عن الحكام المخلصين لأوطانهم والشعوب العميلة للخارج

في فيديو يتداوله جزائريون، يحذّر مسؤولون جزائريون كبار أولهم الرئيس اليمين زروال (1995/1998) وآخرهم عبد المجيد تبون، من أن الجزائر تتعرض لمؤامرة «لأن بعض الأطراف الحاقدة لا تريد لها أن تكون قوية».

الفيديو مشغول بطريقة أقرب إلى الفكاهية. يتداول خلاله الرؤساء الثلاثة ورؤساء حكومات ووزراء على اختلاف مشاربهم ومراحل توزيرهم على التحذير من المؤامرة الخارجية.

 

ليست الجزائر وحدها. حكومات هذا الجزء من العالم تتشابه في استعمال هذا السلاح المعنوي، مع اختلاف في الدرجات وفقا للسياق والظروف. أصبح الأمر موضة.. فمن الصعب أن يمر يوم دون أن تسمع أو تقرأ كلاما في الإعلام المحلي العربي عن «المؤامرة الخارجية» التي تستهدف هذا البلد أو ذاك للنيل منه وتحطيمه.

هدف هذا الخطاب، وسببه، تهرب الحكومات وأنظمة الحكم التي تعجز عن توفير حلول لشعوبها من تحمل نصيبها من المسؤولية. أكثر الحكومات فشلا هي أكثرها لجوءا لهذه المصطلحات والاتهامات.

 

يفشل نظام حكم أولافي محاصرة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية يتسبب فيها لشعبه، ثم يخفق في إقناع مواطنيه بقبول معاناتهم. عندئذ تصدح أسطوانة «المؤامرة الأجنبية» و«الأيادي الخارجية» لتخوين كل من يطالب بحق، سياسي أو اجتماعي، أو يعبّر عن غضب، أفرادا كانوا أم تنظيمات. تشمل الاتهامات العمالة للخارج وانعدام الوعي وقلة الإدراك لما «يحاك ضد البلد» وغير ذلك من عبارات الشيطنة.

من المغرب إلى السعودية، مرورا بما بينهما، تنتشر هذه الثقافة بشكل غير مسبوق. القاموس السياسي العربي حافل بالإساءات وعبارات التخوين واتهامات توظَّف بشكل خطير لإذلال المجتمعات أكثر مما هي ذليلة وشلّها عن أي تفكير غير الذي يريده الحاكم.

هذا الإرهاب اللفظي يمهّد الأرضية لقمع جسدي مثل الاعتقالات، ومعنوي مثل الترهيب وقطع الأرزاق وترويع العائلات.

 

في المقابل، لا تتوقف الأنظمة الحاكمة عن الاستقواء بالغرب وطلب ودّه ونصحه واستشارته، ودعمه المادي والمعنوي. في كل مرة لديها ما يكفي من الأسباب.

من العار اتهام قطاعات واسعة من الشعوب العربية ومجتمعاتها المدنية بأنها عميلة لقوى استعمارية أجنبية. هذا أمر مرفوض علاوة على أنه من أفلام الخيال!

هناك حتما العامل الخارجي، لكنه أكثر احتمالا لأن الأنظمة الحاكمة هي التي تقرّبه بسياساتها الفاشلة والقمعية.

 

هي التي تتقرب من الحكومات الغربية لتضليلها وكسب ودها ودعمها. وبما أن العالم أصبح قرية مفتوحة، من الطبيعي أن تكون هناك ردات أفعال حسب الظرف والموضوع، حتى وإن محتشمة ولا ترقى إلى مستوى الظلم الذي يطال الأفراد والمجموعات.

هناك واقع يتمثل في أن أمريكا هي دركي العالم. شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، اتفقنا مع ذلك أم اختلفنا. سنويا تصدر تقارير مفصلة عن الأقليات والحريات السياسية والدينية والمؤشرات الاقتصادية لدول العالم.

 

 

ورغم أنف الجميع تصدر أحكاما قيمية وتطالب بأشياء وتنصح بأخرى وتلح على ثالثة. أمام أمريكا لا تجرؤ الحكومات العربية على قول شيء، ولا حتى تفكر في الطعن بشجاعة في تلك التقارير وفي الأحكام المرافقة لها، بل تفضّل الدوس على مَن تتهمهم من مواطنيها لأنهم أسهل للقهر وإشفاء الغليل.

عندما يتهم النظام الجزائري الأطباء والمعلمين ورجال الإطفاء، وهم أشرف مَن في المجتمع، بأنهم طرف في مؤامرة أجنبية، فذلك طعن خطير في كرامة هؤلاء الناس وتضحياتهم

عندما يتهم النظام الجزائري الأطباء والمعلمين ورجال الإطفاء، وهم أشرف مَن في المجتمع، بأنهم طرف في مؤامرة أجنبية، فذلك طعن خطير في كرامة هؤلاء الناس وتضحياتهم، وضحك على ذكاء المجتمع.

 

اتهام زبانية «المخزن» لنشطاء الريف في المغرب بأنهم انفصاليون عملاء لأعداء البلاد فيه إهانة لسكان منطقة بأكملها لديهم مطالب يجب أن تُناقش بهدوء وعقل واحترام. وتوجيه اتهامات باللواط والزنا لأي صحافي مغربي يرفض السير مع «القطيع» لعبة قميئة تسيء لأصحابها أكثر مما تسيء لمن تستهدفهم الاتهامات.

 

توجيه تهمة العمالة للخارج للناشطين المصريين، وهم من أفضل الموجود في المنطقة العربية، إهانة لم يتهمهم وطريقة تقرِّب اليد الخارجية إلى مصر ولا تُبعدها.

 

لا يتقبّل عقل بسهولة أن الحكومات الغربية تريد تدمير بلداننا فقط لتستمتع بمشاهد الخراب أو لتنعم بخيراتها. الصواب أن الغرب يريد بلداننا مستقرة ليستعملها أسواقا يشحن إليها خردته وبضائعه وخدماته وثقافته، ولتواصل هي لعب دور الشرطي الإقليمي.

 

دولة فاشلة في المغرب أو تونس أو مصر أو الجزائر تعني ملايين اللاجئين المحليين والأفارقة وتهريب سلاح وحروبا أهلية ومجاعات واضطرابات لا آخر لها.

 

أفضل ما يمنع هذه الكوارث دولة من النوع الموجود حاليا تكون بمثابة وكيل محلي لأوروبا وأمريكا.

والكلام نفسه ينسحب عن مزاعم نهب الخيرات.. الغرب ينهب خيراتنا وثرواتنا اليوم بمباركة الحكومات والأنظمة القائمة. انهيار الدولة يجعل النهب صعبا وخطرا لأن بيئته تصبح معادية ومضطربة ومكلفة.

خطاب الاستهداف الخارجي يجب أن يتوارى لأن كل دول العالم مستهدفة ومعرَّضة لمؤامرة. حتى داخل البيت الواحد: أسبانيا تتجسس على فرنسا، والهند تتجسس على باكستان، ومصر تتجسس على تركيا، وفرنسا تتجسس على مصر، والسنغال تتجسس على المغرب، والمغرب يتجسس على الجزائر، وبريطانيا تتجسس على السويد، والسويد تتجسس على روسيا، وروسيا تتجسس على نيجيريا وأمريكا تتجسس على الكل وإسرائيل تتجسس على الكل.

العالم يعيش حربا لا مثيل لها، أداتها المعلومة الاقتصادية والعلمية والتخطيط للمستقبل، ومسرحها مفتوح لا حدود له. الكل يستهدف والكل مستهدَف. الكل يتجسس على الكل. ومَن لا يفعل جاهل أو عاطل لا مستقبل له في هذا العالم.

هناك بلدان محددة يحق لها القول إنها مستهدفة: الصين يتآمرون عليها لوقف اكتساحها الاقتصادي والاستراتيجي في العالم.

 

روسيا يتآمرون عليها لأنها أصبحت شوكة في خاصرة الغرب الرأسمالي التقليدي. إيران يتآمرون عليها لأنهم يخشون على إسرائيل منها. أما المغرب ومصر والجزائر وأخواتها فمن يتآمر عليها وقد تكفل أهلها بكل شيء ولم يتركوا فيها ولها شيئا يستحق التآمر عليه!

سيكون أفضل لو تعلّم الحكام العرب الذين لديهم مشاكل مع شعوبهم من الدولة الإسبانية في نزاعها مع الكاتلان والباسك.

 

ومن الحكومة البريطانية في نزاعها مع الجمهوريين الأيرلنديين. ومن فرنسا ومشاكلها مع الكورسيكيين. لا توجد حكومة اتهمت خصومها، حتى الذين مارسوا العنف والإرهاب، بالخيانة والعمالة للخارج. لذلك لم تفقد هذه الحكومات احترامها أمام شعوبها وخصومها.

 

عن القدس العربي 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل