“سيف القدس” أسقط نتنياهو

فشل رئيس وزراء الكيان الصهيوني “بنيامين نتنياهو” في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، عقب انهيار حكومته بعد ثمانية أشهر فقط، ما اضطره إلى إجراء انتخابات رابعة خلال ما يقرب من عامين. وعلى الرغم من فوز حزبه “الليكود” بأكبر عدد من المقاعد، إلا أنه لم يستطع تأمين أغلبية من الأحزاب اليمينية الأخرى التي ترفض استمراره كرئيس للوزراء، وهذه سابقة فريدة لم تحدث من قبل، وهي إن دلت على شيء، فهي تدل على مدى الانشقاقات والتصدعات داخل بنيان الكيان ذاته، وتحويل المعارك السياسية إلى معارك شخصية..

كان “نتنياهو” يحلم أن يضع اسمه عالياً في سجل زعماء الصهاينة التاريخيين، وربما فوق كل الأسماء الصهيونية التي ساهمت في تحقيق وإنجاح المشروع الصهيوني من أساسه، أي فوق “بن جوريون” مؤسس الكيان الصهيوني نفسه، وخاصة أنه هو من سن قانوني يهودية الدولة وقومية الدولة. فاستراتيجيته في الأساس تقوم على رؤية صهيونية بحتة، كأغلب القادة الصهاينة. فهو يطمع في التوسع في كل أرضي فلسطين التاريخية وفي الجوار العربي أيضا، وكان ينوي تقديم مشروع ضم الضفة وغور الأردن إلى الكينست في تموز/ يوليو القادم قبل سقوط حكومته الأخيرة. وقد تساءلت في مقال سابق في هذا الصدد: هل سيستطيع نتنياهو تحقيق هذا الضم وهو ما لم يستطع “بن جورين” تحقيقه؟!

لكن لحسن الحظ لم يمهله خصومه السياسيين من تحقيق هذا الحلم وتمكنوا من إزاحته عن رئاسة الحكومة، رغم نضاله من أجل البقاء السياسي أثناء محاكمته بتهم الفساد..

رحل “نتنياهو” غير مأسوف عليه من الشارعين العربي والصهيوني، لكن أيتامه من صهاينة العرب يذرفون الدمع عليه، كما ذرفوه من قبل على ترامب!!

لقد خسر “نتنياهو” الكثير من شعبيته، في سنواته الأخيرة، فقد خرج الآلاف من الصهاينة في مظاهرات ضده، رغم كل ما حققه من إنجازات أو لنقل مكاسب للكيان الصهيوني؛ من سن القوانين التي تؤكد القومية اليهودية للكيان، وشرعنة المستوطنات، واعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة موحدة لدولة الاحتلال ونقل سفارتها إليها، واعترافها بضم هضبة الجولان السورية في عهده، وتوقيعه على اتفاقيات التطبيع مع بعض الدول العربية وما جلبته من أموال طائلة ملأت الخزانة الإسرائيلية، وسددت العجز في الميزانية جراء وباء “كورونا”.

ورغم أنه الشعب الوحيد في العالم الذي تم تطعيمه بالكامل، ولكن هذا كله لم يشفع له لدى الشارع الصهيوني، وانخفضت شعبيته بشكل كبير، لاتهامه بالفساد وتحويله للقضاء، وهو أول رئيس حكومة يواجه محاكمة جنائية أثناء فترة حكمه..

ولكن هل الفساد فقط هو الذي أسقط “نتنياهو”، أم أن هناك أسباباً أخرى؟

 

في رأيي المتواضع، أن فشله في حسم معركة غزة عجل بنهايته، رغم أنه شن الحرب أصلاً لتحقيق فوز سريع يستعيد به شعبيته المفقودة، ولإعاقة تشكيل الحكومة برئاسة غريمه “يائير لابيد”، رئيس حزب “هناك مستقبل”، الذي كلفه رئيس دولة الاحتلال بتشكيل الحكومة بعد فشل نتنياهو في تشكيلها، أيضا للتغطية على محاكمته وربما إلغائها بعد انتصاره واللجوء إليه مرة أخرى لتشكيل الحكومة.

فقد ظن أنها معركة خاطفة، ككل معاركه السابقة في قطاع غزة، ولكن أحيانا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد فوجئ بالقدرة القتالية الجبارة لدى المقاومة، وتنوع أسلحتها، وتطور صواريخها التي وصلت إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، دون أن تردعها أو تصدها قبته الحديدية التي كان يتباهي بها، ودخل في حرب استنزاف لأحد عشر يوماً دون أن يحقق أي هدف من بنك أهدافه، ودون أن يصل إلى أي من قادة المقاومة، مما اضطره إلى إعلان وقف إطلاق النار دون شروط، تحت وطأة الضربات الموجعة التي وجهتها المقاومة، والتي دفعت المستوطنين الصهاينة ليفروا خوفاً ورعباً ويلجأوا إلى المخابئ، مما زاد من سخطهم على نتنياهو.

وكانت هذه هي الضربة القاسمة له، والفرصة الذهبية لخصومه السياسيين، والتي انتهزوها وأسرعوا بتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة اليميني المتطرف “نفتالي بينيت”، مؤسس ورئيس حزب “يمينا”، ويعتبر زعيم المستوطنين في الكيان الصهيوني، إذ إنه يدعم بناء المستوطنات ويرفض تماماً تجميدها، ومواقفه متشددة تجاه المقاومة في غزة ويدعو دائماً إلى مواجهتها عسكرياً لا سياسياً..

وهو أول رئيس حكومة يأتي من صفوف الصهيونية الدينية، لذا فأجندته السياسية واضحة المعالم اليمينية، وهو تلميذ “نتنياهو” النجيب، قبل أن ينقلب عليه ويصبح خصماً لدوداً له. فقد أيده في قانون يهودية الدولة، وهو يؤيد الحقوق المدنية والسياسية الكاملة لجميع مواطني إسرائيل، ولكن نظراً لعنصريته البغيطة، يرفض بطبيعة الحال منحها لفلسطيني 48، وهو من الداعمين بحق إسرائيل الكبرى التي تشمل الأراضي من النهر إلى البحر، ولذلك فهو من أشرس المعارضين لقيام دولة فلسطينية..

في عام 2013، وقف “بينيت” مزهواً بنفسه فخوراً بعمله الإجرامي، معلناً أنه “قتل الكثير من العرب”.. إنه باختصار أكثر عنصرية وأشد قومية من أستاذه “نتنياهو”، بل ويزايد عليه..

ولكن كيف لمثل هذا العنصري الكريه الفاشي الدموي، أن يتحالف مع حزب إسلامي فلسطيني ويضع يده الملوثة بدماء الفلسطينيين في يد زعيمه “منصور عباس”، الذي وصفه بـ”الزعيم الشجاع”، في صورة غير مسبوقة في الكيان الصهيوني، منذ إنشائه عام 1948؟! وهذا ما أثار دهشة الجميع وغضبا عارما لدى أغلب قواعدهما الانتخابية وجماهير الأحزاب اليمينية بصفة عامة، أيضا لدى الفلسطينيين في الداخل والخارج..

لقد أخذ التفاوض بينهما وقتاً طويلاً، حاول كل طرف منهما أن ينتزع من الآخر المزيد من المكاسب ليقدمها لجمهوره، ليبرر له هذا التحالف المشبوه، ولكنهما كانا متفقين منذ البداية على هدف واضح؛ وهو التخلص من “الملك بيبي”، وهو اللقب الذي يعرف به في أوساط السياسيين الصهاينة. ويبدو أن هذا الهدف هو ما جعل “نفتالي” يتجرع السم ويتقرب من القائمة العربية الموحدة لضمها للائتلاف لتشكيل الحكومة، فهي طوق النجاة الوحيد أمامهم، قبل انتهاء المدة المحددة التي منحها رئيس الكيان للابيد لتشكيل الحكومة، وهذا ما جعل النائب الفلسطيني “وليد طه”، يقول: “منذ عقود وفلسطينيو 48 بلا نفوذ، أما الآن فقد بات الجميع يعلم بأننا نحسم الأصوات حين يتعلق الأمر بالسياسة”..

نعم لقد أصبحت الأحزاب العربية رمانة الميزان في حسم المعارك الانتخابية، وربما يكون هذا هو المكسب الوحيد الذي حققته، إلا أنني كنت أفضّل عدم مشاركتها في هذا الائتلاف اليميني المتطرف، الذي يُكنّ للفلسطينيين العداوة والبغضاء، ولا يعترف بالشعب الفلسطيني، بل يريد محوه من الوجود..

لقد لعبت الأحزاب اليمينية الصغيرة بتآلفها معاً ومع القائمة العربية الدور الأكبر في الإطاحة بنتنياهو بعد 12 عاماً متواصلة قضاها في سدة الحكم، وهي أطول فترة قضاها رئيس حكومة صهيونية على مدار تاريخ الكيان..
وكان لا بد من التغيير، وهو شعار الحكومة الجديدة، ولكن ما هو التغيير المنتظر من حكومة يمينية عنصرية فاشية يرأسها صهيوني متدين، تتزين بعضو عربي تتباهي به أمام العالم لترويج ديمقراطيتها الزائفة؟!

هل سيستطيع “منصور عباس” أن يمنع أي عدوان جديد على غزة؟ وهل سيمنع قوات الاحتلال من الاستمرار في اقتحام المسجد الأقصى والتعدى على المصلين؟ وهل سيمنع تهجير أهالي حي “الشيخ جراح” من أرضهم؟ وهل سيستطيع أن يلغي القانون الذي صدر في عام 2017، والذي بمقتضاه ستهدم عشرات الآلاف من المنازل الفلسطينية؟ وهل يضمن أن يفي “نفتالي بينيت” بوعوده له بتخصيص 16 مليار دولار على شكل ميزانيات إضافية للتطوير والبني التحتية، وكذلك ضمان أن ثلاثا من القرى البدوية التي طالما رفضت دولة الاحتلال الاعتراف بها سوف يتم منحها وضعاً قانونياً؟ هل سيستطيع “منصور عباس” تحقيق وعوده لناخبيه على أرض الواقع، وهل.. وهل..

تساؤلات كثيرة ومشروعة من وراء هذا التحالف الكريه.. فالطريق أمام منصور عباس صعب وشائك ولكنه اختار السير فيه، وعليه أن يثبت أنه اختاره لمصلحة الفلسطينيين، وليس لمصلحته الذاتية البحته، وإلا كان في هذه الحكومة لا يمثل إلا نفسه، لذلك فهو في أمسّ الحاجة لتأكيد دوره في إحداث تغيير داخل الحكومة وإلا كان وجوده فيها بلا جدوى، أو بالأحرى خسارة أكثر منها مكسباً. فربما أصدرت الحكومة قانوناً ما أو اتخذت إجراء ما ضد الفلسطينين، فسيؤخذ عليه أنه كان عضواً في تلك الحكومة، حتى لو كان قد اعترض عليه في المجلس، إلا أنه سيحاسب عليه وسيسجل في تاريخه!

ولننتظر ونرى ماذا ستفعل تلك الحكومة، إذا ما نالت الثقة من الكينست الأحد القادم؟ ولو نالتها وهو الأرجح، فإنني أرى أن عمرها لن يطول كثيراً، فالمتنافرات لا يمكن أن تجتمع في جسد واحد، ومنها سينفذ نتنياهو وسيتثير غضب وحنق الشارع الصهيوني والتحريض ضد العضو العربي “منصور عباس”، والذي يحسبونه على حماس وينعتونه بالداعم للإرهاب. وقد بدأ نتنياهو بالفعل بتأليب أنصاره والحاخامات على هذه الحكومة، لقلب الطاولة عليهم جميعا، وإحراق الأرض قبل أن يتركها لخصومه..

في الحقيقة لن يستسلم نتنياهو، فالمسألة بالنسبة له حياة أو موت، لهذا سيحاول بكل ما أوتي من قوة، وهو على الأغلب سيكون زعيم الأغلبية في الكينست، من كسر هذا الائتلاف وسقوط الحكومة في الكينست، أملاً في العودة مرة أخرى لزعامة الحياة السياسية، ولكنه لن يعود حتى لو انهار التحالف وسقطت الحكومة، فمرحلة “الملك بيبي” قد طويت في التاريخ الصهيوني، وإن لم تكن قد فتحت صفحة جديدة بعد..

twitter.com/amiraaboelfetou

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل