مدرسة الدبلوماسية القطرية في امتحان أفغانستان

عبارة “مدرسة الدبلوماسية القطرية” ليست من عندي للأمانة بل كتبها وأقر بها مراسل وكالة (بلومبيرغ) الذي غطى مفاوضات الدوحة بين الفرقاء الأفغان أيام 16 و17 و18 تموز (يوليو)، وهو الذي نطق بعبارة (مدرسة الدبلوماسية القطرية) وشرح المصطلح بكونه الأصدق للتعبير1 (عن صعوبة الملف وتشعباته) و2 (عن ذكاء ومرونة التعامل معه من قبل الراعي القطري للمفاوضات وهي الأطول في تاريخ الملفات التفاوضية بين الدول.. كما أنها تحاول وضع حد لأطول حرب في التاريخ الحديث تواصلت من 11 أيلول (سبتمبر) 2001 إلى اليوم 2021).. ثم 3 (تدور المفاوضات على إيقاع حرب لم تنته لا بهدنة ولا باتفاق نهائي ملزم! 

فعلى الميدان الأفغاني ما تزال إلى يوم الناس صراعات مسلحة بين فصائل طالبان والجيش النظامي للحكومة الراهنة مع تردد تفجيرات إرهابية تتبناها أحيانا ميليشيات “داعش” في الأسواق و الأحياء السكنية وحتى المدارس والمشافي! وأحيانا لا يتبناها أحد. 

هنا أصاب الإعلامي الأمريكي من وكالة (بلومبيرع) حين تحدث عن مدرسة، أي عن منهج سياسي قطري اعتمد على دبلوماسية القيم والمبادئ التي حرص أمير قطر على اتباعها وتفعيل وساطات السلام والأمن والخير بين المتخالفين والمتحاربين. وقد تحول الرئيس أشرف غني إلى شرق أفغانستان ليقيم الأوضاع الأمنية بعد أن شهدت قندهار وضواحيها مقتل سبعة أفغان قيل أن القوات الأمريكية قصفت مواقع لهم وتبين أنهم عناصر من حركة طالبان. هذا لتأكيد أن الوضع غير مستقر في هذه البلاد لكن الدبلوماسية القطرية تعودت أن تتحرك في ميادين ساخنة ونذكر وساطات الدوحة في السودان حين احتدم الصراع القبلي في دارفور وكذلك المساعي القطلرية في لبنان وكانت لبنان عام 2008 بلا حكومة وبلا رئيس، ثم عالجت الدبلوماسية القطرية الخلافات بين “فتح” و”حماس” في مرحلة دقيقة أعقبت انتخابات 2006 في فلسطين. 

 

تحدثت أوساط الدبلوماسية العالمية عن دور الدوحة الناجع في التوصل إلى هذه النتائج السلمية أو المؤدية إلى السلام في بلاد عاش شعبها عشرين عاما من الأزمات والتقاتل الأهلي وتكبدت فيه الولايات المتحدة ثلاثة آلاف قتيل من جنودها..

 

المهم أن الدوحة شهدت توقيع أول اتفاق وفدي الحكومة الأفغانية وحركة طالبان الذين توصلا لاتفاق على بيان ختامي مشترك لمفاوضاتهما الجارية في الدوحة بوساطة قطرية، ينص خاصة على أن يعقدا اجتماعا آخر قريبا ضمن مسار الدوحة، واتفق الطرفان على الإسراع بالمفاوضات لإيجاد تسوية عادلة للصراع الدائر في أفغانستان منذ عقود.. ونص البيان المشترك لوفدي الحكومة الأفغانية وطالبان على الاتفاق على الإسراع بالمفاوضات من أجل التوصل لحل عادل على أن تتم على مستوى رفيع حتى تتم التسوية.. واتفق الطرفان على ضرورة التوصل لتسوية تلبي مصالح الأفغان وفق المبادئ الإسلامية فضلا عن تقديم المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء أفغانستان.. 

ولا بد أن نتفاءل حين ندرك أن الوساطة القطرية الخيرة توصلت إلى نتيجة اتفاق الطرفين على أربعة أمور أساسية وهي: الإبقاء على تمثيل عال لوفدي الجانبين في المفاوضات لكي يستطيعا اتخاذ القرار فضلا عن الاتفاق على تجنب استهداف البنية التحتية والمدنيين وتقديم المساعدة للفرق الطبية لمواجهة الارتفاع الكبير لأعداد المصابين بجائحة فيروس كورونا في البلاد.. كما وافق الطرفان على عقد جولة تفاوض أخرى في أقرب الآجال وعلى ضرورة تسريع المفاوضات لبلوغ حل سياسي وعادل.. وأفاد مصدر في وفد حركة طالبان بأن الحركة قدمت اقتراحا يتضمن إجراءات لبناء الثقة بينها وبين الحكومة وذلك عبر إطلاق سراح السجناء لدى الجانبين والإعلان عن هدنة مؤقتة خلال فترة عيد الأضحى المبارك، وهو ما يتم بالفعل على الميدان.. وقال مسؤول في لجنة المصالحة: إن الطرفين تبادلا مقترحاتهما.. وأكدت الحركة أنها تؤمن بأن الحل السياسي هو الأنسب لإحلال السلام في أفغانستان وأنها تسعى لإقامة علاقات مع المجتمع الدولي ومع الولايات المتحدة وضمن القانون الدولي والمواثيق الأممية.. 

وعبّر وفد الحكومة برئاسة عبد الله عبد الله ووفد حركة طالبان برئاسة الملا عبد الغني برادار عن شكرهما الصادق لدولة قطر أميرا وحكومة وشعبا على استضافة الإخوة الأفغان وعن تفاؤلهما بالوصول لتفاهمات توقف التصعيد الجاري في أفغانستان. 

ومن جهته أكد زعيم طالبان هبة الله آخوند زاده أنه رغم التقدم العسكري الذي تحققه حركته على الأرض فإنها تؤمن أن الحل السياسي هو الأنسب لإحلال السلام بالبلاد. 

وأضاف آخوند زاده ـ في بيان بمناسبة عيد الأضحى ـ قائلا: “بدل الاعتماد على الأجانب دعونا نحل مشكلاتنا فيما بيننا وننقذ وطننا من الأزمة الطويلة والحرب المدمرة. وهنا في الدوحة التي سمي اتفاقنا باسمها”.

تحدثت أوساط الدبلوماسية العالمية عن دور الدوحة الناجع في التوصل إلى هذه النتائج السلمية أو المؤدية إلى السلام في بلاد عاش شعبها عشرين عاما من الأزمات والتقاتل الأهلي وتكبدت فيه الولايات المتحدة ثلاثة آلاف قتيل من جنودها.. واليوم عام 2021 حين حان أوان جرد الخسائر واستخلاص العبرة هبت دولة قطر لتكون الوسيط الخير لإحلال أمن وسلام دائمين حتى يلتحق شعب أفغانستان بالأمم الآمنة المساهمة في مسار الحضارة الإنسانية كما كان دائما.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل