أفريقيا وعباءة إسرائيل وأطلال العرب

فيما تمضي إسرائيل بخطوات دبلوماسية حثيثة ضاربة دفوف الانتصارات ونافخة في أبواق الفرح بحصولها على صفة مراقب قي الاتحاد الأفريقي، تبكي الشعوب العربية على طلل أسموه جامعة الدول العربية، التي أصبحت من الأطلال الدوارس وآثار القوة المعنوية المتوارية في غيابة جُبّ الهوان. وحال الأمة العربية اليوم وهي تستنكر ما يحدث كحال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى الذي استفهم استفهاما انكاريا وهو يعرف الجواب، لكنَّهُ كان يعبِّرُ عن حالةٍ إنسانيةٍ عميقةٍ تتجلَّى في دهشته وحسرته على ما يرى من دمار الطلل في قول:



لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحُجْرِ ** أقويْنَ مِنْ حُجَجٍ ومِنْ دَهْرِ



فأمتنا اليوم بسبب الهزائم المتكررة في كل الصُّعد يؤزها مرض النوستالجيا أزاً، فالحنين إلى ماضٍ زاهٍ أضحى في أحسن الأحوال نوع من تذوق لذة الوهم. والنوستالوجيا حالة مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب يتمكن الألم فيها من المريض إثر حنين مستسنٍ للعودة لماض تليد وخوف من عدم حصول ذلك.



بعد نحو عقدين من العمل الدبلوماسي تمكنت إسرائيل الأسبوع الماضي من الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد: “هذا يوم احتفال بالعلاقات الإسرائيلية الأفريقية”، وأضاف الوزير المنتشي فرحا: “هذا يصحح الوضع الشاذ الذي كان قائما منذ نحو عقدين، ويشكل جزءا مهما لتعزيز نسيج العلاقات الخارجية لإسرائيل”. ولفهم الاحتفاء الإسرائيلي نشير إلى أن فلسطين تتمتع بصفة عضو مراقب في الاتحاد، حيث ظلت بياناته فيما يتعلق بالنزاع العربي الإسرائيلي مصدر إزعاج لدولة إسرائيل الغاصبة لفلسطين.



لا شك أن هناك مسؤولية عربية مباشرة وكبيرة في كلّ ما يحدث من تداعيات خطيرة حبلى بالمؤشرات بينما تقف الحكومات وقفة الصامت المتفرّج. إن ما يقلق إسرائيل أن الشعوب العربية تعيش على مساحة واسعة، وتستمتع بروابط تاريخية، وتقليدية موحدة، وبالرغم من أنهم ينتشرون في اثنين وعشرين بلدا مختلفاً، لكنهم يعتبرون أنفسهم جزءًا من أمةٍ واحدةٍ. في ذات الوقت يشكّل العالم العربي إحدى المرايا العاكسة لعلاقات القوى والمتغيرات الهيكلية في النظام العالمي ككل، بالإضافة إلى أنه يمثل واحدا من المتغيرات فيه والتي لعبت أدوارا في تغييره ودفعه نحو آفاق جديدة.



ومع حدوث الخطوة الصادمة الأخيرة والتي تعتبر بحجم ما وصف تخفيفا بالنكسة في العام 1967، فهل نلوم الحُكومات الأفريقيّة التي صوّتت لصالح هذا القرار، وفتحت أبواب عواصمها أمام الدّبلوماسيين الإسرائيليين وسفاراتهم أم أن اللّوم كلّ اللّوم يجب أن يقع على العرب؟. لعل اللوم يقع على الأمة كلها، عربا ومُسلمين، ففي أفريقيا وحدها 28 دولة عضوا في منظمة التعاون الإسلامي أي نحو 50% من العضوية، أما الدول العربية فإن معظم شعوبها في أفريقيا وأكبر المساحات العربية في أفريقيا. فما بال 28 دولة تفشل في وقف قرار الاتحاد الأفريقي بمنح إسرائيل صفة مراقب؟!. ومن حيث المساحة فإن أفريقيا تحتل المكانة الثانية بين قارات العالم، إذ تزيد مساحتها على الثلاثين مليونا من الكيلومترات المربعة؛ وهي بعبارة أخرى تمثل نحو 22%.



يذكر أنه سبق لإسرائيل أن حصلت على صفة مراقب في منظمة الوحدة الأفريقية، لكن بعد حل منظمة الوحدة عام 2002 واستبدالها بالاتحاد الأفريقي بجهود ليبية جرى إحباط محاولاتها لاستعادة هذه الصفة. لقد سعى زعيم ليبيا الراحل معمر القذافي إلى إنشاء الاتحاد الأفريقي في محاولة لتطوير أهداف منظمة الوحدة الأفريقية، وبذل الرجل من الجهد والمال الليبي العربي الكثير لأجل ذلك، واستضافت ليبيا قمتين أفريقيتين لهذا الغرض في عامي 2000 و2001 واتُّفِق في النهاية على قيام اتحاد أفريقي على غرار الاتحاد الأوروبي له من الأجهزة والمؤسسات ما يمكنه من تنفيذ الأهداف الموكلة إليه. ومن جانب آخر ومنذ إنشاء المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا في 1975، ظل يقوم بثلاثة أدوارٍ مهمة منها؛ المشاركة في تمويل التنمية في أفريقيا، وتشجيع مشاركة الدول العربية في التنمية الأفريقية، وتقديم المساعدات الفنية اللازمة للتنمية وبلغ مجمل ما قام به المصرف حتى العام الماضي نحو مليارين وخمسمائة وستين مليون دولار لتمويل 222 مشروعا إنمائيا. وهذا ما لم تقدمه إسرائيل ولن تقدمه مستقبلا.



المدهش محاولات إسرائيل الهادفة إلى الولوج إلى القارة تأتي رغم نظرتها العنصرية العقدية تجاه الأفارقة، المنطلقة من الأساطير الإسرائيلية التي تزعُم أن سواد البشرة إنما أصله لعنة نوح لابنه حام؛ ومن ثم حفدته، وهو الزعم الذي تقوم عليه، أسس التفرقة العنصرية والتمييز اللوني. هذه هي مفاسد نظريات الشعب المختار والعرق، والعنصر السيد التي تسود في أوروبا وإسرائيل، والتي كانت تسود كذلك في جنوب أفريقيا قبل تحررها من نظام الفصل العنصري. لذلك استنكرت دولة جنوب أفريقيا بشدة القرار الذي اعتبرته أحادي الجانب من قِبَل مفوضية الاتحاد الأفريقي بمنح إسرائيل صفة مراقب. وقالت وزارة خارجية جنوب أفريقيا إن مفوضية الاتحاد اتخذت هذا القرار من جانب واحد من دون مشاورات مع أعضائها. مضيفة أن إسرائيل تواصل احتلال فلسطين بشكل غير قانوني، في تحدٍّ كامل لالتزاماتها الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. فمن غير المفهوم – وفقا لخارجية جنوب أفريقيا – أن تختار مفوضية الاتحاد الأفريقي مكافأة إسرائيل في وقت يكون قمعها للفلسطينيين فيه أكثر وحشية بشكل واضح. ومن المفارقات أن الجامعة العربية لاذت ببيداء الصمت ولم تحرك ساكنا ولو ببيان إعراب عن القلق!.



في ظل هذا الصمت المريب جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السابق في 2016 عددا كبيرا من قادة الدول الأفريقية للقائهم دفعة واحدة كما يفعل زعماء الدول العظمى وطالبهم بمنح إسرائيل صفة دولة مراقب في الاتحاد الأفريقي مثلها مثل دول كبرى كالهند، والصين، وتركيا، البرازيل، واليابان، والاتحاد الأوروبي تتمتع بصفة مراقب.

 

(الشرق القطرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل