زيارة العيد في المعتقل مصر

بينما يحتفل كثير من المسلمين في العالم بعيد الأضحى المبارك بشراء الملابس الجديدة وشراء الأضحية والذهاب للآباء والأقارب لزيارتهم والاستمتاع بصحبتهم والتفكير في كيفية الترفيه للأطفال، توجد عشرات الآلاف من الأسر المصرية عندما تأتي نسائم العيد تنحدر الدموع على وجوهها، فهي تتذكر أولادها الذين قتلهم العسكر في مذابح رابعة أو المنصة وغيرها، أو ماتوا في السجون بتعمد الإهمال الطبي أو تم إعدامهم ظلما.

تستعيد ذكرياتها معهم في العيد وفرحتهم واستعدادهم للعيد، وتتقلب بها الأحزان يمنة ويسرة فلا تجد فرحة العيد لها مكانا في بيوتها، ولكنها تجد في الصبر كهفا لمأوى أحزانهم، وفي رجاء الثواب من الله ما يشرح صدورها.

ومع قدوم العيد تنشغل عشرات الآلاف من الأسر بالسؤال يمنة ويسرة: هل سيتم السماح بزيارة أبنائها المعتقلين؟ فإذا بلغها الخبر بالزيارة انشغلت بالإعداد لها وكيفية توفير ثمن الزيارة وثمن المواصلات، فقد انقطع دخل الأسرة بعد اعتقال عائلها. ثم تفكر في ما يحب الابن والأب والزوج المعتقل من طعام وشراب، وتنساب الدموع وهي تتذكر أيام كانوا في بيوتهم فرحين بالعيد.

ومع اول ساعات ليلة العيد لا ينام أفراد هذه الأسر، بل يركبون السيارات في رحلات من كل مكان في مصر إلى كل سجن كي يبيتون أمام السجن ليلحقوا حجز رقم لهم في أرقام الزائرين.

وتفترش العائلات الأرض بالساعات ويصلون الفجر أمام بوابة السجن، وعندما تصل إلى آذانها تكبيرات العيد من المساجد البعيدة أو من الراديو يخفي الكل أحزانه، ولكن سرعان ما يرسل صوت التكبير (الله اكبر الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله الله اكبر الله اكبر ولله الحمد) شحنة إيمان عالية في نفوسها تجعلها مستبشرة صامدة صابرة.

وبعد تسع ساعات (في التاسعة صباحا) يتم النداء على الزيارات، فتتسارع العائلات بحمل ما أحضرته للابن والزوج والأب. وتقف في طابور طويل للتفتيش وتبدأ رحلة قهر جديدة، فيقوم العسكرى بمنع طعام وقذفه في الأرض، وتبكي الأم والزوجة على ساعات ضاعت في إعداده وفرحة راحت عندما يتذوق المعتقل طعام بيته.

ثم تاتي لحظة قهر صعبة وهي التفتيش الذاتي. ولو أن الأهالي قادمون من “إسرائيل” ما كانت لتتم معاملتهم بتلك الطريقة المهينة. فيتم تفتيش الملابس والجسد رغم مرورهم من أجهزة كشف، لكن لا يستريح الطغاة إلا بمحاولة قهر الجميع.

ويتأفف فتى صغير من المعاملة فتنهره جدته وتقول له تحمل لقد كنت أتحمل أيام زيارة جدك في حكم عبد الناصر، فيفتح الفتى فاه ويقول: يا جدتي من أيام عبد الناصر والعائلة في زيارات للمعتقلات!!! معقووول؟ فتنظر إليه جدته وتقول له: نصيبنا وصابرين الحمد لله. فيقول الفتى: يا جدتى أنا من الابتدائية حتى الإعدادية وبابا في المعتقل وتقولين جدي كمان؟ وصابرين!! أنا لا أفهم صبرك يا جدتي؟ فتنهره جدته في يده وتقول له: الزيارة، ثم تاتي اللحظة المرتقبة وتدخل العائلة للزيارة من وراء الأسلاك، فيندهش الفتى الصغير ويقول: بعد كل ذلك والزيارة خلف السلك ولن أحضن أبى؟ فتنهره جدته وتقول له بصوت حكمة وخبرة المعتقلات: احمد ربنا، عمك المعتقل في سجن العقرب ممنوع من الزيارة. فيقول الفتى: عمي محمد محكوم عليه بالإعدام، فترد جدته: ما بياخد الروح إلا خالقها، فيرد الفتى: ولكن حرام نتركه لازم نعمل حاجة، فتنظر إليه جدته وهي تحبس كما متدفقا من المشاعر حزنا وقهرا وألما وتقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.

ويتلاقى الأهل والمعتقل عبر الأسلاك ويصرخون كي يسمعهم: كل سنة وانت طيب، فيرد عليهم: كل سنة وانتم طيبين. وتتعالى ضحكاتهم فرحين باللقاء رغم الأسوار والأسلاك، وهنا لا يتمالك ضابط السجن نفسه من الغيظ وهو يرى ضحكاتهم رغم كل ما يفعلونه بهم من سجن واعتقال وتلفيق وتعذيب وقهر، ويقول لنفسه: كيف يضحك هؤلاء؟؟ ويصرخ بصوت عال: الزيارة انتهت فيصرخ الأطفال الصغار: بابا بابا، وتنساب دموع الوداع من الجميع ويقول الفتى الصغير لجدته: نحن لم نستغرق دقائق هذا ظلم، فتنهره جدته وتقول له: اسكت سوف يعتقلونك مع أبيك فابتسم الفتى الصغير ساخرا وقال: يا جدتي كلنا محبوسون لكن لازم نتكلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل