“حياة السود حياتنا”.. تاريخكم سيئ وشعاركم أسوأ

لا أدرى هل هو بؤس في اللغة أم هو بؤس في الوعي أم بؤس في التصور والاعتقاد، أو ذلك كله هو ما أنتج وأخرج للوجود شعار “حياة السود مهمة”، والذي انتشر في أمريكا منذ ثماني سنوات مع الجدل الذي صاحب قضية قتل جنائية في ولاية فلوريدا (زيم رمان الأبيض 38 سنة قتل الشاب الأسود تريفون مارتن 17 سنة في 26 شباط/ فبراير 2012م)، وهي القضية التي انتهت بتبرئة قاتل يداه ملوثتان بدم قتيله بدعوى أنه قام بإطلاق النار عليه دفاعا عن النفس.

الشعار بائس وشحيح وبليد، بل قد يمكن الفهم منه أنه قد يشي بضده، فالأصل أن حياة البشر كلهم أجمعين.. هي حياتنا كلنا أجمعين، وفي الثقافة الإسلامية أن من قتل نفسا كمن قتل الناس جميعا. لم يكتف النص القرآني بالإشارة إلى الجريمة وبشاعة مداها في الوجود الإنساني كله على الأرض كلها كصورة من أسوأ وأبشع صور الحياة، بل أشار إلى أن الحياة كلها على وجه الأرض تساوى حياة نفس واحدة.

قصة العنصرية في أمريكا تجاه السود تحديدا قصة بالغة التعقيد، كانت ولا زالت، ولا أظن أنها ترى لنفسها أفقا قريبا لحل حقيقي يبرم لها نهاية قاطعة. فمستقبل التعايش العادي والطبيعي بين السود والبيض في أمريكا محل شك كبير، والعنصرية لا زالت حقيقة من حقائق تكوين المجتمع الأمريكي، وما زالت هناك كنائس ترفض تزويج السود..! 40 في المائة من المساجين سود، مع إن نسبتهم الإحصائية في المجتمع كله 13 في المائة، كما يعاني السود أكثر من غيرهم من سوء الأحوال الاقتصادية.

أرض الحلم والحرية والوعد والبشارة والرفاهية كما قال الكاتب الأمريكي جيمس آدامز (1878-1949م) في كتابه المعروف “الملحمة الأمريكية” وصاحب مصطلح (الحلم الأمريكي).. هذه الأرض الواعدة بالحلم الجميل استغرقت أكثر من مائة عام (1861 إلى 1963م) حتى يتحقق فيها الإقرار بالمساواة بين البشر، وكلمة يتحقق مجازية لأنه في الحقيقة لم يتحقق. وتخلل هذه المائة عام والتي تمتد إلى يومنا هذا نضال كبير من الرجل الأسود ورفض عنيد من الرجل الأبيض للحق الكامل والحقيقي في هذه المساواة؛ التى هي ببساطة بالغة عدم اعتبار “لون الجلد” معيارا لتصنيف الناس.. من أكرم ومن أخس؟ من أعلى ومن أدنى؟

سيقول لنا التاريخ غير المجيد في سجل عنصرية الرجل الأبيض (في أوروبا كان أم في أمريكا) أنه في 1 كانون الأول/ ديسمبر 1955 م وفي مدينة مونتجمري بولاية ألاباما؛ تم القبض على سيدة تدعى روزا باركس (توفيت عام 2005م)، وكان سبب القبض عليها مدهشا في الحقيقة وهو أنها جلست في الكراسي الأمامية لحافلة (باص)، فكان أن أثار ذلك زملاؤها في العمل، فقرروا مقاطعة حافلات (باصات) المدينة كلها في أي مكان. 50 ألف أمريكي وأمريكية من السود قرروا اعتراضا على القبض على روزا السير يوميا على أقدامهم من منازلهم إلى أعمالهم لمدة 381 يوما.. عام وأسبوعان يحدث ذلك بشكل يومي ومنتظم ومستمر. شيء ما يحدث، وهذا الـ”شيء ما” يبدو في حدوثه ثقيلا وقويا وعازما ومعبأ حتى الحافة بالرفض والانتفاض، فكان أن سارعت المحكمة العليا في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956م بحظر الفصل العنصري في وسائل النقل العام. وكانت تلك الخطوة أوسع خطوة في خطوات المشوار الطويل لحصول الأمريكي الأسود على حقوقه المدنية قانونا.

بعد سبع سنوات من إلقاء روزا لهذا الحجر الضخم في مستنقع العنصرية وتحديدا في عام 1963م (أنت تتحدث عن ستينيات القرن الماضي فقط!)، شهدت البلاد أكبر مظاهرة في تاريخ سعي السود للمساواة، اشترك فيها ما يقرب من 250 ألف أمريكي، منهم نحو 60 ألفا من البيض! وتوجهت إلى النصب التذكاري للينكولن، الرئيس الـ16 لأمريكا والمعروف في تاريخها بتحرير “العبيد”. يومها ألقى مارتن لوثر كينج (1929-1968م) خطابا سيعتبر بعدها من أروع خطابات العصر الحديث على الإطلاق (لدى حلم)، واعتُبر بحق أيقونة حقيقية لفكرة المساواة والكفاح العنيد لنيل الحرية والكرامة. وفي نفس السنة صدر قانون “الحقوق المدنية” للمساواة بين جميع المواطنين الأمريكيين بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين، وهو القانون الذي رعاه الرئيس جون كينيدي، الرئيس الـ35 لأمريكا وصدر فعليا بعد اغتياله في نفس السنة (1963م).

من الرموز التي لا تُنسى بالطبع في تلك الفترة التاريخية في أمريكا وأحد أهم وأقوى دعاة الحقوق المدنية للسود، الزعيم المسلم مالكم إكس (قتل في 1965م)، والذي يعد من أعظم الأمريكيين – من أصل أفريقي – تأثيرا في التاريخ الأمريكي.

بذور التأسيس لفكرة التمييز العنصري موجودة بوضوح في كتابات عدد من فلاسفة التنوير الأوروبي، وهو ليس غريبا على فلسفة كلية ترى أن “الغرب هو مركز الكون ولا معنى للإنسانية من دونه!!”. الفيلسوف الألماني كانط في القرن الثامن عشر قال صراحة ودون أي برهان علمي على ما يقول؛ إن الجنس الأبيض هو أكثر الأجناس تطورا وذكاء. والفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم في نفس التوقيت تقريبا قال صراحة وبكل حسم وقطع: “أنا لا أشك أبدا أن الزنوج بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض”.. وهكذا.

نحن هنا نتحدث عن تأسيس فكرى وفلسفي لما ينبغي أن تكون عليه علاقات البشر كما يراها الأوروبي الأبيض، المتحضر صاحب العبء الرئيسي في تنوير البشر والأخذ بهم إلى مستقبل الترقي والتطور.. والقتل والإبادة والنهب في قول آخر!! .. مقولة العبء هذه قالها صراحة الشاعر الإنجليزى روديارد كبلينج، أو “نبي الإمبراطورية” (كما أطلق عليه ساخرا جورج أورويل!). قالها في قصيدته التي بنفس العنوان (عبء الرجل الأبيض) سنة 1899م. وهو بالمناسبة صاحب المقولة التي يعرفها الجميع أن “الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدا”.

قبل أن يتعرض ثلاثة من أهم لاعبي المنتخب الإنجليزي (راشفورد وسانشو وساكا) للإساءات العنصرية الكريهة والمؤذية في الأيام الماضية، لإخفاقهم في ضربات الجزاء الترجيحية لصالح منتخبهم ضد إيطاليا في نهائي كأس أوروبا 2021م، نشرت الإندبندنت عربية في نيسان/ أبريل الماضي استطلاعا أوضح أن عددا كبيرا من البريطانيين يعتقدون بضرورة التصدي التشريعي لمشكلة العنصرية المستفحلة والمتزايدة في بريطانيا. الملفت أن كثيرين ممن شاركوا في الاستطلاع أكدوا أن العنصرية في بريطانية “مؤسسية”!! وأن مؤسسات حكومية مهمة في المملكة تشكل بذاتها مؤسسات عنصرية.. استقالة كاسومو، المستشار المكلف من مجلس الوزراء بالمجتمع المدني والجاليات، تشير إلى ذلك خاصة بعد صدور تقرير حكومي رسمي ينفي وجود “عنصرية هيكلية في بريطانيا”.. وهو الأمر الذي في ما يبدو محل شك كبير.

نحمد لله أننا أبناء ثقافه وحضارة عرفت المعنى الحقيقي والكامل لفكرة “المساواة بين البشر” من اليوم الأول لتأسيسها وبزوغ فجرها، نص على ذلك كتابها الكريم (القرآن) والنور الذي جاء وسار وعاش به نبيها (السنّة).

ويروي لنا التاريخ أن أحد أعظم الرجال الذين أنجبتهم هذه الحضارة دخل ذات مرة على مجلس فيه رجل “أسود” فقبل يده قائلا: سيدنا، وأعتقه سيدنا (عن بلال وعمر وأبي بكر أتحدث).

twitter.com/helhamamy

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل