح. ولكن للأسف يبدو المشهد كله وفق المنظور الإسرائيلي، حيث تحدث رئيس الوزراء السابق بنيامين نتن ياهو ومسؤولون آخرون دائماً عن عدم الممانعة في علم ونشيد ومشاركة أوليمبية للكيان الفلسطيني، شرط أن يكون خاضعاً تماماً للإرادة الإسرائيلية في الأبعاد المختلفة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وهو ما يحصل فعلاً الآن للأسف عبر السلطة الفلسطينية التي تقوم بدور الزبّال والدركي ومفتش الصحة كوكيل عن الاحتلال الأرخص في التاريخ، كما يردّد دائماً رئيس وزرائها محمد اشتية.

تمثل تونس النقطة المضيئة عربياً أولمبياً ورياضياً وعلى كل المستويات لذلك ربما يراد إطفائها، علماً أنها تؤكد الحقيقة الساطعة القائلة أن اتساع مساحة الحريات ينعكس إيجاباً على كافة مناحي الحياة الأخرى بما فيها الرياضية طبعاً

عربياً أيضاً؛ تعبر المشاركة السورية عن الواقع الحالي، حيث سوريا العظيمة خاضعة للاحتلال بل الاحتلالات الأجنبية التي استقدمها بشار الأسد كي يبقى في السلطة ولو شكلاً. وعدد السوريين في فريق اللاجئين أكثر من عددهم في الفريق التابع لنظام الأسد الذي لا يملك الشرعية لتمثيل سوريا، لولا الظلم والنفاق والانحياز وعجز المنظومة السياسية عن حلّ القضية السورية حلاً عادلاً وشاملاً وفق قراراتها هي نفسها، كما مواثيقها ذات الصلة.

في المقابل، تمثل تونس النقطة المضيئة عربياً أولمبياً ورياضياً وعلى كل المستويات لذلك ربما يراد إطفائها، علماً أنها تؤكد الحقيقة الساطعة القائلة أن اتساع مساحة الحريات ينعكس إيجاباً على كافة مناحي الحياة الأخرى بما فيها الرياضية طبعاً.

في كل الأحوال كانت الأولمبياد ولا تزال كاشفة للوضع العرب الرسمي، بينما تمثل تونس الآن استثناء يثبت القاعدة ولا ينفيها، على أمل أن تظل كذلك وأن تلحقها القاعدة أيضاً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل