عسكر "بتوع كلّه" عدا حماية الأوطان

بينما الشعب المصري منهمك في أمور حياته الأساسية من البحث عن عمل، ومن استمرار محاولات التوفيق بين الراتب الشهري ومصاريف المعيشة ومن ملاحقة جنون ارتفاع قيمة متطلبات الحياة، بالإضافة إلى جهود وصراع توفير الضروريات الآدمية الأساسية كالتعليم والعلاج والسكن والمواصلات.. فإذا بالسيسي قائد الانقلاب العسكري يفاجئ المصريين بقرار جهنميّ شرير؛ ظاهره فيه اللارحمة وباطنه من قِبَلِه العذاب، وهو قرار تعيين ضابط في كل قرية يتولى تنفيذ طلاء مساكن مقيمي الأرياف.

وباستحداث هذه المناصب التي تحكم المواطنين بقوة السلاح في الريف المصري، يكون الجيش المصري قد تميّز على باقي جيوش العالم في كل مناحي الحياة سواء في الزراعة أو الصناعة أو الاستيراد. فالجيش يزرع الطماطم والفلفل بألوانه والخيار بأحجامه، وينتج المياه والمعكرونة والمخللات. وهو الجيش الوحيد بالعالم الذي موقعه في الإنتاج مرتبط بالرتبة العسكرية، ففيه المقدم والعقيد مقاتل قادة خطوط الجمبري منزوع الرأس والأسماك بأنواعها. أما في الاستيراد فقد احتكر اللحوم وحليب الأطفال والدواء، وهو الوحيد الذي ينشر أفراده حتى رتبة العميد في منافذ البيع وعلى جوانب الطرق وفي الساحات المكشوفة والمغلقة، ولا يجادله ولا ينازعه أحد في تحديد أسعار السلع، ولا يهمه باع أم خسر فيكفيه تنحية القطاع الخاص وتقزيم هذا الجانب من الاقتصاد الوطني ومحو المنافسة التي هي لصالح المواطنين.

منذ مدة والسيسي له رغبة في السيطرة على كل ركن وزاوية في ربوع مصر، وهي فكرة لم تخطر على بال أعتى الحكام بغيا واستبدادا داخل أو خارج مصر. وكان اقترابه منها على مراحل بدأت بإعلانه قدرته على السيطرة على كل مصر خلال ست ساعات بنشر القوات المسلحة في أنحاء البلاد، ثم تطوّر الأمر إلى توفّر المعدات لتدمير مباني مصر قاطبة، ثمّ بطلبه علنا من وزير دفاعه تعيين ضابط في كل قرية، وغرضه هو غرس وتثبيت أقدام الحكم العسكري في أنحاء كل مصر.

يدّعي السيسي أن هدف تعيين عسكري على رأس كل قرية هو تجميل مظهر القرية، وأن حكم العسكري سينافس الحكم المدني، وأن مسألة طلاء مساكن القرية ستجمع من الفلاحين جباية قدرها أربعين مليار جنيه، ونحن نرى أن الغرض يتخطى بكثير ما أعلنه السيسي ويشمل الآتي:

أولا: هناك ثأر بين السيسي ومواطني القرى والنجوع عندما هدروا في الشوارع ضد هدم بيوتهم، بعدما ظنّ السيسي أن المظاهرات مقصورة فقط على أهل المدن، فاضطروه مجبرا على تعليق تدمير مساكنهم.

ثانيا: سيتم توريد الدهانات اللازمة لطلاء بيوت القرى من مصنع هليوبوليس للصناعات الكيماوية (مصنع ٨١ الحربي)، فيستأثر العسكر بالمليارات دوناً عن غيرهم.

ثالثا: أسلوب وضع ضابط من الجيش يتحكم في كلّ قرية سيكون ملهاة جديدة لجذب الانتباه بعيدا عن كارثة السدّ الإثيوبي.

رابعا: سيلزم كل ضابط قوة مسلحة تقبع في القرية وتأتمر بالأوامر العسكرية، وبها تزيد قبضة الحكم الانقلابي للسيسي وعصابته على مصر والمصريين.

خامسا: السيسي خاطب وزير دفاعه لتعيين ضباط الجيش في تلك المناصب، متجاهلا تماما الشرطة مما سيؤدي إلى أحقاد وخلافات ونزاعات بينهما ربما أكثر من الماضي، طالما دخلت الأوضاع في المناصب والمال.

سادسا: وأد أي محاولة للأهالي للاحتجاج المشروع أو للتمرد والعصيان المدني عندما يشح ماء النيل.

سابعا: التفرّد بالتنكيل بكل جهة على حدة، وتفتيت صف الوقوف ضد طغيان الحكم العسكري.

ثامنا: معرفة الأغنياء والموسرين في ريف مصر وحصرهم، وإيجاد وسائل للاستيلاء على ثرواتهم وممتلكاتهم بأي سبب وحجة.

تاسعا: تسهيل عمليات المراقبة والتجسس، وتصنيف الناس على أساس مؤيدين ومعارضين.

عاشرا: قتل وخطف وتعذيب أي مواطن دون الحاجة إلى إعلان.

أحد عشر: سهولة فرض حظر التجول في هذه المجتمعات المحدودة إذا وجد العسكر حاجة لذلك، والتحكم في نهار وليل الناس داخل هذه المناطق الصغيرة.

ثاني عشر: هل مناطق الريف ينقصها تغول الحكم العسكري فيها، أم تحتاج لضخ الاستثمارات فيها والتنمية وبنية أساسية ضرورية؟

ثالث عشر: البحث عن الأراضي ورصد ومعاينة الجيّد منها تمهيدا للاستيلاء عليها لصالح الجيش، أو بيعها لرجال الأعمال أو مستثمرين أجانب بمن فيهم الصهاينة.

رابع عشر: توزيع مناصب مدنية على ضباط الجيش ليستمروا في ولائهم للسيسي وأعوانه.

خامس عشر: التخلص من مئات رتب الضباط المتوسطة وتعيينهم في وظائف مدنية تدر عليهم رواتب وثروات فيزداد تمسكهم بحكم العسكر.

سادس عشر: التحكم في كل القرى والنجوع بالقوة العسكرية يعطي السيسي درجة منافسة ومكانة تميّزه بين أقرانه من الطغاة والحكام الظالمين.

سابع عشر: كما فعل الحكم الانقلابي في المدن يمكن فعله في القرى، بغرس الانحلال وتشجيع الفسوق وتهوين التفكك في الريف المصري المحافظ.

وفي اعتقادي أنه بأمر السيسي فإن وزير دفاع الانقلاب وزبانيته قد وضعوا الخطة وانتهوا من اختيار الضباط والقوة العسكرية المسلحة المعاونة، فما أسرعهم في الشر. ونحن هنا نناشد أحرار مصر المناضلين أن يتوحدوا كتلة واحدة هدفها وقف تمدد وانتشار حكم العسكر، والعمل بقوة وإخلاص لإسقاطه والتخلص منه. فلم يتبق في مصر مكان لم يرسخ فيه قدم العسكر بالحكم أو بالسطو والاستحواذ أو بالنهب والمصادرة.

ولقد أقسم السيسي من قبل أن الرئيس الراحل محمد مرسي قد “أخذ السلّم معه لفوق” وأنه سيحكم خمسمائة عام، وهو ادعاء لم يثبت لا قولا ولا فعلا، بينما نشاهد كيف يتعامل السيسي مع كرسي الحكم (مثل زعيم عصابة إجرامية) واستعداده أن يزيل “من على وشّ الأرض” من يتجرأ ويقترب من كرسي الحكم.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل