معركة نجيب الطائف مع التعقيدات الأمريكية المستمرة؟!

مرة جديدة فشلت لغة المفاوضات الحكومية في لبنان، وعدنا إلى الاحتكام إلى الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس حكومة عتيد وجديد بعد أن استنفذ كل من الحريري وأديب (المكلفين بلا حكومة جديدة) ما يقارب العشرة أشهر.

ولكن من هو الانتحاري السني الجديد القادم إلى معركة صلاحيات كبرى أمام جمهور الناس في لحظة اقتصادية مالية حرجة، وعلى أبواب انفجار اجتماعي هائل وبلا غطاء من أهل بيته حتى كتابة هذه السطور؟ فكيف لو أضفنا لذلك انفجار المرفأ وتحقيقاته واستنابته القضائية التي ستكون مثار جدل حاسم في الأيام القادمة؟

إن بورصات التسميات كثيرة، ولكن باعتقادي لن يجرؤ أحد وربما يبقى الرئيس حسان دياب حتى نهاية العهد وإجراء انتخابات نيابية تبعث الأمل في مجتمع لبناني يرغب في التغيير؛ ومجتمع دولي يطمح لأكثرية نيابية بلون جديد ومزاج جديد ورؤية جديدة للبنان في الدور والمضمون في العشرية القادمة.

من الواضح أن اللاعب الأقوى لا زال يتفرج دون ضغط على أي من الأطراف، علما أن الرئيس سعد الحريري قد قصف جبهة حزب الله وقال إنه لم يقدم على الضغط على الوزير جبران باسيل للإفراج عن الحكومة، مع العلم أن الكثيرين يؤكدون أن الحزب لا يريد حكومة في التوقيت الحالي.

فهل تغير شيئا بين وقت تكليف وتأليف الحريري وهذه الأيام مع المكلف القادم إن تمت الاستشارات، حيث لا زال الشك قائما في انعقادها لتوفير مظلة لاسم جديد، وفي ذلك مخالفة صريحة لاتفاق الطائف؟! حكما لا، فالظروف لا تبدلت ولا تعدلت، لا بل تعقدت منذ انتهاء يوم الصلاة والحوار من أجل لبنان الذي نظمه البابا فرنسيس في الفاتيكان بحضور رؤساء الطوائف المسيحية، وأبرزهم البطريرك الماروني بشارة الراعي، حيث بدأ البابا فرنسيس سلسلة اتصالات دولية مع قادة الدول الكبرى لإعادة لبنان إلى أولويات المجتمع الدولي، علما أن اسقالة الحريري جاءت بعد زيارة السفيرتين الأمريكية والفرنسية إلى بعبدا، حيث سرعت زيارتهما طبخة الاعتذار. وعليه إلى أين مركب البلاد يذهب؟!

وتؤكد مصادر صحفية عن أن البابا فرنسيس أجرى اتصالا مطولاً مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، تمحور فقط حول لبنان ومعاناة شعبه. وتابعت المصادر أن الاتصال أعاد لبنان إلى قمة الاهتمامات الأمريكية، وبناء على ذلك سترسل واشنطن وفودا دبلوماسية وسياسية إلى لبنان لنقل موقف بايدن حيال التعطيل والفساد. ولفتت المصادر إلى أن واشنطن ستفرض عقوبات على شخصيات لبنانية جديدة مرتبطة بالفساد وعرقلة الإصلاح.

وعليه، استكمالا لهذا الجو الدولي الضاغط، مدّد الرئيس الأمريكي جو بايدن، يوم الثلاثاء الماضي (20 تموز/ يوليو)، العمل بأمر تنفيذي خاص بلبنان أصدره الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج دبليو بوش” في الأول من آب/ أغسطس 2007، حيث وبموجب هذا الأمر تفرض عقوبات أمريكية على من “يهددون سيادة لبنان”، ومنها تجميد الأموال والأصول المادية لأشخاص يقومون بأعمال تراها الولايات المتحدة مهددة لهذا البلد.

فهل ستكون هناك عقوبات أمريكية جديدة وفاعلة وعلى مستوى كبير يضغط باتجاه إحداث تغيير ما في لبنان، أم أن العقوبات ستشبه سابقاتها ولا تزيد عن زوبعة إعلامية في فنجان يزيد الواقع السياسي تعقيدا؟ وعليه وضمن هذا الإطار، قال الرئيس الأمريكي في رسالة وجهها إلى الكونغرس، إن “بعض الأنشطة المستمرة، مثل مواصلة إيران نقل الأسلحة إلى حزب الله والتي تشمل أنظمة أسلحة متطورة، تقوض سيادة لبنان ويساهم في تعزيز حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، فضلاً عن تشكيل تهديد كبير للأمن القومي والسياسية الخارجية للولايات المتحدة”. وفي هذا الكلام رسائل واضحة للداخل اللبناني والإقليم الباحث عن تسوية ولكن ليس بأي ثمن.

من هنا ستتجدد الأسماء نحو بورصة من يخلف الحريري تكليفا، وهنا ستعلو أصوات وتسمع تحليلات مفادها ما يلي:

فريق يرغب باسم مغمور وحكومة الفريق الواحد وتاليا حكومة الرئيس حسان دياب (نسخة جديدة) ومعها مباشرة القول: لا دعم ولا حضور دوليا ولا مساعدات ومزيدا من الأزمات وكأن البلاد تحتمل مزيد من هدر الوقت.

وفريق يرغب بالسفير نواف سلام، ولكن ماذا عن حزب الله؟ وهل يقبل بالرجل بعد المقبلة الأخيرة المغلفة بشيء من لين تجاه؟.. والأمر مستبعد، خاصة أن الاسم قد رُفض قبل تكليف السفير الرئيس أديب.

وفريق يرغب بعودة تكليف الحريري، وفي ذلك طامة كبرى ستؤدي إلى الوصول إلى أزمة حكم وليس أزمة حكومة، علما أننا بدأنا نشعر بشيء من هذا القبيل.

وفريق لا يرغب بترك الساحة عبر تكليف الرئيس ميقاتي مع علو أسهم الرجل فرنسيا وربما أمريكيا، لكن تجارب الماضي لا توحي بالتعاون بين ميقاتي (السني الأول) وموقع رئيس الجمهورية، وسابق الأيام دليل ساطع، لا سيما مع تمسك الميقاتي بأدق تفاصيل اتفاق الطائف واعتباره أكثر من مرة أن صلاحيات رئيس الحكومة لا تُمس، فكيف سيقبل بسقف أقل من سقف الحريري؟! ويقال إن شروطه قد تكون أكثر وأكبر من شروط الحريري نفسه! فالعروس الميقاتية غالية ولها ميقاتها الخاص الذي ليس من السهل تطويعه.

وعليه بدون أعجوبة الاتفاق في الدقائق الأخيرة يرجح تأجيل الاستشارات لبلورة اتفاق ما قبل الحكومة، لضمان التسهيلات من فريق العهد للمكلف الجديد، علما أن الأوضاع لا تشي إلا بالانفجار الاجتماعي- الاقتصادي الكبير الذي يدق الأبواب، مع الحديث عن أزمة مازوت تنذر بمصائب جمة في المستشفيات، حيث انقطاع الكهرباء الكارثي عن المؤسسات الصحية المصحوب مع أزمة دواء، ودولار يغرد في السماء بلا سقوف ولا عناوين، وعملة دون قيمتها الفعلية (تقييم العملة) بـ70.5 في المئة، حسب مجلة الإيكونوميست.

وعليه، إن الأزمة بحسب أجواء رؤساء الحكومات لم تعد في تأليف هذه الحكومة، فما يجري اليوم قد ينسحب على تأليف كل الحكومات المتعاقبة إذا جرى التسليم بشروط “التيار الوطني الحر”؛ التي هي أشبه بانقلاب ملغوم على الدستور واتفاق الطائف وموقع رئاسة مجلس الوزراء، وهذا ما يتطلع إليه بحذر رؤساء الحكومات السابقون والمرجعية الدينية السنية، وضمنيا” الثنائي أمل- حزب الله لتلافي الفتنة السنية الشيعية.

إن اللحظات القادمة حاسمة لجهة التكليف والسؤال الكبير عند التأليف إن حصلت الاستشارات: هل نجيب الطائف (الرئيس ميقاتي) سيعطى أكثر من غيره في لعبة التوازنات الجديدة محليا والضغوط الأمريكية الأوروبية المستمرة دوليا؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل