شعائر الحج والوثنية

الحج فريضة افترضها الله عز وجل على المسلمين، وجعلها ركن الإسلام الخامس، وللحج مناسك ومشاعر مطلوبة، كالطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات. وقد تناول هذه المشاعر بعض المشككين في الإسلام بأنها تقترب في هذا الفعل من مظاهر الوثنية التي حرمها الإسلام، وأحيانا تثار هذه الشبهة وتنطلي على عقول بعض الشباب الذي لم يتعمق في دراسة الإسلام.

وبالطبع هذه الشبهة متهاوية من الأساس، لأن الإسلام دين جاء ليحارب ويحطم الطواغيت والأوثان، في العقول قبل أن يحطمها في الواقع، كما أن الإسلام معادٍ للوثنية في مظاهرها وسلوكها شكلا وجوهرا، كما تبين آيات القرآن الكريم، في حواراته مع الوثنيين، وهدم حججهم، وإبطالها كاملة.

فهذا موقف مبدئي للإسلام من الوثنية ومظاهرها، حتى كل ما يمت لها بصلة يرفضه الإسلام، كما في نقاشه للوثنيين، فأبطل الله عز وجل الوساطة بينه وبين عباده، حين قال الوثنيون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) الزمر: 3، فقطع الله كل وساطة بين الخلق وخالقهم.

كما أن مشاعر الحج لا تلتقي مع الوثنية من قريب أو بعيد، فهي ارتباط بأنبياء الله ورسله، وبخاصة نبي الله إبراهيم وعائلته: إسماعيل، وهاجر، من طواف حول الكعبة، وسعي بين الصفا والمروة، وإبراهيم عليه السلام هو عدو الأصنام منذ نعومة أظفاره، بل بلغ به حرصه من البغض للوثنية، أن دعا ربه: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) إبراهيم: 35. رغم أنه محطم الأصنام، وتعرض للبلاء من جراء تحطيمها، ولكنه يخشى من أي شبهة تقترب من عبادتها، ودعا بذلك لأبنائه وذريته.

ولحكمة أراد الله سبحانه وتعالى أن يعطي في الحج رمزية لتقبيل حجر، ورمزية لرجم حجر، لنفي علاقة الوثنية بالشعيرة، فنقبل الحجر الأسود، ونرمي الجمرات لرمز إبليس، ولو أن حاجا لم يقبل الحجر الأسود ما تأثر حجه بأي شيء، بل هو رمز للعمل الصالح والعمل السيء، فيسن تقبيل الحجر الأسود لأن من وضعه هو نبي الله إبراهيم، فنال تكريما بالتقبيل لارتباطه برجل صالح وهو إبراهيم عليه السلام، ويرمى حجر آخر لرمزيته للشيطان، دلالة على أن الصحبة الصالحة أو السيئة، تلقي بظلالها على من وما يرتبط بها، كما رأينا في كلب أصحاب الكهف، فقد نال التكريم والتخليد لأنه صحب أقواما صالحين. 

 

الوثنية في حقيقتها وتاريخها انحراف بالعبادة والعباد عن عبادة الله، إلى عبادة البشر، فالخلق كانوا متوجهين في بداية الخلق وبعده إلى الله عز وجل بالعبادة، وبتوحيد الله وحده، لا شريك له، ثم نشأت الوثنية انحرافا عن التوحيد، مقلدة شعائر التوحيد التي تتوجه إلى الله بالعبادة، إلى عبادة الأصنام.

 

أما الحجر الأسود فليس من مشاعر الحج، أو شروط صحته، بل هو أمر مسنون، سواء قبله الناس أم لم يقبلوه، وقد خاطبه عمر بن الخطاب قائلا: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.

وهو المعنى المراد من كل أفعال الحج، فالمراد منها: الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، فنطوف ونسعى ونرمي ونقبل، امتثالا لأمر الله، وليس للفعل نفسه، وهو ما يريده الله من العبادة، ففي الصوم يحرم علينا أشياء هي في أصلها حلال، كالطعام والشراب والجماع للزوجة، كما يحرم في الحج أمور مباحة في غيره: كلبس المخيط والتعطر وجماع الزوجة.

والذي يفعل هذه المناسك لا يفعلها للمكان، بل يتقرب بها لله سبحانه وتعالى، ملك ما في السماوات والأرض، ومن في السماوات والأرض، فهو امتثال لأمر الله وحده، كما في سجود الملائكة لآدم عليه السلام، فسجود الملائكة لم يكن لآدم، بمعنى التقرب والعبادة، بل العبادة والتقرب منهم كان في طاعتهم لأمر الله، فالمسلم يفعل ما يؤمر به من ربه، حتى لو كان كارها أو محبا للأمر، (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء: 65.

كما أن هناك فروقا جذريا بين الوثنية والإسلام، فالوثنية هي توجه المخلوق بالعبادة لمخلوق مثله، سواء كان المخلوق المعبود من دون الله بشرا، أو حيوانا، أو جمادا. أما العبادات في الإسلام فهي توجه المخلوق بالعبادة للخالق سبحانه وتعالى.

والوثنية في حقيقتها وتاريخها انحراف بالعبادة والعباد عن عبادة الله، إلى عبادة البشر، فالخلق كانوا متوجهين في بداية الخلق وبعده إلى الله عز وجل بالعبادة، وبتوحيد الله وحده، لا شريك له، ثم نشأت الوثنية انحرافا عن التوحيد، مقلدة شعائر التوحيد التي تتوجه إلى الله بالعبادة، إلى عبادة الأصنام.

فقصة نشأة الأصنام معروفة، وهي: أن خمسة صالحين ماتوا قبل عهد نوح عليه السلام وهم: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، فاقترح عليهم أحد صناع التماثيل أن يصنع لهم تماثيل تذكرهم بهم، وبصلاحهم، وقد فعل، ومر الزمن على الناس، ونسوا أنهم بشر من الصالحين، ثم بدأ تقديسهم وعبادتهم، ولذا كانت دعوة نوح عليه السلام لهم أن يدعوا عبادتها، وكان رد قومه عليه بقولهم: (وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ ‌وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا) نوح: 23.

فادعاء أن شعائر الحج تشبه أفعال الوثنية، هو قول باطل، وقلب للحقائق، فالوثنية هي التي قلدت التوحيد، وحولت شعائره إلى شعائر لها تتوجه بها إلى غير الله سبحانه وتعالى، وليس العكس كما يحاول من يهاجم الإسلام أن يثير من شبهات. 

[email protected]

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل