لماذا كان سقوط العهد الملكي حتميا؟!

في رأيي المتواضع أن من أهم مساوئ انقلاب أو حركة أو ثورة الضباط في عام 1952 – سمها كما شئت – أنها ربما قد تكون منعت ثورة شعبية مدنية بيضاء ضد حكم الملك فاروق، والذي كان على وشك السقوط بالفعل.

من لا يرى أو لا يعتقد أن حكم فاروق كان ضعيفا متهاويا وكان على وشك السقوط، فليراجع معي تلك الحقائق والوقائع عن أحوال مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيام الحكم الملكي.

على جانب الحكم والسياسة، كان فاروق شخصا عابثا مستهترا لاهيا إلى حد كبير، مدمنا على القمار، حيث كان يخسر فيه باستمرار مبالغ طائلة. تولى الحكم فجأة بعد وفاة أبيه الملك فؤاد وهو مراهق صغير (16 سنة)، وكان على قدر محدود جدا من التعليم وبلا أي خبرة في السياسة ولا في الحكم، ولا حتى في الحياة عامة. ومع وجود أم لاهية عابثة ومنصرفة عنه وعن تربيته ومشغولة بالجري وراء ملذاتها الشخصية، وقع ضحية حاشية فاسدة انتهازية أصبح طفلها المدلل، فسهلت له الحصول على كل ما يرغب فيه بلا قيد ولا شرط حفاظا على مصالحها الخاصة، مع انعدام وجود ناصح حقيقي مخلص وأمين من حوله.

كان يوجد في مصر وقتها نظام سياسي وضعه الإنجليز في الأساس، ويبدو في الظاهر ديمقراطيا، لكنه في الحقيقة كان مهترئا فاسدا، حيث كانت الانتخابات كثيرا ما تزور لصالح أطراف معينة اعتمادا على فقر وجهل الشعب، وكان معظم الساسة والأحزاب فاسدين، ويسعون أساسا للوصول إلى الحكم، فيلعبون على كل الأحبال وينافقون كل الأطراف. فمرات يؤيدون الملك ضد الإنجليز، ومرات أخرى يقفون مع الإنجليز ضد الملك، حسب ما تتراءى لهم مصالحهم وحسب الوقت والظروف والأحداث.

كانت هناك ثلاثة أقطاب تتصارع على الحكم، هم الملك الصغير الضعيف والمُهمش، والأحزاب وعلى رأسهم حزب الأغلبية وهو حزب الوفد، والإنجليز المحتلون لمصر منذ عام 1882، والذين كانوا الحكام الحقيقيين لمصر.

كان فاروق يكره حزب الوفد وزعيمه مصطفى النحاس أشد الكراهية، منذ أن أجبرته الدبابات البريطانية التي أحاطت بقصره صباح يوم 4 شباط/ فبراير عام 1942 وهو مازال شابا في الثانية والعشرين من عمره، على تكليف النحاس بتشكيل الحكومة وإلا خلعته من على العرش بالقوة.

من وقتها بدأ فاروق في محاولة ضرب الوفد بالأحزاب الصغيرة الأخرى المناوئة للوفد وسياساته، وكانت حكومات تلك الأحزاب دائما ما تفشل في تحقيق أي إنجاز سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.

وكان الوفد من جهته “يلاعب” الملك والإنجليز معا، فمرة يتحالف مع الإنجليز ضد الملك، ومرة أخرى يتحالف مع الملك ضد الإنجليز، سواء كان هذا لتحقيق أي إنجاز سياسي، أو لمجرد وصوله إلى الحكم وقبوعه فيه.

أما الإنجليز فقد فهموا اللعبة من طول الاحتلال والعشرة، فكانوا كمحركي العرائس على المسرح، يحركون الجميع عن طريق خيوط غير ظاهرة أحيانا، وخيوط ظاهرة أحيانا أخرى.

على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، كانت مصر دولة لها موارد كبيرة، ولكن – كالعادة – كانت هذه الموارد مركزة في أيدي طبقة صغيرة تملك وتحكم معا، وهي طبقة الحكام من العائلة المالكة والأمراء من نسل محمد علي، والأعيان من ملاك الأرض الزراعية وكبار الساسة ورجال الصناعة الكبار المحدودين جدا، لدرجة أنه في عام 1952 كان هناك نحو 2000 أسرة (أي نحو 10 آلاف شخص فقط) تملك نحو خُمس الأرض الزراعية في مصر، التي كان يبلغ عدد سكانها وقتها 21 مليون نسمة، كما يقول د. جلال أمين في كتابه الشهير جدا “ماذا حدث للمصريين”.

كان هؤلاء الـ21 مليون مصري مقسمين كالآتي، كما ذكر د. جلال أمين أيضا في نفس الكتاب: طبقة غنية ارستقراطية تمثل أقل من 1 في المئة من السكان، طبقة متوسطة تمثل 19 في المئة من السكان، ثم طبقة فقيرة معدمة تمثل 80 في المئة من السكان، مما جعل مصر ينطبق عليها الوصف الشهير “بلد النصف في المائة”.

كان معظم الشعب المصري من الفلاحين الذين كانوا يعملون في أراضٍ زراعية لا يملكونها، ولكن يزرعونها لصالح طبقة الأغنياء من ملاك الأراضي الزراعية، إما كعمال دائمين في هذه الأرض ومقيمين فيها، أو كعمال تراحيل ينتقلون من أرض لأرض لزراعتها بالأجر، ويعيشون فقرا مدقعا هبط بهم إلى مستوى متدنٍ جدا من العيش، لدرجة أن مشروع مصر الوطني في الأربعينيات كان اسمه “مشروع مكافحة الحفاء والفقر”، لأن هذه الطبقة الفقيرة المعدمة كان كثير من أعضائها يمشون حفاة في شوارع المحروسة من شدة الفقر.

تأزمت الأمور جدا في مصر بحلول منتصف الأربعينيات مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، فارتفعت الأسعار وزاد الغلاء وانتشر الكساد وازداد الفساد، ثم أتت هزيمة الجيش المصري في حرب فلسطين عام 1948 بسبب ضعف الجيش وسوء تسليحه وتدريبه وضعف قياداته وانعدام مهاراتهم العسكرية، أيضا بسبب الصراع الذي حدث بين الملك والأحزاب في هذه الحرب، واشتد قمع الآراء الحرة المعارضة والمطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، واشتد الصراع السياسي بين الأقطاب الثلاثة المتنافرة، الملك والأحزاب والإنجليز.

مع قدوم عام 1951 كانت الأمور قد وصلت إلى الذروة، فقد ألغى مصطفى النحاس، رئيس الحكومة وقتها، معاهدة عام 1936 مع بريطانيا من جانب واحد، وبدأ الفدائيون المصريون في ضرب المصالح والهيئات البريطانية في منطقة قناة السويس، والتي كانت تتمركز فيها قوات الاحتلال البريطاني، والتي بلغ عددها وقتها 80 ألف جندي.

هذه المقاومة الشعبية أفضت إلى حدوث مذبحة الشرطة في مدينة الإسماعيلية على يد الجيش البريطاني يوم 25 كانون الثاني/ يناير عام 1952، وليقوم حريق القاهرة في اليوم التالي مباشرة (26 كانون الثاني/ يناير)، في نفس الوقت الذي كان كبار قيادات ضباط الشرطة والجيش معزومين على مأدبة غداء أقامها لهم الملك في قصر عابدين.

انتهز فاروق فرصة الحريق، وأقال حكومة مصطفى النحاس الذي يكرهه، لتأتي أربع حكومات متعاقبة حكمت مصر في الستة أشهر فقط بين كانون الثاني/ يناير 1952 وتموز/ يوليو 1952 وقت حدوث الانقلاب العسكري:

1- حكومة علي ماهر، واستمرت في الحكم شهرا واحدا وثلاثة أيام.

2- حكومة أحمد نجيب الهلالي، واستمرت في الحكم أربعة شهور ويوما واحدا.

3- حكومة حسين سري عامر، واستمرت في الحكم عشرين يوما فقط (نعم 20 يوما فقط!!).

4- حكومة أحمد نجيب الهلالي (مرة أخرى)، والذي كان قد أقاله فاروق منذ 20 يوما فقط، لتستمر في الحكم يوما واحد فقط، لأنها تكلفت يوم 22 تموز/ يوليو 1952، ليقصيها الضباط صباح يوم 23 تموز/ يوليو مباشرة.

هذا التخبط السياسي الملكي- الحزبي يدل على مدة ما قد وصلت إليه مصر من تردٍ سياسي، ويدل على مدى ما وصل إليه الحكم في مصر من ضعف وهوان، لدرجة أنه يقال أن ضباط الانقلاب قد أسرعوا بحركتهم التي كان موعدها الأساسي الذي قرروه في عام 1954 أو 1955، بسبب هذا التردي السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي حدث بسرعة في مصر.

من الطبيعي أن نظام حكم بهذه المواصفات كان لا بد أن يسقط يوما ما، وكان فاروق نفسه يعرف هذا تماما، فقد قال ذات مرة: “يوما ما لن يكون في العالم سوى خمسة ملوك، ملك إنجلترا، والملوك الأربعة في ورق اللعب (الكوتشينة)”، وهو ما حدث فعلا وبمنتهى السهولة، ولكن جاء – ولسوء حظ مصر – عن طريق انقلاب عسكري، ولم يجئ عن طريق ثورة مدنية أو شعبية ديمقراطية، كانت متوقعة لو لم يحدث الانقلاب العسكري.

وهذا يدل على سوء الأوضاع في مصر وقتها أن الانقلاب العسكري قد نجح نجاحا مذهلا وسريعا، لدرجة أن الضباط أنفسهم لم يصدقوا هذا النجاح السهل السريع، كما أن غالبية الشعب المصري قد أيدوا أو رحبوا أو على الأقل لم يمانع أو يعترض على الانقلاب، بسبب ذلك التردي في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر وقتها.

تجاهلت بريطانيا المحتلة لمصر الانقلاب العسكري، وكذلك تجاهلته أمريكا، القوة الجديدة الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كانت تطمع في الحلول محل الاستعمار البريطاني في منطقة الشرق الأوسط. بل يقال إن الانقلاب قد حدث بمعرفة أو حتى باتفاق أو تواطؤ مع أحدهما أو كليهما، لأنهما ببساطة قد أدركتا أن نظام فاروق كان سيسقط لا محالة، فمن الأفضل لهما أن يسقط نظامه على أيدي ضباط الجيش، ليأتي حكم عسكري ديكتاتوري غير ديمقراطي معرض للفساد والفشل – كالعادة – وليتمكنا من السيطرة عليه وتوجيهه إلى مصلحتهما سياسيا واقتصاديا.

ربما لو كان تغيير الحكم في مصر وقتها حدث عن طريق ثورة شعبية مدنية، لكان قد نتج عنه نظام حكم ديمقراطي جديد، قد يكون أفضل كثيرا من حكم فاروق وحكم الضباط معا، ولكن هذا هو قدر مصر عبر التاريخ كله تقريبا، الانتقال من حكم فاسد فاشل إلى حكم فاسد فاشل آخر، سواء كان حكما أجنبيا أم كان حكما وطنيا.

هذه هي الحقائق التاريخية المجردة، والتي تؤكد رأيي المتواضع جدا.. والله أعلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل