ملاحظات أساسية حول الانقلاب المزعوم في الأردن

بداية لا يمكن الجزم بأن
الأحداث الأخيرة في الأردن هي بمثابة محاولة انقلاب على النظام أو الملك الحالي
عبد الله بن الحسين، لكن واضح بالتأكيد أن شيئا ما قد حصل، بدليل اعتقال سياسي
ومسؤول غير عادي بالمرة بحجم مدير الديوان الملكي السابق باسم عوض الله الذي يحمل
الجنسيتين الأردنية والسعودية مع عشرين آخرين، منهم حسن بن زيد، وهو من العائلة
الملكية، ويحمل الجنسية السعودية أيضا.

 

غير أن حشر ولي العهد السابق حمزة بن
الحسين ضمن الأحداث يبدو مصطنعا وغير دقيق، كما اتضح من التسجيل الصوتي المسرّب له
أثناء سجاله الحاد مع رئيس الأركان الجنرال يوسف الحنيطي، مع تغليب فكرة أن الملك
عبد الله سعى لاستغلال الأحداث من أجل إسكات أخيه حمزة ومنع تواصله مع العشائر
وعموم الناس، بذريعة مشاركته أو علاقته بالمسؤولين عن الانقلاب المزعوم.

بتفصيل أكثر، تحدثت السلطات الأردنية عن إفشال
محاولة انقلاب مدعومة خارجيا، مع إشارة إلى قيادة باسم عوض الله وحسن بن زيد لها.
كنت لأشكك في الرواية كلها جملة وتفصيلا لولا اتهام عوض الله وابن زيد، وتحديدا
الأول، فلا يمكن أن يغامر النظام المأزوم على كل المستويات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والأمنية باعتقال سياسي ومسؤول سابق مقرّب من الملك نفسه، ويحمل كذلك
الجنسية السعودية، بل ويعمل حتى كمستشار في ديوان ولي العهد المتنفذ محمد بن سلمان
وكذراع اقتصادي له في مشروع عمره “نيوم”، دون تورط عوض الله فعلا بشيء
ما أو دون امتلاك النظام أدلة صلبة أو على الأقل جدية، حتى لو لم يصل الأمر إلى حد
الحديث عن الانقلاب المصطنع المبالغ فيه.

وإذا كان باسم عوض الله متورط بالفعل، سواء في
خطة إضعاف الملك واستبداله أو في محاولة انقلاب، فلا يمكن أن يتصرف وحده ومن تلقاء
نفسه. وهنا لا يمكن استبعاد الدعم السعودي- الإماراتي، والاستنتاج البديهي أن حاكم
أبو ظبي الفعلي محمد بن زايد متورط مباشرة بعدما باتت الرياض ملحقة سياسيا وأمنيا
وإعلاميا بأبو ظبي.

إقرأ أيضا :   العدو.. ما لا بد وما ليس منه بد

 

والهدف يتمثل بابتزاز وإضعاف وربما حتى التخلص من الملك عبد
الله بن الحسين الذي ورغم أنه ينتمي سنا وشكلا إلى طبقة الحكام الجدد التي تضم ابن
سلمان وابن زايد وعبد الفتاح السيسي ومحمد دحلان وخليفة حفتر وبشار الأسد، إلا أنه
تصرف بذهنية الحكام القدامى التقليدية (تضم الحكام الذين أسقطتهم الثورات العربية
بينما نجا منها الرئيس الفلسطيني محمود عباس) الحذرة تجاه صفقة القرن الأمريكية
والتطبيع (التحالف) بين أبو ظبي وتل أبيب، والإقصاء الدموي والكارثي تجاه التيار
الإسلامي وحصار قطر، وحتى تجاه خطة استبدال الرئيس محمود عباس بدحلان، ما أحرج
قادة الثورة المضادة وأخرجهم عن طورهم، علما أن عبد الله رفض الانخراط معهم لمصالح
وطنية أردنية وحتى فئوية خاصة، لتداعيات المعطيات السابقة عليه شخصيا وعلى استقرار
النظام بشكل عام.

من هنا يمكن الاستنتاج أن عواصم الثورة
المضادة (أبو ظبي والرياض) سعت لاستغلال الغضب الشعبي وتردي الأحوال الاقتصادية
والاجتماعية في الأردن في ظل جائحة كورونا، علما أنها كانت متردية أصلا لابتزاز
وإضعاف عبد الله وربما حتى إزاحته، بينما تصرف هذا الأخير بنفس ذهنية الحكام
القدامى التقليدية في التعاطي مع مظاهر الغضب والاحتقان ضده، كما اتضح من بيانه
عصر الأربعاء والذي يشبه خطابات حسني مبارك وزين العابدين بن علي عند اندلاع
الثورات الأصيلة ضدهم.

في هذا السياق، أميل كذلك إلى تصديق قصة إصرار
السلطات السعودية على استرداد عوض اله  بأي ثمن، والغرض واضح طبعا، وهو
حمايته وعدم اكتمال التحقيق معه، وبالتالي حرمان السلطات الأردنية من بلورة تصوّر
كامل عما فكّر أو نُوَي القيام به، بما في ذلك الدور السعودي- الإماراتي في الخطة
كلها سواء وصلت إلى حد الانقلاب أم لا.

قصة حمزة تبدو مختلفة وحسب مجريات نقاشه
العاصف المسرّب مع رئيس الأركان، فهو غير متهم ولا إشارة أبدا إلى انخراطه في
الخطة المزعومة لباسم عوض الله، غير أن الأكيد أن الملك منزعج من تحركات حمزة في
البيئة العشائرية التقليدية المؤيدة للنظام، وكما من تبنيه لغة منحازة إلى الشارع
ومطالبه، ما يزيد شعبيته ويجعله خطرا وحتى بديلا محتملا لأخيه الأكبر، باعتباره
ولي عهد الشعب أو ولي عهد الوطن، كما يحلو له القول دائما.

إقرأ أيضا :   زاروب الحرامية!

أما حديث حمزة عن الفساد والتخبط والعشوائية
والسياسات التدميرية فيمثل اتهاما واضحا للملك، رأس السلطة، بينما يبدو رئيس
الوزراء كذراع للملك في أحسن الأحوال، وكيس ملاكمة لتلقى الضربات السياسية
والإعلامية والشعبية في أسوئها.

ثمة معطى مهم جدا في التطورات الأردنية خاص
بالموقف الإسرائيلي، حيث رفضت تل أبيب اتخاذ موقف علني منها، رغم أن عمان نقلت
تطمينات إليها مفادها أن الأمور تحت السيطرة. وعموما يتعلق الأمر بالعلاقة الباردة
للملك عبد الله مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والجيدة مع وزيري
الدفاع والخارجية بيني غانتس وغابي أشكنازي اللذين زارا عمان مرارا، حيث التقى غانتس
الملك شخصيا بينما التقى أشكنازي نظيره أيمن الصفدي، وهذا ما أغضب نتنياهو معتبرا
الأمر تدخلا في السياسة الإسرائيلية ومحاولة للتأثير على نتائج الانتخابات العامة
الأخيرة، خاصة مع تصريح غانتس أن نتنياهو غير مرغوب به في عمان، رغم تأكيده على
العلاقة المتينة والراسخة أيضا بين الجيشين والأجهزة الأمنية في البلدين.

وفي ما يخص عرض الضابط السابق بالجيش
الإسرائيلي روي شابوشنيك المساعدة على حمزة وأسرته باعتباره صديقا شخصيا، فهذا
يدين النظام ككل، كون الضابط الذي يدير شركة خدمات واستشارات أمنية سيئة السمعة،
كنظيرتها الأمريكية بلاك ووتر، وتعرف على حمزة أثناء مهمة عمل في الأردن بناء على
اتفاق رسمي مع الحكومة الأردنية. 

عموما، يبدو أن الأزمة لم تنته في الأردن، حيث
أن مشكلة عبد الله شخصيا مع حمزة من داخل العائلة والنظام، بينما مشكلة هذا الأخير
هي بشكل أساسي مع الشارع الغاضب والمحتقن ضد ممارسات وسياسات النظام الكارثية على
كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

واضح أيضا أن النظام يتعاطى للأسف بنهج خاطئ
وأمني بحت مع الأزمة التي لا تحل بإشاعة أجواء الرعب والخوف، وإنما الحريات العامة
والديمقراطية والقيام بإصلاحات سياسية أساسا قبل أن تكون اقتصادية واجتماعية،
وصولا إلى الخيار الحتمي بإقامة مملكة مدنية ودستورية لكل مواطنيها ولو بعد حين.

إقرأ أيضا :   الحراك الجزائري يستأنف زخمه من جديد

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل