في مديح الانتخابات الفلسطينية وذم تأجيلها

لو دققنا بأمانة في التصريحات الرسمية فلسطينية المتعددة، منذ لحظة إعلان رئيس السلطة مرسوم الانتخابات في 15 كانون الثاني/ يناير الماضي، والقاضي بانطلاقها في أيار/ مايو الحالي، إلى مرسوم تأجيلها الخميس الماضي، بذريعة عدم حصول موافقة إسرائيلية على تنفيذها بالقدس الشرقية، لن نجد في جاذبية بعضها المؤيد للمرسوم الانتخابي والمصفق لتأجيلها في آن واحد؛ إلا منطقاً غريباً هو في النهاية توليفة عجيبة من الرغبات والأوهام مخلوطة بطريقة فاشلة مع بعض الحقائق، ومنهج فج في استنطاق التاريخ.

فبعد صدمة تأجيل الانتخابات، وإدراك كم هو بائس ومفجع تعاطي الرسمي الفلسطيني مع قضية قيل عنها بألسنة رسمية أنها “استحقاق وطني ودستوري، وحق مقدس”، تبدل منطق هذه الألسنة بالإشادة بمرسوم تأجيلها، إلى التشكيك بحدوثها أصلاً على اعتبار” أن حركة التحرر لا تجري انتخابات تحت الاحتلال”، حسب منطق عزام الأحمد.

لكن بنفس المنطق الذي يذم الانتخابات، تستطيع “حركة التحرر” خلط أنصاف الحقائق، وأن تعمد لصياغة منطق تجريبي وتخريبي وتجزئة الحقائق، ثم سرقة فقرات مشرقة منها لتبرير الأوهام خدمة لسلوك فاشل اكتسب صفته من ظلمة المرحلة السابقة.

وإذا انتقلنا لنقطة أخرى في متابعة رحلة الشك في الانتخابات لنصل لفهم مشترك لتحقيق الغاية والهدف، فإنه لا يمكن إجراؤها تحت إدارة سلطة فاشلة وخاضعة كلياً لإملاءات الاحتلال وتنسيقه الأمني، ولا يمكن لقيادة سلطة مهزومةٍ وتعبةٍ وفاقدة لأي كفاءة حتى “المساومة” على الأوراق التي بين يديها. فالتذرع بالقدس دون الالتفات للشارع المقدسي وإنجازاته على صعيد مواجهة عدوان المحتل في الشيخ جراح وباب العمود، وتبديد هذه الإنجازات كما غيرها بأثمان بخسة طيلة أكثر من عقدين؛ أوصل الحالة الفلسطينية وحركة التحرر لوضع منقسم.

من هذا الشرخ تبرز هواجس وتساؤلات لا حصر لها، يرددها الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم: ماذا يخفي المستقبل القريب؟ وهل اقتربنا من تحقيق أبسط الأهداف في ترتيب الوضع الفلسطيني؟ وهل ستبقى الانتخابات والانقسام وتعثر المنظمة والفصائل وتخاذل السلطة أقدار تثير المرارة في الواقع الفلسطيني؟

قبل الخوض في بعض الإجابات، يجب أن نذكر أن أي وصفة وملاحظة سُجلت في إطار الاعلان عن انطلاق الانتخابات، كبوابة لاستعادة بعض العافية للجسد الفلسطيني بوصفها إنجازا تاريخيا أو التحفظ عليها باعتبارها منجزة تحت “حراب الاحتلال”؛ تبقى ناقصة وغير مفهومة إذا لم تكن مرتبطة بتصحيح مسار طويل. والبداية تكون كما يحب مطلقي الوصفات باستعادة زخم وألق الشارع الفلسطيني، لا على قاعدة التحزب السلطوي والفصائلي، التي سرعان ما ينقلب المتحاورون فيها على الأسس والمراجع الوطنية التي أصبحت شعاراتها مملة وممجوجة في شحن همم الفلسطينيين في كل دورة صراع على الأجندة بـ”مهارة وحنكة” مفضوحتين، مع حجم إغراء كبير تنضح به كلمات الابتذال عن تصحيح الوضع الفلسطيني انتخاب ومقاومة، بدون برنامج واضح يتصدى للمشروع الصهيوني الذي يقابل بحالة استرخاء فلسطيني واستسلام عربي.

تحقيق أبسط الأهداف في وحدة الفلسطينيين، رد عليها الشارع في القدس وقبلها في أم الفحم والناصرة وغزة ومدن الضفة، لكن سياسة لننتظر ونرى، التي تنسجم ورؤى حالة الاسترخاء المستمر للسياسة الفلسطينية، لا ترى أهدافا كالقدس واللاجئين والسيادة وحق العودة وإزالة المستوطنات جديرة بتوحد الجهد الفلسطيني كبرنامج انتخابي مفتوح كل الوقت، ولا أن يتحول لبازار مساومة تختفي في ثناياه كل الهزائم السياسية والميدانية الفلسطينية والعربية.

المراهنة غير المحدودة، على واقع السلطة والمنظمة والفصائل والاقتناع أن الانتخابات وحدها تحل قضايا الفلسطينيين الكبرى وتمنحها دفعة قوية، قبل الاعتراف بضرورة كنس عقلية مستأثرة ومنفردة بقضية شعب مركون جانباً تحت وطأة العدوان المستمر، بالإضافة إلى فكرة أخيرة تختفي ما بين السطور، تقول بأن النضال الفلسطيني مستمر وإن أخذ اشكالاً أخرى بحكم دخول المنطقة برمتها مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها من التطبيع والتصهين، إلى حالة التدمير والبطش الممارس من أنظمة وحشية ومستبدة بحق شعوبها وبحق الفلسطينيين.

وفي هذا السياق نجد من الضروري الإشارة لوجهة نظر لا تخلو من إثارة، يطرحها بعض من ذموا تأجيل الانتخابات حتى ممن كان يعارض إتمامها، ونقطة متعلقة بالنضال الفلسطيني، غير أن هذا بتطلب حتماً حسم مسائل جوهرية معلقة حول الاعتراف بفشل إدارة الوضع الفلسطيني، لا استجداء المواقف الغربية للضغط على إسرائيل مقابل إدارة الظهر المسترة للشارع. والتغيير يجب بالضرورة أن يكون كبيراً أولاً ولصالح الشارع الفلسطيني ثانياً، والذي فرض تفسيره على الأرض في القدس، وما ظنه البعض عناصر قوة ذاتية وشعاراتية هو بالضبط نقاط ضعف قاتلة للسلطة والمنظمة وللفصائل ولحركة التحرر الوطني.

لذا نقول بجرأة إن المقولات رغم شحناتها العاطفية والثورية الشعار، تظل طوباوية بصورة بائسة في وضع أكثر بؤساً استمرأت فيه السياسة الفلسطينية التحليق بعيداً؛ مع الأوهام تارةً في مدح الانتخابات وأخرى في ذم تأجيلها ومدحِ مؤجلها.

twitter.com/nizar_sahli

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل