هل يدخل غير المسلمين الجنة؟ (2)

قرأت تفاعلاً كبيراً مع مقالتي السابقة ما بين المعجب والمنكر، وقوة التفاعل مع فكرة قد يكون مؤشراً على حيوية تلك الفكرة وأنها ألقيت في تربة خصبة، وقد يكون التفاعل استشعاراً لخطر تتضمنه الفكرة على النمط السائد، لكن التفاعل محمود في النهاية لأنه يحرك الركود ويستفز السؤال.

ومع تأكيدي في تلك المقالة أني لا أقصد تبني أحكام نهائية بل أقصد تحريك أسس التفكير، إلا أن هذا لم يخفف من اندفاع الغاضبين، ذلك أن المرء غالباً لا يقرأ الأفكار بموضوعية بل يقرؤها بما استقر في عقله من مرجعيات مسبقة. وفي هذا الجزء أؤكد على بعض الملاحظات المنهجية، بهدف الدفع باتجاه تشكيل إطار فكري لمناقشة المسألة.

** منطلق رفض الأفكار المخالفة للمألوف كثيراً ما يكون نفسياً وليس موضوعياً، فالإنسان يشعر بالاستقرار النفسي تجاه منظومة الأفكار التي ألفها طوال حياته، وتتجاوز الأفكار دورها الوظيفي الحيوي فتصير جزءاً من الهوية النفسية، وحين تثار أفكار تزعزع حالة استقرار الإنسان النفسي فإنه يميل لا شعورياً إلى رفض هذه الأفكار وإلى استدعاء الشواهد بطريقة انتقائية لتعزيز مبرر رفضه، أي أن الرفض أولاً ثم البحث عن الدليل ثانياً. وهذه مغالطة منطقية، إذ إن الصواب أن يتجرد المرء للدليل أولاً ثم يبني حكمه بعد ذلك.

ولأن هذا الدافع خفي في النفس فإن علينا أن نتيقظ ونفحص دائماً إن كان دافع رفضنا لأي فكرة مدفوعاً بتجردنا للحق والعدل، أم أنه رفض نفسي لأننا نخشى التضحية بالاستقرار والراحة.

** يسأل فريق من الناس: ما مبرر طرح مثل هذه القضايا؟ أليس الأولى الانشغال بقضايا عملية؟! أما فريق آخر فيظن أن طرح هذه القضايا مدفوع بتجميل صورة الإسلام في عيون الآخرين.

هذه القضية ليست ثانويةً، كما أنها ليست مدفوعةً بمحاولة تجميل صورة الإسلام في عيون غير المسلمين، بل إنها تسعى إلى تقديم إجابة مقنعة عن سؤال ملح وهو المعيار الإلهي في التعامل مع مليارات البشر.

أهمية طرح هذا السؤال هو بناء تصور داخلي صحيح في نفس المسلم يراعي الرحمة والعدل والتناسق العقلي، فهي حاجة ذاتية للمسلمين أنفسهم، لأن التصور الداخلي هو الذي ينشئ شخصية الإنسان. وقد قيل إن من يؤمن بإله رحيم تكون شخصيته رحيمة، ومن يؤمن بإله متوحش تكون شخصيته متوحشةً، لذلك فإن من ينسج صورةً للإله بأن معاييره غامضة وأن أفعاله متناقضة فإن شخصيته تصير متناقضةً متنافرةً، بينما من يقارب فهم أفعال الله تعالى بصورة أقرب إلى الفطرة والعدل والرحمة فإن شخصيته تصير أكثر رحمانيةً وعدلاً وتناسقاً.

إقرأ أيضا :   رمضان.. لا تتخطفكم الفضائيات

إننا نريد للمسلم أن تكون لديه إجابات متماسكة فتصير شخصيته أكثر سلاسةً وتناسقاً، قبل أن نقنع الآخرين بما عندنا.

** والذين يحرِّمون السؤال فإنهم يتجاهلون أن إبراهيم عليه السلام وهو من خير البشر عبر الزمان قد خاض تجربة بحث وسؤال، وسجلها القرآن ولم ينكرها عليه، بل إن الله تعالى أمره أن يدخل في تجربة بحثية ليصل إلى طمأنينة الجواب. فهل يظن هؤلاء الذين يحرِّمون السؤال والتفكر أنهم تجاوزوا مرحلة إبراهيم عليه السلام وأن نفوسهم خالية من أي سؤال؟

إن طبيعة الإيمان الحركة وليس السكون، والسؤال مؤشر حياة داخلية.

** من المغالطات المنطقية في مناقشة المسألة هو ضرب أدلة القرآن بعضها ببعض، فإذا قلت إن القرآن يقول كذا، قيل لك: ولكن القرآن يقول كذا.. أيضاً. فمن يستعمل هذه الطريقة في المحاججة فكأنما يقول إن القرآن يناقض بعضه بعضاً.

والقرآن متوافق، وكل معنىً يذكره يأتي في سياقه الدقيق المتين، لذلك فإن المنهج الصواب هو مناقشة الدليل في ذاته، وليس ضربه بدليل آخر.

ومن أوضح الأمثلة التي رصدتها بعد مقالي الأخير هو الخلط الشائع بين مفهومي “الذين كفروا”، و”الناس” في القرآن، فيفترض المجادِلون أن كل الناس يجري عليهم حكم الذين كفروا.

مثلاً يستدلون في إبطال العمل الصالح لغير المسلمين بأن القرآن يقول: “وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً”، لكن الجواب ببساطة أن هذه الآية وغيرها تتحدث عن الكفار. والكفر هو صفة مكتسبةً قوامها العناد والتكذيب والاستكبار، وليس صفةً تابعةً لصاحبها تولد معه بحكم البيئة والثقافة، ولا يوجد دليل واحد في القرآن أن كل غير المسلمين كفار بالضرورة.

من الاستنباط إلى الاستقراء

الاستنباط هو الاستدلال من القاعدة العامة على أحكام جزئية، بينما الاستقراء عكس ذلك، فهو يعني تتبع الجزئيات وقراءة الواقع الخارجي والخلوص منها بحكم عام.

إقرأ أيضا :   وأخيرا.. ولكن هل يستطيع المصريون تحقيق ما يتمنون منذ 10 سنوات أم..؟؟

ومن أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض المسلمين في التعامل مع القرآن أنهم يفهمونه وفق مبدأ الاستنباط وحده، بينما يغفلون أهمية مبدأ الاستقراء الذي يراعي سعة الواقع وتجدده.

مثال ذلك؛ يقول القرآن في صفات اليهود: “وقالت اليهود عزير ابن الله”. المنهج الاستنباطي يفهم من هذه الآية أن اليهود كلهم وفي كل زمان يقولون عزير ابن الله. لكن ماذا لو سألنا يهودياً اليوم ونفى أنه يقول ذلك؟ كيف سنتعامل مع الموقف؟ هل نقول له: كذبت إنك تقول عزير ابن الله رغم أنفك؟

القرآن يرصد في هذه الآية حالة فئة محددة في زمن محدد، لذلك فإن المنهج الاستقرائي هو الذي يعيننا على فهم القرآن، إذ إن القرآن لا يخلق واقعاً جاهزاً بل يعالج واقعاً موجوداً قبل تنزله وينزل عليه الأحكام التي تناسب حالته، لذلك فإن علينا أن نفهم الواقع قبل أن نستدعي الأحكام الجاهزة.

وبذات الطريقة، فإن كل الآيات التي تتحدث عن الذين كفروا والوعيد لهم بالنار والعذاب الشديد فإنها تتحدث عن صفات محددة يتصفون بها، وهي صفات ظاهرة في القرآن، فلا يجوز أخذ تلك الأحكام معلبةً وإسقاطها على مليارات البشر دون فهم واقعهم وتفكيك نفوسهم.

مثلاً يقول القرآن: “والكافرون هم الظالمون”، كيف سنفهم هذه الآية؟ هل سنفهم منها أن كل غير مسلم اليوم هو ظالم، حتى لو كان متجرداً للحق ومكرساً حياته في سبيل الخير؟ أم نفهم من هذه الآية أن الظلم هو صفة مرادفة بالكفر، فكل من ظلم، فهو كافر في ميزان القرآن؟

المنهج الاستقرائي واسع وثري لأنه يتعامل مع الواقع الواسع المتجدد ويفككه، والقرآن لا يمكن فهمه إلا بفهم الواقع أولاً وفهم العلل والمقاصد في القرآن، ومن ثم الربط بين مقاصد القرآن وبين الواقع إذا توفرت ذات الشروط.

معظم الحجج التي تستدل بالآيات التي تتحدث عن الذين كفروا لإدخال العالمين النار تتداعى حين نتنبه إلى المنهج الاستقرائي، فالأدلة صحيحة ولكن إسقاطها في الموضع الخطأ لأنها كلها تتحدث عن فئة اتصفت بأفعال محددة من الكبر والعناد والتكذيب وإيثار العمى على الهدى، وهي أفعال اتفقت الفطرة الإنسانية على رفضها.

إقرأ أيضا :   السلطوية وتحديات المرحلة

يقول الإمام أبو حامد الغزالي في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة: “بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى. أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:

صنف: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، فهم معذورون. وصنف: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون. وصنف: ثالث بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذاباً ملبساً اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع، ادعى أن الله بعثه وتحدى بالنبوة كاذباً. فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم سمعوا اسمه، سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب.

وأما من سائر الأمم فمن كذبه بعدما قرع سمعه بالتواتر عن خروجه، وصفته، ومعجزاته الخارقة للعادة، فإذا قرع ذلك سمعه، فأعرض عنه، وتولى ولم ينظر فيه ولا يتأمل، ولم يبادر إلى التصديق، فهذا هو الجاحد الكاذب، وهو الكافر، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد المسلمين”.

أما محمد رشيد رضا فيقول في المنار: “وَقَدِ اشْتَرَطُوا فِي حُجِّيَّةِ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ كَوْنَهَا عَلَى وَجْهٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْحُجَّةِ يُحَرِّكُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَإِلا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ كُلِّ مَا يَبْلُغُهُ مِنْ أَمْرِ الأَدْيَانِ وَلا سِيَّمَا إِذَا بَلَغَهُ بِصُورَةٍ مُشَوَّهَةٍ تَدْعُو إِلَى الإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَاتِّقَاءِ إِضَاعَةِ الْوَقْتِ فِي النَّظَرِ فِيهَا، وَيَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْسْلامِ عَلَى وَجْهِهَا، وَمَا أَجْهَلَهُمْ بِحَالِ الْعَصْرِ وَأَهْلِهِ وَبِالدَّعْوَةِ وَأَدِلَّتِهَا”.

والله أعلم..

twitter.com/aburtema

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل