يظل يجيء الذي قد مضى.. 5 يونيو 1967م

يقولون إن المصائب تولد كبيرة ثم ما تلبث أن يمر عليها الزمن، فتأخذ في التضاؤل شيئا فشيئا إلى أن تصبح ذكرى وإن كانت أليمة، سواء كان ذلك بفعل النسيان وتراكم الأيام فوق الأيام والسنين فوق السنين، أو بفعل آخر يعرفه أهل العقل والحزم والرشد وهو التوقف والنظر والمراجعة والمحاسبة والتغيير وتصحيح المسارات ومعرفة الطريق الذي كان أجدى وأجدر، ثم اتخاذه سبيلا فتتحول المصيبة إلى درس كبير وتجربة كبرى من تجارب التاريخ التي تكسب الأمم قوة ومنعة ومناعة حضارية، فتتوقف النتائج السيئة للمصيبة أولا ثم يتبدل كل شيء ثانيا، فتنطلق قذائف الكرامة والعزة والنهوض من قواعد الشعوب ومنصات الطلائع والسٌراة. تلك هي قوانين التاريخ وسنن الأيام التي عرفتها الدنيا وتتابعت على الناس وتتابع الناس عليها.

لكن هزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967م تكاد تكون المصيبة الوحيدة فيما علمنا من التاريخ الإنساني؛ التي ولدت كبيرة وظلت تكبر كل يوم حتى لكأنها أصبحت بضعة من حياتنا، تنتقل آثارها من سلف إلى خلف ومن ماض مضى الى حاضر يحضر ومستقبل يأتي أو لا يأتي! ليس هذا فقط، بل وتكاد تندمج في كل شيء فينا وحولنا ومعنا لتصبح كأنها حالة عضوية تتوالد ولا تموت. والتدليل على ذلك لا يتسع له المقام، وعلماء الاجتماع والسياسة عملوا كثيرا على هذا الموضوع لدرجة أن بعضهم سماها “هزيمة كل يوم”.

أحداث الأقصى والشيخ جراح وعملية سيف القدس الأخيرة؛ أحد آثار ونتائج تلك الهزيمة، سواء كان ذلك احتلال القدس والضفة وغزة بالشكل المباشر للأثر والنتيجة للهزيمة، أو بأي مسار آخر يتصل بها. كل المسارات ستتقاطع وتتلاقى وتنبع من وتصب في 1967م

أحداث الأقصى والشيخ جراح وعملية سيف القدس الأخيرة؛ أحد آثار ونتائج تلك الهزيمة، سواء كان ذلك احتلال القدس والضفة وغزة بالشكل المباشر للأثر والنتيجة للهزيمة، أو بأي مسار آخر يتصل بها. كل المسارات ستتقاطع وتتلاقى وتنبع من وتصب في 1967م، ولا أبالغ إذا قلت ضع الخريطة العربية وانظر إليها مليّا وستجد كل بؤرة نار تأكل نفسها وشعبها وما فيها ومن حولها؛ كانت شرارتها الأولى من 5 حزيران/ يونيو ووقودها الدائم من 5 حزيران/ يوينو.

* * *

ولكن كيف كان كل ذلك؟ أقصد كيف تكونت أسباب تلك الهزيمة وكيف حدثت، وكيف هي لا زالت تعمل فينا بكل هذه الأثر؟

دعونا نسمع ماذا قال المستشار طارق البشرى رحمه الله في كتابه “الديمقراطية ونظام 23 يوليو: 1952-1970” الذي أصدرته دار الهلال سنة 1991م: “أما الأزمة الكبرى للنظام فقد نشأت من البداية بإنشاء العديد من الأجهزة الأمنية لإحكام السيطرة على “حركة المجتمع” ومراقبتها، فتحولت هذه الأجهزة إلى مراكز قوى كبيرة داخل مؤسسة النظام، وتحكمت في الإدارة العامة للبلاد بشكل فاضح وفج، بل وتحاربت فيما بينها في محاولة كل منها فرض هيمنته على الأجهزة الأخرى أو مشاركتها مساحة عملها. هذا الشكل من الحكم ولكى يحقق فاعليته اعتمد بوعي شديد القسوة على ظاهرتي “الأمن” و”الإعلام” و”القضاء الاستثنائي” ليهيمن النظام/ الدولة هيمنة تامة على سائر الأنشطة في المجتمع باحثا عن “حماية نفسه”، ولم يتم ذلك عبر طرح ما هو شرعي وحقيقي متمثلا في “الحريات الخاصة” و”حقوق الشعب” فرادى ومجموعات، وليس عبر “التنظيمات السياسية” و”الأحزاب” التي ستكشف حركة الاجتماع البشري عنها وتقيس طبقاتها ومصادر قوتها وأسباب اتساعها وانحسارها”.

يتساءل الباحثون والمؤرخون: أين ذهبت إذن ملايين الجنيهات التي أنفقت لبناء هذه الأجهزة؟ إلا إذا كانت تقوم بعمل آخر غير متابعة العدو وتوفير معلومات دقيقة عن استعداداته

المدهش والمثير ويتصل بالأجهزة التي تحدث عنها المستشار طارق، هو أن الرجل الذي أوكل له النظام من بداية الخمسينيات بناء منظومة الأمن بأجهزتها المختلفة وبكل سلطانها وامتدادها (زكريا محيي الدين) والذي كان يلقب بـ”بيريا المصري” (على اسم لافرينتى بيريا رئيس الأمن السوفيتي وجهاز الشرطة السرية في عهد ستالين)، قال في إشارة إلى قصور الأجهزة في القيام بدورها الحقيقى وقت الحرب والهزيمة: “في الوقت الذي كان الإسرائيليون يعرفون فيه اسم كل موظف مصري واسم زوجته أيضا، لم نكن نعلم حتى أين يقطن موشى ديان”.

ويتساءل الباحثون والمؤرخون: أين ذهبت إذن ملايين الجنيهات التي أنفقت لبناء هذه الأجهزة؟ إلا إذا كانت تقوم بعمل آخر غير متابعة العدو وتوفير معلومات دقيقة عن استعداداته.

* * *

الأكثر إدهاشا وإثارة بل وبما قد يصل إلى الريبة والشك، هو أن “الرئيس الخالد” كان يعرف بموعد الحرب على ما ذكر لنا عبد المنعم النجار، سفير مصر في باريس وقت الحرب والهزيمة، بل وكان يعرف أن الجيش قادم منهكا من اليمن (ثلثا الجيش كان يحارب في اليمن)، بل وكان يعرف أيضا عمق الشرخ الذي تكون داخل الجيش مما حدث في سوريا وقت الوحدة ثم الانفصال. باختصار شديد، كان “الرئيس الخالد” يعرف أن الجيش غير مستعد وغير قادر على مواجهة إسرائيل، ومع ذلك طرد القوات الدولية وأغلق المضايق، وهي القرارات التي كان يعرف طلبة الكلية الحربية أنها تعني مباشرة إعلان الحرب على إسرائيل. وقد كانت الطريقة التي جرى بها حشد بها 100 ألف جندي في سيناء 14 أيار/ مايو مأساوية، ولا تقل عن مأساوية الانسحاب المروعة يومي ٦ و٧ حزيران/ يونيو.

ستظل نكبة 5 حزيران/ يونيو هزيمتنا اليومية المتصاعدة كل يوم، ولا زلنا مهزومين بها إلى الآن، وما نشهده اليوم في العالم العربي كله (سوريا واليمن وليبيا وفلسطين) إنما هو آثار متتابعة من آثارها

الحشد نفسه بأضعاف أضعاف ما حدث في سيناء ذهابا وإيابا حدث في الشوارع والطرقات في بر مصر، حينما خرج المصريون ليطالبوا الزعيم بالتراجع عن قرار التنحي على هذا النحو الفريد في تاريخ “الهزائم الكبرى” للأوطان، والذي عاد بالفعل إلى الرئاسة التي لم يغادرها ولم يسلك الطرق الدستورية ليغادرها، إذا كان في نيته حقا الاستقالة والمغادرة.. فلم يكن الموضوع في حقيقته إلا مشهدا من عدة مشاهد ستسفر في نهاية الأمر عن ترتيب جديد لدولاب السلطة.

* * *

ستظل نكبة 5 حزيران/ يونيو هزيمتنا اليومية المتصاعدة كل يوم، ولا زلنا مهزومين بها إلى الآن، وما نشهده اليوم في العالم العربي كله (سوريا واليمن وليبيا وفلسطين) إنما هو آثار متتابعة من آثارها.. وما الحديث عنها في ذكراها إلا وقوفا على خيبات اليوم وعلاقتها بتلك الصاعقة التي هوت على رؤوس الجميع، ولا زال حريقها مشتعلا حتى اليوم.

وليظل يجيء الذي قد مضى.. كما قال أبو الطيب المتنبي في شطر أحد أشعاره، والذي عاش زمن انهيارات كبرى للأمة كتلك التي نعيشها.

twitter.com/helhamamy

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل