الخوف من الحَبْلُ

جاء تشكيل كلمة “الحبل” في العنوان حتى لا يقع اللبس بين الحَبْلُ، أي ما فُتِلَ من لِيفٍ ونحوه لِيُرْبَطَ أو يُقاد به، وبين الحبَل، الذي هو إخصاب بويضة الأنثى بلقاح الذكر لإنتاج كائن حيّ جديد، يأخذ عادة في النمو.

والعنوان في مجمله هو الجزء المتمم للمثل الرائج: اللي (الذي) يقرصه الثعبان يخاف من الحبل. وهناك نظير له: اللي (الذي) لسعته الشوربة ينفخ في الزبادي. والمثلان معا يصلحان كعنوان لحال تعامل الدولة في مصر، بمختلف أجهزتها، مع الإعلام والفن.

ففي التقييم الأمني الصرف هناك اعتقاد بأن تعامل نظام مبارك في سنوات حكمه السبع الأخيرة قد أفرط في التساهل مع الإعلام والفن، بما أفضى لزيادة التعبير عن الغضب والاحتجاج وتنامي المطالبة بالتغيير، وبالتالي لتفاقم الأوضاع وصولا للثورة. ثم إن السنوات الأربع التي أعقبت ثورة 25 يناير المجهضة وصلت بالأوضاع الإعلامية إلى مرحلة الخطورة الشديدة. ووفقا لهذه الرؤية فإن لسعة أو قرصة السنوات العشر تجعل من الواجب الخوف من الحبل والنفخ في الزبادي، أي بفرض سيطرة تكاد تكون مطلقة على المجالين معا، وعدم السماح بأدنى تعبير عن النقد والاحتجاج أو المطالبة بالشفافية وحرية التعبير.

في التقييم الأمني الصرف هناك اعتقاد بأن تعامل نظام مبارك في سنوات حكمه السبع الأخيرة قد أفرط في التساهل مع الإعلام والفن، بما أفضى لزيادة التعبير عن الغضب والاحتجاج وتنامي المطالبة بالتغيير، وبالتالي لتفاقم الأوضاع وصولا للثورة. ثم إن السنوات الأربع التي أعقبت ثورة 25 يناير المجهضة وصلت بالأوضاع الإعلامية إلى مرحلة الخطورة الشديدة

وهناك دليلان رئيسيان على ذلك، الأول جاء في تصريح للرئيس عبد الفتاح السيسي، أثناء تدشين محور تنمية قناة السويس، وإعلان التحالف الفائز بوضع المخطط العام للمشروع (آب/ أغسطس 2014)، حين قال: “الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان محظوظاً، لأنه كان بيتكلم والإعلام معاه”، وأضاف مستدركا: “الإعلام المصري عليه مسؤولية عظيمة، وعليه أن يكون في صف الشعب”. في هذا التصريح يكشف السيسي عن نموذجه الإعلامي “المثالي”، منتقدا، بصورة مبطنة، أداء أربعة عقود ونصف كاملة. وقد استبطن السيسي في كلمة “الإعلام” كل المنتج الفني والذهني وليس فقط الإعلامي.

الدليل الثاني جاء من الندوة التي عقدتها إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، تحت عنوان “دور الوعي المجتمعي في تحقيق الأمن القومي وأمن وسلامة القوات المسلحة”، ونشر المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة تقريراً خبرياً عنها في 22 نيسان/ أبريل الماضي، ذكر فيه أن وزير الدفاع حضرها، وأن مدير المخابرات الحربية ذكر أن “فعاليات الندوة تأتي في ظل تسارع المتغيرات الاجتماعية داخل المجتمع والتحديات التي تؤثر في استقراره وتماسكه”، مشيراً إلى “الجهود المبذولة والتعاون المستمر بين القوات المسلحة وجميع الأجهزة المعنية لزيادة الوعي المجتمعي، لما له من أهمية في تحقيق الأمن القومي المصري”. كما ذكر التقرير أن أبرز التحديات التي ناقشتها الندوة، بحسب التقرير المصور: “استحواذ الإعلام الخاص، خلال الأعوام بين 2010 و2014 على المجال الإعلامي وتناوله للقضايا الجدلية والمسكوت عنها واختراق المحرمات السائدة في إعلام الدولة، كما اتسم الإعلام الفضائي الخاص بالكثير من السلبيات، منها اختراق المعايير المهنية، وممارسة السب والقذف والتشهير، وترويج النماذج السلبية في الفكر والسلوك، وتكريس التعصب ودراما الإسفاف والابتذال”.

وهناك، بالطبع، عشرات الدلائل الثانوية التي تؤكد أن مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة المصرية تعتبر أن نموذجها المثالي للإعلام وللفن هو ذلك النموذج الذي كان سائدا ومهيمنا خلال فترة حكم عبد الناصر، وأن المساحة الضيقة للغاية التي أتاحها مبارك كانت سببا في سقوط نظامه، وأنه بالتالي ليس مسموحا بإعادة تجربة السنوات العشر (2003- 2013).

العنوان بالتالي ليس سخرية، ولا تلاعبا لفظيا يرتكز على مثل شعبي رائج عن التجربة القاسية التي توجب الحظر المفرط.

في جملتي السيسي نتبين منظوره لدور الإعلام باعتباره مجرد بوق، أو صدى. فعبد الناصر يتكلم والإعلام معه، فالمعية هنا ليس بمعنى المرافقة والتكلم، المعية هنا بمعنى إعادة ترديد ما نطقه الزعيم، والبحث عن بواطن العبقرية فيها. وحين استدرك جاء استدراكه ليضع نفسه مقام الشعب، فالجملة الأولى طرفاها: عبد الناصر والإعلام، والثانية؛ التي تتحدث عن الحاضر طرفاها: الإعلام والشعب، كأن السيسي يريد أن يقول كونوا معي كما كان أسلافكم مع عبد الناصر، فأنا مثله صوت الشعب وكلمته، وعليكم أن تكونوا البوق والصدى.

واضح أن السيسي ينتزع علاقة عبد الناصر بالإعلام، أو علاقة الإعلام به، من سياقها العام، فمجمل سياسات السيسي الاجتماعية والاقتصادية هي بالضد من سياسات عبد الناصر، كذلك الأمر في ما يتعلق بالسياسات العربية والدولية، مع الوضع في الاعتبار التغييرات المذهلة التي جرت في وسائل الإعلام ووسائطه خلال نصف القرن المنصرم.

فإذا تم الإقرار بصحة ذلك تبقى بعض وقائع ما جرى في الإعلام والفن وكأنها تنتح من مخزون إدارة عبد الناصر، الذي كان حريصا دائما على أن توجد سياستان بينهما فروق نوعية بسيطة، يتم استبدال إحداهما بالأخرى بين فترة وأخرى، ولكل سياسية رجل؛ فهناك ثروت عكاشة وهناك عبد القادر حاتم، يقلب الزعيم بينهما المسؤولية المباشرة عن الإعلام والثقافة. من هنا يمكن النظر لبعض الوقائع التي جرت في الأشهر القليلة الماضية، والصراع المكتوم أحيانا والمعلن أحيانا، بين رجال الإعلام والفن الذين ينفذون رؤية الدولة.

الأدوات الإعلامية الرئيسية بالنسبة لعبد الناصر كانت الراديو والصحافة والتلفزيون – هذا ترتيب الأهمية – كانت هي وحدها المتوفرة للمواطن، وكان من السهولة بمكان التحكم في دفقها وتوجيهه، لكن هذه الأدوات لم تعد لها مثل تلك الأهمية إذا ما قورنت بوسائل الاتصال والسماوات المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها

بالطبع ليس هناك تمايز كبير بين محمد السعدي وبين تامر مرسى شبيه بذلك الذي كان بين عكاشة وحاتم، ومن الظلم للراحلين أن يضعا موضع المقارنة مع الحاليين، لكن بعض التفاصيل الصغيرة تكشف أن المتحكمين في المشهد من خارجه يرون من الفائدة تقليب الوجوه والتباين الجزئي النسبي بين أداء كل رجل وكل فريق، مع ثبات طبيعة العلاقة: من هو صاحب الكلمة ومن هم الصدى.

مع الأخذ بالاعتبار التغييرات المذهلة التي جرت من وفاة عبد الناصر حتى وصول السيسي للسلطة في ما يتعلق بالإعلام والثقافة، فإن رؤية السيسي التبسيطية للعلاقة بين عبد الناصر والإعلام غير واقعية، فالأدوات الإعلامية الرئيسية بالنسبة لعبد الناصر كانت الراديو والصحافة والتلفزيون – هذا ترتيب الأهمية – كانت هي وحدها المتوفرة للمواطن، وكان من السهولة بمكان التحكم في دفقها وتوجيهه، لكن هذه الأدوات لم تعد لها مثل تلك الأهمية إذا ما قورنت بوسائل الاتصال والسماوات المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها.

هذه البيئة الإعلامية المستجدة والمتعاظمة، في أدواتها وتأثيرها، حتى على أدني الشرائح الاجتماعية، تجعل من الصعوبة بمكان أن تعالج المخابرات الحربية و”جميع الأجهزة المعنية” آثارها وتكبح تناولها “للقضايا الجدلية والمسكوت عنها والمحرمة في إعلام الدولة”

هذه البيئة الإعلامية المستجدة والمتعاظمة، في أدواتها وتأثيرها، حتى على أدني الشرائح الاجتماعية، تجعل من الصعوبة بمكان أن تعالج المخابرات الحربية و”جميع الأجهزة المعنية” آثارها وتكبح تناولها “للقضايا الجدلية والمسكوت عنها والمحرمة في إعلام الدولة”، ليس فقط لأن زيادة الوعي المجتمعي بالمخاطر على الأمن القومي لا يمكن أن تتم بالمنع والسكوت والتحريم، بل لأن ذلك غير ممكن واقعيا، وسوف تتعاظم عدم الإمكانية هذه باتساع دائرة الباحثين عن إعلام وفن غير مراقب.

يمكن أيضا النظر إلى حالة النفخ في الزبادي والخوف من الحبل هذه باعتبارها بالفعل عرضا مرضيا واقعيا وليس تأثير رؤية وتصورات عقلانية، فبعض المسؤولين وهم يتحدثون عن خطورة الإعلام وعدم السيطرة المطلقة عليه تظهر عليهم أعراض نوبة الهَلَع (panic attack)، وهي فترة وجيزة من الضيق الشديد، والقلق، أو الخوف الذي يبدأ فجأة وترافقه أعراض جسدية و/أو عاطفية.

لذلك فقد يكون مفيدا أن يجربوا العلاج النفسي، وليكن العلاج بالتعرُّض (المواجهة)، وهو نوع من العلاج النفسي، غالبا ما يساعد على تقليل الخوف من خلال تعريض المريض تدريجيا وبشكل متكرر – في خيالهم أو في بعض الأحيان في واقع الأمر – إلى كل ما يثير نوبَة الهَلَع. ويكرر العلاج بالتعريض حتى يتكيف المريض مع الموقف المثير للقلق، ويكف بذلك تدريجيا عن النفخ في الزبادي أو الخوف من الحبل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل