سلامٌ على هضبات العراق .. وشطّيه والجُرف والمنحنى – خاص عربي اليوم

بعد أن كان العرق قوة ضاربة في الإقليم وكان من البلاد القوية اقتصادياً وسياسياً، ويملك جيشاً من أقوى الجيوش العربية، تغير الحال ما بعد الغزو الأمريكي في العام 2003، ليعيش هذا البلد في عزلة دولية رافقته منذ ذك العام، خاصة عربياً، ما فتح شهية الطامعين فيه والسيطرة عليه بطريقة أو بأخرى، اليوم نجد هذا البلد يريد الاستقلال برأيه وسيادته وإحياء دوره الرائد لأنه يستطيع وله القدرة على ذلك.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية – عبد العزيز بدر القطان

زيارة مهمة

إن زيارة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي إلى المملكة العربية السعودية، بدعوة من الاخيرة، زيارة تحمل الكثير من الأبعاد والدلالات، أهمها لجهة التوقيت، فإذا ما نقبّنا في قوة البلدين، كلاهما يتمتعان بمساحة واسعة وثقل ووزن عربي كبيرين، وبين الكواليس ذكرت أنباء، أن الزيارة كانت مقررة منذ زمن لكنها تأجلت بضعة مرات، بضغط بعض القوى على بغداد، لكن المهم أنها تمت وأخيراً، وهي تعكس إرادة شعبية قد تغير واقع هذا البلد الذي يعاني من أسوأ ما يمكن أن يمر به بلد عربي.

إقرأ أيضاً: سوريا والسعودية في مخطط شراكة اقتصادية

زيارة حملت عنوان، تعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين، من جهة، تأخرت المملكة ببعض قراراتها بما يتعلق بأن تكون قوة إقليمية مركزية تضم إلى جانبها كل الدول العربية وليس العراق فقط خاصة وأن هذا التساهل ولن أقول إنه إهمال، جعل بعض القوى الإقليمية والدولية تسيطر على هذا البلد سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية وحتى العسكرية، ولسنا هنا بصدد فتح الدفاتر القديمة، لكن المستقبل الحالي واللاحق، يبدو واعداً جداً، لاعتبارات كثيرة أهمها العودة إلى الحضن العربي وتعاضد الأخوة كما في الأيام الخوالي والزمن الجميل.

وبالطبع هنا لست منحازاً لبلد أكثر من آخر، لكن ما أريد إيصاله أنه يجب تمتين العمق العربي، بصرف النظر عن السياسات الداخلية لكل بلد، وبصرف النظر أيضاً عن مسألة تحالفات الدول سواء العربية أو الغربية، فهي تبقى من ضمن الشأن الداخلي لكل بلد وهي ترى ما هو الأنسب لبلدها وشعبها، فهكذا هي الدبلوماسية وعمق المصالح، وهذا أمر ليس مستهجناً، سواء كانت هذه التحالفات نافعة أم لا، طالما أن صنّاع القرار يرون أنها تسير لصالح البلد فهذا شأنهم.

لكن وجهة نظري تتمحور حول أن تكون مصلحة الإنسان هي العليا ومقدمة على كل شيء، من خلال تفعيل القرار الوطني لا المصلحي والشخصي، لا يوجد دولة تستطيع أن تملي سياستها الخارجية على الأخرى وبالعكس، لكن عندما تكون الدولة قوية ولها استقلاليتها وسيادتها الخاصة لا أحد يستطيع التحكم بها، أو مصادرة قرارها، رغم أن هذا الأمر بتنا نراه في كثير من الدول العربية والأفريقية وهذه هي المشكلة الحقيقية.

إقرأ أيضا :   ارتفاع تكاليف معيشة الأسرة السورية - قناة العالم الاخبارية

تعزيز التعاون

بطبيعة أي زيارة يكون هناك مجالات كثيرة مفتوحة وواعدة كما في الزيارة العراقية – السعودية والتي لفتني فيها الجانب الثقافي بداية حيث تم توقيع اتفاقية بين دار الكتب العراقية ونظيرتها السعودية وأخرى ثقافية بين شبكة الإعلام العراقي وهيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية، هذا الأمر وإن عدنا إلى كتب السير والتراجم نجد أن بغداد ومكة المكرمة والمدينة المنورة كانوا حاضرين في تبادل الثقافات منذ قرونٍ خلت، ولا يمكن فصل شعب هذين البلدين بعضهما عن بعض نظراً للطبيعة العشائرية التي تحكمهما وتجمعهما لجهة القرابة والأصول المشتركة إن كانت العراق أو شبه الجزيرة العربية.

وبالتالي، كل الدول العربية دون استثناء، التحدي الحقيقي بها هو أن تكون دولاً منتجة ومصدرة، لا مستهلكة، وأن تقوى زراعياً وصناعياً وطاقوياً، طالما تملك خزاناً بشرياً وخبرات وموارد، كل الدول العربية قادرة على ذلك، وكل هذا كما أشرت آنفاً يحتاج إلى قرار سيادي مستقل، والباقي سهل التحقيق، فالسياسة فن المتبدل والمتغير، لأن الدبلوماسية بطبيعة الحال هي أن تكون لك علاقات مع الجميع ضمن مسافة معينة، ليبقى الوطن ومصلحته في المقدمة، ومن ثم مصلحة الأمة العربية الجامعة لا المفرقة، وبالطبع مصلحة المواطن العربي، لأنه عندما يكون الوطن بخير فالشعوب حتماً بخير.

وكما قال الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري:

سلامٌ على هضبات العراق … وشطّيه والجُرف والمنحنى

إذاً، هذا التعاون سيحقق ما كنا دائماً ندعو إليه، فليس أحن من الأخوة على بعضهم بعضاً، وليس من شقيق إلا ويحضن أخاه، وكيف وإن كان هذين الأخين هما سيف بعضهما في وجه الطامعين.

عودة ميمونة

إن انفتاح العراق اليوم يبين أن هناك عودة للحضن العربي كما أشرنا، قد تكون متأخرة لكنها واجبة، والجميع يعلم أن هذا البلد كان ولا يزال يعاني، لكن يملك مقدرات كثيرة ويملك النفط ويملك الشباب النشيط والمثقف، ويملك المساحات الواسعة والأنهار الكبيرة كدجلة والفرات، آن الأوان ليصّدر ويوقف الاستيراد، وآن الأوان لأن ينفض الغبار عن مصانعه ومعامله ويعيد فتحها من جديد وإنشاء كل ما يمكن أن يحتاجه بلد بحجم العراق، أن يستقل اقتصادياً ويقوى كي يكون سيد نفسه، يصنع محطات كهرباء لا يستوردها وهو يملك مواردها، يزرع كل الخيرات ويعيد خضار هذا البلد الذي كان حاضرة الأمة العربية في يوم من الأيام.

إقرأ أيضا :   الكيان الاسرائيلي يكشف سياسته الجديدة ضد سوريا والرئيس الاسد!

لكن السؤال المهم ها هنا، وأتعمد تكراره، هو هل تملك بغداد استقلاليتها اليوم؟ وه لمن الممكن خلق علاقات متوازنة؟ الكرة اليوم في ملعب العراق والبداية تكون في إصلاح البيت الداخلي العراقي وتبدأ سياسة الدعم لكل ما هو “صُنع محليّاً”، وهنا أورد مثالاً حول أن العراق ولبنان يوقعان اتفاقاً إطارياً ينص على توفير بغداد نفطاً مقابل تقديم لبنان خدمات طبية واستشفائية, وسيتلقى لبنان بموجب الاتفاق 500 ألف طن من النفط العراقي، أي سدس حاجاته، ويمثل 500 ألف طن من النفط نحو 3,5 ملايين برميل، أي حجم صادرات الدولة العراقية اليومية، هذا يحل مشكلة لكن هذا غير كافٍ، يحتاج البلدان لأن يكوّنا قوتهما الاقتصادية، التبادل التجاري والخبرات مهم، لكن إن لم يتم تفعيل الخطط وتطوير الطاقات البشرية، تبقى المشكلة هي ذاتها، وهذا ما نرمي إليه دائماً، لنصنع قوتنا أولاً.

يعاني هذا البلد من ظروف صعبة ولعل خروج أبنائه في مظاهرات ووقفات احتجاجية من كل الشرائح والطوائف خير دليل على أنهم يريدون الأفضل لهم ولبلدهم، لذلك لم يفت الأوان، وهذه الزيارة برأيي هي بادرة أولى سيعقبها الكثير من المبادرات الأخرى، وكلنا يعلم أن الوجود الأمريكي في شرق سوريا والعراق، هدفه الرئيسي قطع أواصر الأشقاء العرب بين بعضهم البعض، لكن عندما يعودون قوة كبيرة ومتحدون في الموقف لن يستطيع أحد أن يغير هذه الحقيقة، في هذا البلد شعب يستحق الحياة لأنه ضحى وعانى ودفع الغالي والنفيس ثمناً لحريته ولاستقلاله، آن الأوان لأن ينعم بهذا الاستقرار، لكن مهما اشتد الخناق والتدخلات والتحزب والتجاذبات وإن كانت داخلية، الوطن أهم، ضعوا الوطن في المقدمة، والباقي تفاصيل ستعيشون معاً، وستعتادون على بعضكم عندما يوحدكم بلدكم ولا يفرقكم، عندما تبنوا وتأكلوا مما تزرعوا وتلبسوا مما تصنعوا، ستعرفون معنى كل حرفٍ اكتبه لكم.

أنصحكم من قلب عربي متدفق بحب العراق، هذا البلد الجميل ومنبع الثقافة والفن والعلماء، منبع الفقه والشريعة والأدب والشعر والطرب الأصيل، كان يوماً حضارة السلام، واليوم يجب أن يعود إلى دوره الريادي وموقعه المتميز، ولا أفضل من التكاتف العربي لتحقيق هذه الغاية، انفضوا غبار الطائفية عنكم، وقولوا “حيّ على العمل”، وهنا لا بد من توجيه شكر إلى محافظ البصرة أسعد العيداني، لمجهوده الكبير في تحسين البصرة من كافة النواحي خاصة البدء في مشاريع مختلفة، وهنا أثني على هذا المجهود، ففي كل زيارة جديدة لي لها، ألحظ التطورات، وأتمنى أن أرى المشهد في كل المحافظات العراقية وأن تكون الروح الجميلة والوطنية هي المسيطرة على الجميع لأن الوطن لا يقوى إلا بأبنائه، فقد كان الأوروبيين القادمون إلى البصرة يشبهونها بمدينة البندقية الإيطالية.

إقرأ أيضا :   مقتل شخص وإصابة 6 أخرين خلال احتجاجات فى بنين

من لا ماضٍ له، لا يمكن له أن يمتلك المستقبل وأنتم روادٌ في مجالكم، اعتمدوا على خيراتكم، ولا بأس من طلب المساعدة، لكن الاعتماد على النفس يحرركم من كل القيود المفروضة عليكم، ليكن ولائكم للوطن لا قبله ولا بعده، حولوا أراضيكم إلى بيادر خضراء، اهتموا بكل شيء، والله إنكم الأقوى عندما تريدون، هذه الزيارة هي فرصة لتحقيق ذلك، ليكون شعاركم، البدء بالعمل، والأخ لأخيه، مهما جار عليه الزمان، ونعلم أن العراق لا يزال مكبلاً باحتياجاته للغاز والكهرباء، لكن إن لم تكتمل شبكة الربط الكهربائي مع الخليج ومع كل من مصر والأردن، فإن العراق لن يشهد أي تحسن في معدلات تزويد مواطنيه بالكهرباء، وهذا مثال بسيط، ناهيكم عن باقي الأمور ولكم القرار.

أخيراً، في مشهد يبدو أنه صراع سياسات تجري فصوله داخل البلاد بين تيارين، يسعى فيهما الأول لإعادة البلاد للحضن العربي، وتيار آخر يرى أن أي تقارب عراقي – عربي يعني تراجع نفوذه في البلاد، هنا الكرة في ملعب بغداد، ولها القرار، لكن لتفكر في العراق الموحد والعراق الوطن، ستعبر وتعود إلى العز المنشود الذي يتطلع إليه الشعب العراقي، باستثناء قلة تريد أن تبقى مرتهنة للخارج، لا تطيعوهم ولا تسمعوا لهم، اصنعوا بلداً قوياً وأنتم الظافرون.

وهنا نؤكد على الثوابت الوطنية والهوية العربية الجامعة، وأن تكون التحالفات واضحة المعالم ومعروفة لدى المواطن العربي، بسلبياتها قبل إيجابياتها، خاصة في المسائل الاقتصادية وتقييم التطور الاقتصادي والتعليم والزراعة والسياحة والصناعة كل هذا إن تحقق يصنع قوة عظيمة يهابها الجميع من خلال قوتك الإنتاجية، ومن يمنعه حليفه من ذلك، فالقرار لا سيادي مع الأسف، ولابد لهذا البلد الكبير أن يخرج من قضية المحاور خاصة وأنها منذ العام 2003 لم تُجدِ نفعاً، وهذا يكون بالانفتاح على الجميع وبسوية واحدة، وهذا ينطبق على جميع الدول وليس فقط العراق الشقيق.

*كاتب ومفكر – الكويت.

إقرأ أيضاً: السعودية بعد الإمارات : عودة سوريا إلى العرب ضرورية

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل