“مَرَجَ البحرين يلتقيان بينهما برزخٌ لا يبغيان”

 

كان مولانا جلال الدين الرومي – قدَّس الله روحه – قد خرج من مدرسته، مُحاطاً بطُلَّابه، يكلمونه ويسألونه؛ فلقيه الولي المجذوب شمس تبريزي في الطريق، وألقى إليه بسؤالٍ عجيب: “قل لي أيها الشيخ؛ أيهما أعظم: النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أم بايزيد البسطامي؟”؛ فتعجَّب جلال الدين، وأجاب: “أي سؤالٍ هذا؟! وماذا يكون البسطامي في حضرة خاتم الرُسل؟!”؛ فواصل شمس مُصِرّاً: “لكنَّ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كان يَستغفِرُ الله في اليوم سبعين مرة، ويقول: سبحانك، ما عرفناك حق معرفتك يا معروف، أما البسطامي فكان يقول: سبحاني؛ ما أعظم شأني!”.. فأجاب مولانا: “لم يكن ظمأ البسطامي شديداً؛ فارتوى، وفاض كأسه سريعاً في أول مقام بلغه، وذَهِلَ عن نفسه. أما سيدي المصطفى – صلى الله عليه وآله وسلم – فقد كان يجتاز بكل استغفارٍ مقاماً جديداً. يجتاز سبعين مقاماً في كل يوم، وفي كل مقامٍ يَشهَدُ صِغَرَ المقام الذي كان عليه قبله؛ فيستَغفِرُ الله من رضا نفسه”.

تروي أكثر المصادر أن شمس قد صرخ حينها كأنما صُعِقَ، وخرَّ مغشيّاً عليه. وهكذا، كان اللقاء الأول بين مولانا جلال الدين الرومي وبين مُرشده المجذوب شمس تبريزي.

وإن من أرسل هذين البحرين إلى نقطة الالتقاء قد جعل بينهما برزخاً – أي حاجزاً – لئلا يبغي أحدهما على الآخر؛ فيُفسد كل واحدٍ منهما الآخر، ويُزيله عن صفته التي هي مقصودة منه. فكان اللقاء إظهاراً لتجلي بعض الصفات الإلهيَّة على الشيخ والمريد؛ ليتجلَّى كل ما فاضت به قريحة مولانا جلال الدين الرومي بعدها – من نور العرفان وعذوبته – بوصفه ثمرة حلوة من ثمار صُحبته القصيرة لشمس؛ إذ فجَّرَت هذه الصحبة الإيمانيَّة المباركة طاقاته الوجدانية، وفتَّقت ذائقته عن معانٍ لم يطرُقها من قبل. وهي صُحبةٌ ما كان لها أن تطول، وإلا بغى بعضهما على بعض، وأخرجه عن صفته المجعولة، وسبحان من كل شيء عنده بمقدار.

وقد احتذى جلال الدين – في نظمه البديع – حذو من سبقه من شعراء التصوف في اللغة الفارسيَّة (خصوصاً سنائي الغزنوي، وفريد الدين العطار)، الذين يوظِّفونَ الغزل العاطفي مجازاً؛ لكنهم يُشيرون طوال الوقت إلى أن عشق المخلوق مرحلة تسبِقُ عشق الخالق وتقود إليه، ومن ثم؛ فهو عشقٌ لا يحجِبُ عن الله كما يتواتَر في كل الجاهليات، القديمة والحديثة؛ بل عشقٌ يُعيد العاشق إلى الأصل وإلى المنتهى، ولا يقف به عند حجاب الوجه الإنساني الجميل.

هذا اللقاء الزاخر ما كان له أن يَمُرَّ على متذوقٍ سالِك مرور الكرام، وإنما يجب أن يلفته، ويستوقفه، ويستوعبه حيناً – يطول أو يقصُر – لينهَل من هذا الفيض الرباني. وهذا ما مَنَّ الله به على كاتِب هذه السطور حيناً؛ فأراد أن ينقِله إلى قارئ نَهِم الروح شغوف الوجدان؛ فاختار نصوصاً قليلة تعكِس قدراً ضئيلاً من هذا الجمال الفريد، في كتاب سمَّاهُ: “كل يوم”؛ يضم نصوصاً قصيرة بعدد أيام السنة (365 حكمة).

وهذه النصوص المختارة رحلة جد قصيرة في وجدان مولانا المتأجج بالعشق.. رحلة في تجواله الشعري بين آمال الإنسان وأحلامه، ومكابداته لتاريخه وشهواته.. رحلة لا توفيه حقه لا في الكم ولا في الكيف. فإذا كان شعره، الذي يتجاوز المئة ألف بيت؛ يستحيل اختزاله في بضع عشرات من الأبيات المقتطعة من سياقها، فإن أي ترجمة لشعره كذلك، مهما بلغت براعتها؛ ستطوي كذلك قدراً من خيانة الأصل. إذ هي تحمِل من وجدان المعرِّب بقدر ما تحمِل من وجدان الشاعِر الدرويش. فإن لذَّة الشعر وموسيقاه الحية وبهجته الروحية الكاملة لا يُمكن تذوقها إلا في لغته الأصلية، لكننا آثرنا ألا ندع حاجز اللغة يحول بيننا وبين تفيؤ بعض ما أنعم الله به على هذا القلب العظيم؛ فما لا يُدرك كُلُّه لا يُترَك جُلُّه.

 

* العنوان من سورة الرحمن، الآيات 19-20.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل