هل لا يزال النيل نجاشياً؟!

في القرن الخامس قبل الميلاد، قال المؤرخ والرحالة الكبير هيرودوتوس: “مصر هبة النيل”. وهذه حقيقة غرستها الجغرافيا في سجل التاريخ منذ آلاف السنين. وفي القرن الأول قبل الميلاد بجل الشاعر الروماني “تيبولوس” النيل في قصيدة يقول فيها: “الأرض التي ترويها لا تطالب السماء بالماء، والعشب الذي جف لا يتضرع إلى جوبيتر ليوزع مياه الأرض”.

وفي القرن العشرين قال أمير الشعراء “أحمد شوقي”: “النيل نجاشي حليوة أسمر، عجب للونه، دهب ومرمر، أرغولة في إيده يسبح لسيده، حياة بلادنا، يا رب زيده”.

وما أن غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب في فيلم “الوردة البيضاء” عام 1933 حتى غضب المصريون واعترضوا على شوقي، إذ كيف يُنسب نهر النيل العظيم إلى النجاشي ملك الحبشة (الذي لجأ إليه المهاجرون الأوائل في الإسلام لحمايتهم من كفار قريش، ثم أسلم بعد ذلك)، ما يعني اعتماد مرجعيته إلى بلاد الحبشة (إثيوبيا اليوم)؟ ولكن خرج أحمد شوقي ليطمئن المصريين على مرجعية النيل، مفسراً كلمة “نجاشي”، بأنها تعني الحاكم في اللغة الأمهرية، إذ أنه قصد أن يقول أن النيل هو الحاكم لما له من عظمة وشموخ في حياة المصريين..

ولكن الحاكم في عام 2021 أصبح محكوماً من قِبل إثيوبيا، وما بين التاريخين جرت في النهر مياه كثيرة، كما يقولون. ففي زمن النيل “نجاشي” كانت مصر قوية، تمتد جنوباً إلى عمقها الجغرافي في القارة السمراء، وخاصة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان يحتضن الثورات الأفريقية أو لنقل الانقلابات العسكرية في الدول الأفريقية ويدعمها بالسلاح والمال.

وكانت القاهرة عاصمة الثورات الأفريقية، وذهبت البعثات التعليمية والثقافية والطبية والدينية من الأزهر، والمواكب الفنية، إلى البلدان الأفريقية، وأنشأت منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية عام 1957. وهي إحدى الهيئات المنبثقة من مؤتمر باندونج، وهي منظمة دولية غير حكومية تكرس لمبادئ التحرر الوطني وتضامن شعوب العالم الثالث. وكان مقرها القاهرة، وتوالت على رئاستها شخصيات مصرية، رفيعة المستوى وذات وزن ثقافي، لعبت دوراً هاماً في تعميق أواصر الصداقة بين مصر والدول الأفريقية، أمثال الأديب يوسف السباعي، وزير الثقافة الأسبق، والكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي وأحمد حمروش، أحد الضباط الأحرار، وغيرهم..

كان ذلك إبان الحرب الباردة، وانقسام دول العالم بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والغربي بقيادة الولايات المتحدة. وكانت مصر أقرب إلى المعسكر الشرقي، ومع تحول مصر تدريجيا من الاتحاد السوفييتي إلى أمريكا، بدأ دور مصر يتراجع في القرن الأفريقي شيئا فشيئا، إلى أن تلاشى تماماً خلال الثلاثين عاماً من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وغابت تدريجياً عن المشاركة الفعالة في مؤتمرات القمة الأفريقية، وخاصة بعد محاولة اغتيال مبارك في أديس ابابا..

كانت لتلك العقود الثلاثة الماضية من الابتعاد عن أفريقيا والتعالى عليها، تبعاتها وآثارها التي نراها اليوم بوضوح في أزمة سد النهضة..

لقد تركت مصر أفريقيا بإرادتها رغم كل ما حققته من مكاسب فيها، وانكفأت على نفسها فاسحة المجال للصين لتأتي من الشرق، وقد وجدت نفسها بديلاً عن الاتحاد السوفييتي في أفريقيا، وجاءت إيطاليا من الشمال. وتسلل الكيان الصهيوني في أعماق القارة السمراء، وخاصة بعد اتفاقية أوسلو، وكانت معظم دول القارة لا تقيم علاقات دبلوماسية معه، ومناصرة للقضية الفلسطينية، ولكن بعد الاتفاقية لن تكون ملكية أكثر من الملك، وأصبح للكيان الصهيوني موضع قدم ثابت بأوتاد ثقيلة لا تتزحزح في دول المنبع، بالإضافة طبعا للوجود الدائم لفرنسا وأمريكا..

لم تعد مصر هي مصر التي عرفها الأفارقة، ولم تعد إثيوبيا التي يأتي منها 85 في المئة من مياه النيل هي الدولة الحليفة، فقد ذهب الإمبراطور “هيلاسلاسي” الذي كان ينحني ليقبل يد بابا الإسكندرية “كيرولس”، وجاء “منجستو هايلاميريام” ووصل الشيوعيون إلى السلطة عام 1974، تزامناً مع تغير سياسة مصر وتحولها للمعسكر الغربي..

إن قضية سد النهضة ليست بنت اليوم، وإن كل ما نراه حالياً ليس إلا حلقة في مسلسل بدأ منذ أربعة عقود تدفع فيه مصر ثمن تراجعها وتآكل مكانتها وضعف ثقلها على المستويين الإقليمي والدولي. تغير العالم من حولنا ولكننا رفضنا رؤيته أو حتى الاعتراف به لأنفسنا، ورفضت مصر أن تواكب التغيير وتتغير هي أيضا، بل ظلت تتعامل مع دول أفريقيا، بمنطق التعالي وكصغار وأن ولاءها لمصر أبدي، وغفلت أن هذه الدول شبت عن الطوق ونضجت، ولم تدرك أن العيال كبرت وخرجت من حظيرة الوصايا، إلى دنيا المصالح. لقد ظنت أن تمثال عبد الناصر في جوهانسبرج منذ خمسين عاماً سيظل محجوزاً لمن بعده من المصريين..

كما أن فكرة مشروع سد النهضة ليست وليدة اليوم أيضا، فقد كان حلم الإثيوبين منذ أكثر من نصف قرن، كما كان حلم السد العالي لدى المصريين، ويعود ذلك إلى قيام مهندسين أمريكيين يعملون في مكتب للولايات المتحدة لاستصلاح الأراضي بإجراء مسح شامل للنيل الأزرق عام 1956، لتحديد أنسب الأماكن لإقامة سد ضخم على نهر النيل، وذلك إبان حكم الإمبراطور “هيلاسيلاسي”.

وكان من المخطط آنذاك أن تقوم الولايات المتحدة وصندوق البنك الدولي بتمويل السد، ولكن بعد الانقلاب العسكري عام 1974 وانهيار الإمبراطورية الإثيوبية وسقوطها بعد ذلك تحت الحكم العسكري المدعوم من الاتحاد السوفييتي، تبخر المخطط وطوي مشروع سد النهضة في ملفات التاريخ إلى حين. ويرجع ذلك أساساً إلى فقر الدولة الإثيوبية، فليس لديها من الموارد المالية التي تمكنها من بناء السد.

كما أن مصر، دولة المصب الرئيسية والقوة الأبرز في حوض النيل، وحلفاءها الغربيين، لن يسمحوا بسيطرة دولة موالية للسوفييت، على حوض النيل بواسطة سد ضخم ممول من الاتحاد السوفييتي. ورغم ذلك لم تخفت طموحات الإثيوبيين، ولم يتراجع حماسهم للسيطرة على النيل، فهم يرون أن من حقهم استغلال مواردهم المائية، وظل حلم سد النهضة يراود الإثيوبيين، رغم بنائهم عدة سدود أخرى، لكن مشروع سد النهضة شيء آخر، فهو المشروع “الإكس” كما كان يلقب في الدوائر السياسية، وهو إحدى القضايا القليلة الكفيلة بتوحيد الشعب الإثيوبي الممزق بسبب النزاعات العرقية والإثنية والطائفية..

كانت مصر متمسكة بمعاهدتي عامي 1929 و1959 المنظمتين لاستخدام مياه النيل، لمنع تمويل السدود في منطقة حوض النيل، ولها حق النقض على أي مشروع يمكن أن يهدد حقوقها التاريخية من المياه. ولذلك كانت كل جهود الحكومات الإثيوبية المتعاقبة لجلب التمويل لمشروع السد تبوء بالفشل، للدرجة التي اتهمت فيها أديس أبابا مصر صراحة بالضغط على المستثمرين الدوليين، واستغلال نفوذها السياسي لدى الغرب لمنع تمويل السد بدعوى عدم قانونيته. ولكن السياسة لم تكن يوماً ما قانوناً فقط، فطوال أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات بين مصر ودول المنبع (عشرة منها قبل أن تضع إثيوبيا حجر الأساس)، لم تنتبه مصر إلى إصرار دول المنبع على مطالبها، ورفضها التام للرؤية المصرية السودانية لاقتسام مياه النيل بين دول الحوض، ولم تكترث لأن هناك أبحاثاً علمية تجري هناك ودراسات جدوى. فموقف إثيوبيا كان واضحاً ومعلناً منذ البداية، لكننا دائماً ما نهرب من مواجهة الحقيقة، ونخدع أنفسنا بأنفسنا، ولا نحتاج لأحد ليخدعنا، فاستمر عبث المفاوضات إلى يومنا هذا، ومن فشل إلى فشل، حتى أصبحنا ننافس الفلسطينيين في عبث المفاوضات مع الكيان الصهيوني!!

نعم تغير العالم وكان من الطبيعي أن يتغير الآخرون.. تغيرت إثيوبيا، فهي التي كانت تشكو طيلة قرن من الزمان من سطوة النفوذ السياسي والاقتصادي ومنظومة العلاقات الدولية والإقليمية؛ التي مكنت مصر من أن تكون لها اليد العليا في منطقة حوض النيل وإعاقة تنفيذ مشروع السد.. أصبح الوضع الآن معكوساً تماماً، وتصبح لإثيوبيا اليد العليا في قرار تدفق المياه، وانهالت عليها رؤوس الأموال الدولية من كل حدب وصوب، واقتنصت أديس أبابا الفرصة من هذا التغيير، وبدأت ببناء سد النهضة، رغم أنف دول المصب وعلى رأسها مصر والسودان، رغم ما سيسببه لهما من أضرار جسيمة، ويهددهما بنقص شديد في حصتهما التاريخية من مياه النيل، مما أعاد للأذهان قصة ملك الحبشة “دويت الثاني” في القرن الخامس عشر الذي هدد سلطان المماليك، بحجز مياه النيل عن مصر، وخاصة بعدما تواترت الأنباء عن نية إثيوبيا لبيع المياه لمصر والسودان، أسوة ببيع الغاز والنفط..

لقد صرحت الخارجية الإثيوبية، مؤخراً بأنه تم الانتهاء من بناء 79 في المئة منه، وطبقاً لسياسة الأمر الواقع التي تنتهجها الحكومة الإثيوبية. ففي أثناء جولة من المفاوضات العبثية، التي لا تنتهي مع دول المصب، قامت بالمرحلة الأولى من ملء مياه السد، في آب/ أغسطس من العام الماضي، وتصر بتحد عجيب تحسد عليه على الملء الثاني في موعده المحدد في تموز/ يوليو القادم..

تتكلم إثيوبيا بلغة التحدي، وتقول بكل غطرسة: “لن تمنعنا أي قوة على الأرض من بناء سدنا وملئه، وأن إثيوبيا لها الحق الكامل في بناء السد، وأنها لا تستطيع الدخول في اتفاق من شأنه أن يحرمها من حقوقها المشروعة الحالية والمستفبلية في استخدام نهر النيل”..

هذه التصريحات ليست تصريحات جوفاء للاستهلاك المحلي، أو لدغدغة مشاعر الشعب الإثيوبي، ولا تندرج تحت حرب التصريحات المتبادلة بينها وبين مصر، مثل مياه النيل خط أحمر، وكل الخيارات متاحة، بقدر ما توحي أو تنم عن ثقة عمياء بقوة موقفها، وأن هناك قوى دولية كبرى وإقليمية تدعمها وتحثها على الاستمرار في مشروع السد. ولن نفكر كثيراً لمعرفة هذه القوى، يكفي أن تعرف حجم الاستثمارات الضخمة التي دخلتها الدول في هذا المشروع، كالصين مثلاً والتي بدأت مبكراً بضخ أموال طائلة في المشروعات الملحقة بالسد. فحسب الأرقام المتدوالة في وكالات الأنباء العالمية، فقد خصصت قرضاً بمبلغ 102 مليار دولار عام 1013، لتمويل عملية نقل الكهرباء من السد إلى البلدان والمدن الإثيوبية الرئيسية، وخصصت قرضا آخر بقيمة 108 مليارات دولار عام 2019 لشراء التوربينات اللازمة لتشغيل السد، أي أن حجم القروض الصينية بلغ ثلاثة مليارات دولار..

وعلى الجانب الآخر ولمنافسة النفوذ الصيني في القارة السمراء، دخلت أمريكا على الخط وساهمت في صمود الاقتصاد الإثيوبي، بمنح الضوء الأخضر لصندوق النقد الدولي لإقراض إثيوبيا 2.9 مليارات دولار عام 2019. وللعلم كان قد صدر قرار دولي بوقف تمويل السد عام 2014، باعتباره أمراً متنازعاً عليه، ولكن بعد توقيع مصر على اتفاقية المبادئ عام 2015، انتهى النزاع ودخل التمويل الدولي بكل ثقله، وضخت أمريكا في حدود خمسة مليارات أخرى في آذار/ مارس 2020 للاستثمار في المشروع..

الإمارات والسعودية لم يكونا بالطبع بعيدين عن مشروع السد واقتناص الفرص، فقدمت أبو ظبي لها ودائع واستثمارات بقيمة ثلاثة مليارات دولار في حزيران/ يونيو 2018، كما راعت اتفاق المصالحة بين إثيوبيا وإرتيريا والتي فاز على إثرها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام عام 2019.

أما السعودية فهي تخطط لإقامة مشروع ربط كهربائي بين إثيوبيا ودول الخليج، ولقد ضخت أربعة مليارات دولارات في المشروع، وتبرع الملياردير السعودي صاحب الأصول الإثيوبية “محمد العمودي” بمبلغ 88 مليون دولار لبناء السد.

والسؤال الآن: ماذا ستفعل مصر بعد أن أصبح سد النهضة حقيقة وواقع ثابت على الأرض، ولا يمكن لأي عمل عسكري أن يغير هذا الواقع ويهدمه؟ لقد سبق وأن هدد الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” بقصف أديس أبابا إبان عهد “منجستو هيلاماريام”، حينما فكر بإحياء مشروع سد النهضة. ولكن هذا ولى، ولغة اندثرت أو فات أوانها. فكما رأينا تم تمويله دولياً ولن يسمحوا بأي ضربة عسكرية تعوق إكمال بناءه. لقد تأخرت مصر كثيراً إلى أن أصبح السد على وشك الانتهاء، ولا تزال تتفاوض وكل طموحها حاليا منع الملء الثاني للسد، وهو قضية هامشية، بعد أن خسرت قضيتها الأساسية، وهو بناء السد من أساسه!!

وماذا ستفعل مصر إزاء هذا التحدي الخطير الذي تواجهه من دول كبرى، تحسبها صديقة وأخرى إقليمية حليفة، ولكنها تساند إثيوبيا في مشروعها، الذي سيحرمها من أكثر 20 في المئة من مياه النيل، والتي لا يبدو أن أي دولة أو جهة راغبة بممارسة ضغوط حقيقية على إثيوبيا لتقديم تنازلات لتقريب وجهات النظر مع مصر؟!

يجيب عن هذا السؤال الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري الأسبق، بإجابة صادمة وموجعة فيقول: “مصر لم تقف أمام سد النهضة، مصر موافقة وماضية وموقعة وباصمة على إعلان المبادئ في آذار/ مارس 2015، ولم تعترض على حجم التخزين ولم تعترض على أن يكون التخزين من مياه مصرية”!!

“النيل نجاشي” نعمة من الله منذ آلاف السنين، أحب مصر وأحبته مصر، ولكن الحب وحده لا يكفي، فقد احترمه أجدادنا القدماء وعظموه وبجلوه، وحاربوا من أجله، فهل الأحفاد الذين يلقون فيه مخلفاتهم ويلوثونه بمياه صرف المجاري، ويتعدون عليه بالردم والبناء فوقه، سيحاربون من أجله؟!

الله أعلم.

twitter.com/amiraaboelfetou

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل