مزرعة الحيوانات.. تأملات في تاريخ التشاؤم والتكرار

يحكي لنا د. عبد العظيم أنيس (1923-2009م)، الأكاديمي والماركسي المصري المعروف، في مذكراته (ذكريات من حياتي – دار الهلال) أن د. لويس عوض (1915-1990م)، الأكاديمي القبطي الشهير، قابله ذات مرة في الطريق وعتب عليه أن الشيوعيين المصريين يهاجمون الروائي الإنجليزي الكبير جورج أورويل (1903 -1950م) رغم أن الرجل – أورويل – معروف جيدا بتمجيده لفكرة للعدالة الاجتماعية والاشتراكية الديمقراطية. فقال له لأنه بالغ في نقد الدولة الشمولية والتي كان الاتحاد السوفييتي أبرز صورها في ذلك الوقت.

والاتحاد السوفييتي كان بالنسبة للشيوعيين العرب في هذا الوقت ما يقارب المعادل الموضوعي الأن لفكرة الإمارة الإسلامية التي تمتلك أرضا وتطبق الشريعة والحدود عند “تنظيم الدولة”، مع الفارق المخابراتي الهائل في النموذجين. سنعرف بعدها أن كلا النموذجين كان مخابراتيا بامتياز؛ من ساعة تحرك قطار لينين في نيسان/ أبريل 1917م من زيوريخ إلى بطرسبرج في الحالة الأولى، ومن ساعة دخول الدبابة الأمريكية بغداد في نيسان/ أبريل 2003م. لكن التاريخ سيكتب لنا ما يدهشنا كثيرا عن الفكرتين، وحالة التصنيع والتعليب والتسويق الواسعة التي كانت معهما من اليوم الأول.

وبالمناسبة كل الشيوعيين المصريين كانوا “أُمميين” لا يؤمنون بالدولة القُطرية الوطنية.. وكانوا على أوثق ما تكون العلاقات مع الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية فكريا وعقائديا وتنظيميا.. كانوا ولا زال كثير منهم يؤمنون “بمجتمع الإنسانية”، وهم الآن بعد أن دالت دواليب الأيام والليالي على بيت العدالة الكونية في موسكو؛ يهاجمون التيار السياسي الإسلامي لأنه يحوى في أدبياته مثل هذه المعاني (الخلافة)، والذي يعكس صورة التعدد العرقي والملّي في الأمة الواحدة.. ولكن بالطبع على مستوى أرقى وأنقى وأبقى وأقوى اجتماعيا وحضاريا، بشهادة التاريخ. وهذه هو تحديدا سر تحامل هؤلاء الشيوعيين الشرس على هذا التيار (الإسلامي) الفكري والشعبي العريض، وتحديدا في هذه الفترة التاريخية الملتبسة بكثير من التغيرات.

رواية “مزرعة الحيوانات” كتبها أورويل سنة 1945م.. وسرعان ما اكتسبت بعدا خاصا في وعي معظم المهتمين بإشكالية العلاقة بين السلطة والمجتمع، الدولة والشعب، الحكام والمحكومين. ورغم أن كاتبها قيل عنه أنه كان يعمل لمخابرات بلاده (وهذا ليس عيبا على فكرة)، إلا أنه في هذه الرواية ورواية أخرى ستُقرأ على نطاق واسع؛ سيكتسب حسا أكثر دلالة في فهم تلك العلاقة المعقدة الملغمة اسمها “1984”، وهي مشهورة جدا أيضا..

كل حوارات روايتنا وأحداثها فاضحة وكاشفة – إلى حدود مضحكة – لأكاذيب الحكام الذين يسطون على السلطة سطوا ويغتصبونها لصالح “الشعب”! وهم طبعا يعدون بوعود الرخاء القريب الذي لا يأتي أبدا، بل ما يأتي هو القتل والدم والمزيد من القتل والدم في حالة سعار شهواني عجيب تجاه فكرة السلطة والقوة والهيمنة.

وستظل أجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية المتصلة بهذه السلطة وهؤلاء الحكام من أسوأ ما طورته الحرب العالمية الثانية تطويرا مرعبا، وسيزداد تطوره أكثر وأكثر في فترة “الحرب الباردة” – المصطلح الذي صكه عمنا أورويل على فكرة – وما بعد الحرب الباردة وعلى نحو أكثر تعقيدا وتركيبا، إلى حد أن حروبا ستقوم وحروبا ستمنع وأنظمة ستأتي وأنظمة ستذهب بقرارات مخابراتية بالدرجة الأولى. وستتطور فكرة السلطة ومستلزماتها على أيدى هذه الأجهزة إلى حدود مخزية ومهينة لفكرة “الكرامة”، أخص خصائص الإنسان والإنسانية، وهو ما سنقرأه إظهارا وإضمارا في حوارات الرواية.

* * *

سنرى “الخنزير نابليون” وكلابه التسعة الضخمة التي تلف أعناقها أطواق نحاسية، والتي لم يكن يعرفها أحد في المزرعة ولم يرها أحد من قبل في المزرعة أبدا، والتي ستصبح قوته الضاربة ويده الباطشة بكل رفاقه السابقين في تلك المزرعة الثائرة.. الكلاب المطوقة سنراها ونسمع عنها ونقرأ عنها كثيرا.. تقريبا هي موجوده في كل مكان، لكن بيئتها الأكثر رعرعة عادة ما تكون في الأنظمة المغلقة بالغة الاستبداد بالسلطة والناس.. تقريبا كل الأنظمة الشرقية ما بعد الاستقلال كان لديها نموذج “الكلاب التسعة الضخمة ذات الأطواق النحاسية”، والتي بطبيعة الحال ستكون ممدودة في كل مناحي النواحي والمناطق، والناطقة بكل لغات المصالح والمنافع والسيطرة والإذلال، باليد القصيرة تارة وباليد الطويلة تارات أخرى.. ومن أخذ بهذه أخذ بتلك كما يقول الإمام علي رضي الله عنه.

المؤرخ والسياسي السوفييتي المعروف ميخائيل فوسلانسكي هرب من الاتحاد السوفييتي إلى ألمانيا سنة 1972م، شيء عادي ومصحوب دائما بمئات الحكايات عن هاربين من لينين وستالين وحتى خروتشوف.. الخ، لكن غير العادي في الحكاية هو أنه صاغ ما رأته عينه النافذة كمؤرخ ومثقف مما يحمل بداخله عشرات الألغاز المغلقة.. والتي مفاتيحها هناك في أيد بعيدة، وكتب كل ذلك في كتابه بالغ الأهمية “النومنكلاتورا”..

أصحاب المصالح والامتيازات هم اليد الباطشة لكل ديكتاتور في كل مكان وزمان، والذين هم من الناس الطيبين وأبناء الناس الطيبين ومن ملح الأرض الذي كان طيبا ومليحا يوما ما، ومن ذكرهم المفكر الفرنسي أتيان دي لابوسيه (1530-1563م) في كتابه الأشهر “العبودية المختارة”، قائلا لهم: فأنى له بالعيون التي يتبصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي بها يصفعكم إن لم يستمدها منكم؟ أنى له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم؟ كيف يقوي عليكم إن لم يقو بكم؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطؤكم معه؟ أي قدرة له عليكم إن لم تكونوا حماة لللص الذي ينهبكم شركاء للقاتل الذي يصرعكم خونة لأنفسكم؟”.

الكلمة الآن تكاد تكون نسيا منسيا في الأدبيات السياسية الغربية والعالمية أيضا.. مع أن الغرب عموما مهووس بالكلمات العابرة للمحيطات والحدود واللغات. هل تذكرون “البروسترويكا” التي كانت أيقونة الإعلام في الثمانينيات والتسعينيات؟ ولا أجد تفسيرا لحالة التناسى لهذه الكلمة “النومنكلاتورا” إلا لأنها فاضحة إلى أبعد حد كاسحة إلى أوسع حد.. تبوح بلا حدود بأسرار رهيبة ومرعبة ومروعة عما يحدث تقريبا في الدنيا كلها.

الكتاب يتحدث عن الامتيازات والمصالح التي كانت تتمتع بها الطبقة الحاكمة في الاتحاد السوفييتي في عهد “ستالين”، عندما انتقلت أجهزة الدولة من أيدي “الثوريين العقائديين” إلى المميزين ذوي النفوذ الذين أنشأهم ستالين ورعاهم ونثرهم في طول البلاد وعرضها وعمقها عند أي نقطة تلامس سلطة أو قرار أو تأثير..

يقولون إن الدرس الأساسي الذي يعلمه لنا التاريخ هو: التكرار.. التكرار. وهو من أكثر الأشياء التي لفتت انتباه شاعر العربية الكبير المعري (973-1073م)، فقال بيته الشهير هو أيضا في التكرار:

الدهر كالدهرِ والأيام واحدة   والناس كالناس والدنيا لمن غلبا

twitter.com/helhamamy

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل