فرنسا وبيادقها الأفارقة

كان لافتا للنظر، ولا غرو في ذلك، أن يكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرئيس الأوروبي الوحيد الذي حضر جنازة الرئيس التشادي إدريس ديبي، 23 نيسان/ أبريل، والذي تختلف الروايات حول ظروف مقتله، حيث ألقى خطابا أشاد فيه بمناقب البطل القتيل واصفا إياه بالحليف المخلص والوفي لفرنسا، ومُبديا دعمه الكامل لهذا البلد الأفريقي والذي تشكل اللغة العربية إحدى لغتيه الرسميتين إلى جانب اللغة الفرنسية.

بمقتل الدكتاتور إدريس ديبي تكون فرنسا قد فقدت أهم خدامها الأوفياء في منطقة الساحل، وعُدمت يدها الطولى في الصحراء الكبرى، فقد خسرت فرنسا حليفاً مطيعا أعانته للوصول إلى الحكم سنة 1990، ووقفت بجانبه ضد مناوئيه في العديد من المرات، وأنقذته من عدة محاولات انقلابية بتدخلاتها الحاسمة سنة 2006 ثم سنة 2008، وأخيرا سنة 2019، ولولاها لما استطاع الرجل البقاء في السلطة لمدة ثلاثة عقود.

وقد فهم هذا ووعاه فرد الجميل جميلين والصاع صاعين، وهكذا لم يتوان ولم يأل جهدا في خدمة الأجندة الفرنسية في المنطقة. فدولة تشاد التي تعد من أفقر الدول في العالم تشتغل كشرطي مرور لصالح فرنسا، إذ لا تكتفي بتقديم الدعم اللوجيستي والسماح بوجود عدة قواعد عسكرية على أراضيها، بل تساهم فعليا في عملية برخان (الكثيب الهلالي) الفرنسية التي ابتدأت سنة 2014، والتي تهدف رسميا للقضاء على المجموعات الإرهابية في الساحل والصحراء الكبرى.

منطقة الساحل فضاء واسع يقسم القارة الأفريقية إلى قسمين، شمالي وجنوبي، بين عرب من جهة وأفارقة سود من جهة أخرى، بين مسلمين في الشمال ومسيحيين في الجنوب. وهو إقليم شاسع يواجه صعوبات جمة أهمها تنامي دور المجموعات المتطرفة، والتهريب والجريمة والمنظمة. يبلغ عدد سكان الأقليم ما يقرب من 100 مليون نسمة، ويشمل على وجه الخصوص دول مجموعة “ج 5” التي تضم كلا من بوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد، ويطل على دول كبرى ذات أهمية قصوى.

التحكم في هذا الفضاء لا يراد منه فقط محاربة المجموعات المتطرفة والتقليل من تهديدها الإرهابي، بل يتيح التدخل السريع في مناطق استراتيجية، ويفتح المنافذ إلى العديد من البلدان العربية والأفريقية المجاورة، ويهدف إلى الحفاظ على المصالح الفرنسية والإبقاء على نفوذها القوي في القارة السمراء، لاستغلال ثرواتها الجمة و المتعددة بأبخس الأثمان. ولذلك فليس من مصلحة فرنسا الاستراتيجية والاقتصادية ترسيخ الديمقراطية في هذه البلدان، فهي تريد لها أن تبقى تابعة، لنفوذها خاضعة ولرغباتها منفذة ولمعوناتها مستجدية، ثم لأوامرها مطيعة ولمصالحها خادمة، وهذا لا يتأتى إلا بوجود قادة فاسدين سلطويين، يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالح بلدانهم، وهذا حال العديد من الدكتاتوريات الأفريقية، مثل الكاميرون وتوغو والكونغو بضفتيه (نهر الكونغو) ودولتيه، وغير ذلك من الأنظمة المدعومة من قبل باريس.

لكن من كل هذا، لدولة تشاد وضع خاص تتميز به عن غيرها، إذ منذ استقلالها كانت ولا زالت إحدى المحطات الرئيسية لنشر القوات الفرنسية في القارة الأفريقية، وعرفت عدة تدخلات سافرة دون غطاء أو قناع. فقد اغتنمت فرنسا عدم الاستقرار والصراع على السلطة والحروب الأهلية لتجد لها مكانا قارا في هذا البلد، حيث خاضت وتخوض القوات الفرنسية داخل المنطقة حروبا طويلة المدى، ولكل حرب أسباب ومسوغات.

ففي سنة 1982 دعمت القوات الفرنسية حسين حبري للإطاحة بالرئيس غوكوني عويدي بعد تحالفه مع القذافي وإعلانه الوحدة مع لييبا، وفي شباط/ فبراير 1986 تدخلت فرنسا مباشرة لوقف زحف القوات المسلحة الليبية، حيث تدخلت بدعم من القوى الغربية وفي عز الصراع الغربي السوفييتي، فقامت بتعزيز انتشارها وقواعدها العسكرية، ثم دعمت إدريس ديبي للإطاحة بالرئيس حسين حبري سنة 1990، عندما رفض هذا الأخير التعاون معها والانصياع الكامل لمخططاتها، ثم كان لها ثأر قديم لم تنسه له.

تعتمد فرنسا عادة في عملياتها الخارجية على كتيبة الفيلق الأجنبي المعروفة بـ”la légion étrangère”، وهو فيلق مكون من مرتزقة أجانب أو مجرمين من شتى الدول، تحميهم فرنسا بمجرد التحاقهم بالفيلق وتعطيهم هويات أخرى علاوة على منحهم الجنسية الفرنسية، بيد أنها دأبت ومنذ انقراض إمبراطوريتها الاستعمارية على الاستعانة بحُكام بيادق أوصلتهم إلى السلطة ليكونوا تحت إمرتها، وليأتمروا بأوامرها، وليطيعوا توجيهاتها.

وجدت فرنسا ضالتها عند الرئيس ديبي الذي وضع الآلاف من جنوده رهن إشارتها، يوفرون على فرنسا العديد من النفوس والأرواح، فهم يشاركون ويأتمرون بأوامر القادة العسكريين الفرنسيين، وهم من يُدفع بهم في العمليات الخطيرة في شمال مالي حتى تقلل فرنسا من خسائرها البشرية، وهم من يقومون بحراسة منطقة “الحدود الثلاثة” وهي المنطقة التي تلتقي فيها أراضي مالي والنيجر وبوركينا فاسو بدون ترسيم حدودي مادي على أرض الواقع، وهم من يقومون بأبشع العمليات الانتقامية من سلب ونهب واغتصاب.

بفقدانها لهذا الرجل القوي، خسرت فرنسا البيدق الأساس لمنظومتها الأمنية والعسكرية في منطقة الساحل، وتتخوف أن يكون مقتله وغيابه سببا في الإخلال بالوضع التكتيكي أو الاستراتيجي في المنطقة، ولهذا سارعت بإعطاء الضوء الأخضر لتولي ابنه الجنرال محمد إدريس ديبي السلطة في سياسة ثابتة لا تتحول ولا تتغير بمرور الزمن، وهي تقديم مصلحتها الذاتية والاستقرار الأمني على أي اعتبار آخر، ما دام الابن سيمشي على خطى الأب وسيسلك منهجه.

دعمت باريس هذا الانقلاب الناعم، بل قد تكون هي من أمرت به، وأحجم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن إدانة ما حصل إلا أصواتا ناشزة هنا وهناك، فأولوية الجميع تتمثل في دفع المخاطر السياسية والعسكرية في منطقة الساحل.

انقضى الاستعمار التقليدي منذ زمن، ظنت الشعوب أنها تحررت فلم تعد تقاوم، لكنها سقطت تحت استعمار حديث ناعم استطاع بلوغ مراميه وتحقيق مآربه على يدي بني الجلدة من العملاء والبيادق، ولعمري تلك هي الخدعة الكبرى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل