“عروبة” بشار الأسد

ينطوي خطاب بشار الأسد، في الغالب، على مفارقات لا يمكن أن تحصل مع أحد غيره، فهو بالإضافة إلى تميّزه بإنكار الواقع على الدوام، يتميز أيضاً بالانقلابات عن مواقف سبق أن اتخذها قولاً وفعلاً، الواقع والثابت عند بشار الأسد هو تأكيده للسوريين بأن الغد أسوأ من اليوم بكثير، وعليهم أن يستبدلوا الكوابيس بالأحلام.

من مفارقات الأسد الجديدة، عودة عزفه على وتر العروبة والانتماء إليها، بل واعتبارها أحد أهم مكونات سياسته، وهي مهمة لدرجة أن مصير المنطقة بأكملها يتوقف عليها.

على مدار السنوات السابقة مثلت العروبة والعرب أحد ردائف الشتائم السيئة، فهي، وعبر الخطاب السياسي والإعلامي للنظام، تنطوي على التخلف والهمجية والخيانة، والعرب وفق ذلك ليسوا سوى إرهابيّين يعيشون خارج العصر، ويستحقون كل ما يحصل لهم، وأن السوريين، أو بالتحديد بيئة النظام، ليسوا عرباً بل هم سوريون أصلاء موجودون قبل “الغزو” العربي – الذي ليته لم يكن – بقرون عديدة.

كان من الطبيعي انتقال هذه الرؤية السلبية للعرب إلى البيئة الحاضنة للنظام، والتي من منطلق إبداء ولائها والتصاقها بمواقف النظام بالغت في حقدها على العرب والعروبة، وراجت بينها أقاويل عن شرب العرب للبول والإدمان عليه. وأكثر من ذلك، العرب مدمنون على تعاطي المخدرات، ويمارسون سفاح القربى وسواها من الموبقات التي لا تخطر على بال ولا يقبلها أي ضمير!

لم يكن خافياً الهدف الأبعد من ذلك، إذ شكّل هذا الخطاب جزءاً من عدة تجريد العرب من إنسانيتهم تمهيداً لقتلهم. والمقصود بالعرب هنا هم أبناء الأرياف والضواحي والمدن الطرفية السورية، هؤلاء كانوا يمثلون العرب ولا بأس من التخلص منهم، بالقتل أو التهجير والتغيير الديمغرافي، وتشويههم هو بمثابة تشريع لقتلهم دون الإحساس بأدنى ذنب تجاههم.

كل الذين عملوا في المؤسسات السورية يعرفون تماماً موقف النظام من العرب وتعالي مؤيديه وموظفيه الكبار على العرب والعروبة، ولطالما أثار هذا الموقف السؤال حول السبب الذي يدفع نظاما يدّعي أنه يؤمن بالقومية من خلال الانتساب لـ”حزب البعث العربي الاشتراكي”، إلى احتقار العرب والعروبة ويكن لها هذا الحقد الدفين. ولطالما كانت الصهيونية، في المناهج الرسمية والخطاب الرسمي، هي العدو الأول، ولكنها كانت تغيب تماماً في الأحاديث العادية ويحتل العرب مكانها!

ورث بشار الأسد وبيئته هذا الحقد عن حافظ الأسد، الذي اشتهر بقدرته على اللعب على الحبال، إذ بقدر ما كان يحرص في خطاباته الرسمية على الولاء للقومية العربية، كان يستهزئ أمام المقربين منه من العرب، وخاصة عرب الخليج. كما أن حافظ الأسد وطوال فترة حكمه كان على عداء مع دول الجوار العربي (العراق والأردن ولبنان والفلسطينيين) ولم يوفر فرصة لإيذاء هذه الأطراف. وقد وصل به الأمر إلى مد إيران بالأسلحة التي قتلت بها الشعب العراقي، الذي هو عربي بالطبع، وارتكب مجازر عديدة بحق الفلسطينيين في لبنان، وذهب إلى حد التقرب من جزاريهم حينما عيّن إيلي حبيقة وزيراً في أكثر من حكومة، وهو المسئول المباشر عن مجازر صبرا وشاتيلا.

في زمن بشار، خرج الحقد على العرب والعروبة من دائرة البطانة الضيقة للأسد إلى العموم، وكانت حرب 2006 هي الذريعة لذلك، وكان قد سبقها موقف السعودية من جرائم اغتيال قادة وسياسيين لبنانيين، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وقد استغل بشار الأسد موقف دول الخليج من الحرب بين “حزب الله” وإسرائيل، لتوجيه أقذع الشتائم لحكام الخليج.

وعلى مبدأ مضطراً أخاك لا بطل، يعود الأسد اليوم إلى العزف على وتر العروبة. إذ ليس خافياً أن الأسد يغزل على أموال الخليج للخروج من ورطته، ولإعمار ما دمرته آلته وحلفائه الروس والإيرانيين العسكرية، بسبب عجز هؤلاء عن إعمار سوريا، وفي نفس الوقت حاجتهم لهذا الأمر، من جهة كي يخرجوا من مآزق تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة، ومن جهة أخرى من أجل تعويض ما دفعوه في حروبهم على الشعب السوري.

ورغم عدم وجود بوادر على احتمال انخراط دول الخليج في عملية الإعمار في سوريا، نتيجة ضعف الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع، مع فساد النظام السوري، وسيطرة روسيا وإيران على عناصر الاقتصاد، إلا أن الأسد يبني آمالا كبيرة على المال العربي، ومن أجل ذلك أصبح يتغنى بالقومية والعروبة، ولا مانع لديه من تقديسها والتغني بها إذا كان ذلك سيكون مفتاحاً لخزائن العرب.

twitter.com/ghazidahman1

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل