الموقف الأمريكي من ديمقراطيات العالم الثالث

كعادتها تأتي المواقف الأمريكية من الاستحقاقات الديمقراطية في بلدان العالم الثالث ضبابية غير واضحة، كما هو الموقف الأمريكي الأخير من الانقلاب الذي قام به الرئيس التونسي قيس سعيد على الديمقراطية.

دعوة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن للرئيس التونسي باحترام الديمقراطية، دعوة عامة لا تحمل إلا معنى واحدا، وهو أن واشنطن قد تقبل بخطوات سعيد إذا ما حققت في النهاية الاستقرار، بغض النظر عما إذا كانت هذه الخطوات منافية لنتائج صناديق الاقتراع أم لا.
 
ويشكل تأكيد بلينكن للرئيس التونسي بالشراكة القوية مع الولايات المتحدة، والدعم الأمريكي المستمر للشعب التونسي في مواجهة التحديات المزدوجة المتمثلة في الأزمة الاقتصادية ووباء كوفيد 19، دليلا على أن إدارة بايدن لن تمارس ضغوطا على سعيد في المدى القريب بانتظار ما ستنتهي عليه الأمور.

الخطاب الأمريكي هذا، سيكون مشجعا للرئيس التونسي للمضي قدما في خطواته، كونه لا يرى في قراراته خروجا أو انقلابا على الدستور وعلى العملية الديمقراطية.

وإذا كان بلينكن قد أعرب بعدها عن قلقه من أن خطوات سعيد تتعارض مع الدستور، فإنه كان يمارس نوعا من الضغوط عليه للإسراع في تشكيل حكومة، أو إيجاد تسوية سياسية ترضي الفرقاء للحيلولة دون حدوث تحشيد سياسي قد ينتهي بفوضى عارمة.

 

لم تتعامل الإدارات الأمريكية مع الثورات العربية والتداعيات السياسية والعسكرية والإنسانية التي خلفتها، من منطلق المعيار الديمقراطي، وإنما من منطلق المعيار السياسي الاستراتيجي، فكانت مواقفها في سوريا وليبيا ومصر وتونس واليمن خاضعة لهذا الاعتبار وحده.

 

لا يفرد الخطاب السياسي الأمريكي الخارجي بشكل عام أولوية كبيرة للديمقراطية كهدف في ذاته، فالأولوية للاستقرار، وإذا ما كانت الديمقراطية ستؤدي إلى الفوضى، فإنه يمكن التضحية بها على مذبح الاستقرار.

لم تتعامل الإدارات الأمريكية مع الثورات العربية والتداعيات السياسية والعسكرية والإنسانية التي خلفتها، من منطلق المعيار الديمقراطي، وإنما من منطلق المعيار السياسي الاستراتيجي، فكانت مواقفها في سوريا وليبيا ومصر وتونس واليمن خاضعة لهذا الاعتبار وحده.

تظهر سيولة الخطاب الأمريكي بشكل صارخ في سوريا، فقد شهدت البلاد خلال السنوات العشر الماضية أكبر أزمة إنسانية على مستوى العالم، سواء على صعيد النزوح والتهجير أو على صعيد القتل والاعتقال والتدمير، ومع ذلك بدا الموقف الأمريكي منذ عام 2015 ينتقل تدريجيا للقبول بالوضع القائم، واعتبار الأسد جزءا رئيسا من أية معادلة سياسية مستقبلية.

هنا، انهارت المطالب الديمقراطية لصالح المصالح الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة وإسرائيل، وأصبحت الأزمة الإنسانية مجرد تفصيل صغير.

لم تكن الديمقراطية في ذاتها هي هدف السياسة الأمريكية الخارجية بطبيعة الحال، بل كانت أداة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، فعلى سبيل المثال، شجعت الولايات المتحدة في مرحلة الحرب الباردة الديمقراطية في بعض الدول اليسارية من أجل إبعادها عن الاتحاد السوفييتي والأيديولوجيا الشيوعية، واضطرت الولايات المتحدة للتدخل عسكريا في خمسة دول باسم تحقيق الديمقراطية (جرينادا عام 1983، وبنما عام 1989، وهاييتي عام 1994، وأفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003)، لكن الأهداف في الحقيقة ليست من أجل ذلك.

على مدار سنوات طويلة حصل تلاقي بين النخب السياسية الحاكمة في واشنطن ومنظري الفكر السياسي الأمريكي، في ضرورة التركيز على ثبات الأنظمة الحاكمة وإن كانت دكتاتورية على اعتبار أن الأخيرة تمتلك أدوات الضبط والإكراه الضروريين لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد شكل المفكر الأمريكي صموئيل هنتنغتون وتلاميذه أمثال فرنسيس فوكوياما وفريد زكريا نموذجا لهذا التيار الذي لا يهتم بنوع نظام الحكم، وإنما بوجود نظام سياسي ومدى سيطرة هذا النظام على البلاد.

تعتقد الولايات المتحدة والمنظرون الأمريكيون أن عقد انتخابات في غياب التنظيم السياسي قد يساهم في تعزيز القوى الاجتماعية الرجعية التخريبية وهدم بنية السلطة العامة، وقد كتب فريد زكريا أن الحكومات يجب أن تبحث عن النظام أولا، ثم التنمية الاقتصادية، وأخيرا الديمقراطية.

ولذلك، يقبل هذا التيار بالليبرالية الاقتصادية وبنوع من الليبرالية المدنية والسياسية في ظل نظام انقلب على الديمقراطية طالما أنه حقق الاستقرار.

في الوطن العربي وعلى مدار السنوات الماضية، وقبلها في مناطق مختلفة من العالم، راقبت الولايات المتحدة نشوء الديمقراطية بحذر، فشجعتها في أوروبا الشرقية ودعمتها كي تكون جزءا من المنظومة الغربية في مواجهة الروس، وفي أمريكا اللاتينية دعمت واشنطن التحولات الديمقراطية لجعل القارة حليفا لها، وإن قبلت بنظم شبه ديمقراطية ذات بنية تسلطية طالما حققت الاستقرار السياسي وفتحت الاقتصاد نحو الخارج، أي أن الولايات المتحدة تشجع على الليبرالية الاقتصادية وتوافق ضمنيا على الديمقراطية المشوهة.

*كاتب وإعلامي سوري

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل