خط أسود.. مصر لن تحارب إثيوبيا

فجأة أعلن السيسي أن المساس بالمياه خط أحمر، وهي لغة كان إعلامه ينتقد الرئيس محمد مرسي عندما أعلنها مدوية من ثماني سنوات “إن نقصت المياه قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل”، وتم تداول كلمات ومنشورات متفرقة للتحميس ودفع مصر إلى عمل عسكرى ضد إثيوبيا.

ولكن الواقع يقول إن السيسي لن يخوض حربا ضد إثيوبيا للآتي:

1- مصر مثقلة بالديون والأعباء الاقتصادية، ودوائر المال العالمية تشير إلى أن دين مصر الخارجي وصل إلى 225 مليار دولار، والمصادر المصرية تقلل منه وتقول إنها 125 مليار دولار، وبالتالي الدخول في حرب يعني تكاليف وديونا جديدة لا يستطيع الاقتصاد المصري المثقل بالأعباء والإسراف الرئاسي تحملها مطلقا، ولا الشعب الذي يعاني يستطيع تحمل أعباء حرب.

2- دائرة الدول الداعمة

أ- الدول العربية الداعمة للسيسي مثل السعودية والإمارات لن تشجعه على الحرب؛ لأن لها مصالح بحوالي سبعة مليارات دولار في إثيوبيا بخلاف علاقتها مع إثيوبيا، ولن تعطيه أموالا ليحارب.

ب- إسرائيل صديق استراتيجي لإثيوبيا، وهي داعم سياسي للسيسي لن تسمح له بالحرب.

ج- الصين أكبر ممول غير مباشر للسد لن تسمح له بالحرب.

د- الولايات المتحدة الأمريكية الراعي لنظام السيسي لن تسمح له بالحرب؛ لأنها دخلت بمؤسسة تنموية كبيرة في إثيوبيا للوقوف أمام التواجد الصيني.

3- الكنيسة المصرية الأرثوذكسية المصرية لن تسمح له بالحرب ضد إثيوبيا التي تمثل العمق الديني الأكبر للكنيسة الأرثوذكسية في أفريقيا.

4- يبقى واضحا أن كلمة السيسي خط أحمر، وحالة المنشورات الحماسية المنتشرة هي لعبة متعمدة من مخابرات السيسي لإظهار أن في مصر حالة تعبوية غضبية من سد النهضة كي يتم استخدامها مع الأطراف الأخرى.

وهي لعبة قديمة سياسية قديمة، فالعالم لا يعرف إلا القوة ويعرف تماما قوة كل طرف وقدراته، لذلك كلمة السيسي عن الخط الأحمر لم تجد صدى دوليا مطلقا، ووجدت صدى فقط عند بعض البسطاء من الشعب.

5- مشكلة سد النهضة تفاقمت وتأثيرها رهيب على مصر، وإثيوبيا لا تبالي بمصر تماما رغم أن قدرات الجيش المصري تفوق الجيش الإثيوبي، بل لا مجال للمقارنة. وبحسب موقع جلوبال تمتلك مصر 1092 طائرة حربية، تجعلها في المرتبة التاسعة عالميا، من حيث حجم القوة الجوية، بينما تضم قوة المقاتلات 211 مقاتلة، وتملك 341 طائرة هجومية، الأهم أنها تمتلك 10 طائرات رافال و240 طائرة F16، بينما الجيش الإثيوبي يمتلك 92 طائرة حربية فقط، منها 24 مقاتلة.

لكن اطمئنان إثيوبيا راجع للآتي:

أ- ما سبق في 2 و3 بالإضافة إلى أنه توجد مشاكل عسكرية واضحة لا تخفى، فلا توجد حدود مشتركة والمسافة بعيدة بين الدولتين مع وجود دول بينهما.

ب- الجيش المصري يمتلك قاعدة برنيس الجوية على البحر الأحمر، لكن شن حرب طائرات وصواريخ يلزمه دعما من دول مجاورة، وإريتريا لن تسمح، والصومال ممزقة. يبقى السودان رغم خلافه الكبير مع إثيوبيا واتحاده السياسي مع مصر في رفض تعنت إثيوبيا، لكن السودان ضعيف جدا سياسيا وعسكريا واقتصاديا ولا يحتمل أي ضغط ولا أعباء، لذلك لن يسمح بحرب.

ج- نظريا يبقى أمام مصر خياران:

الأول: هو عمل داخلي لتهديد استقرار إثيوبيا، وبالتالي وضع معوقات على ملء السد. وتتردد أقاويل ربما من قبيل الحماس أن مصر وراء ثورة إقليم تيجراي، ولكن لا يوجد دليل يدعم ذلك.

الثاني: عملية سريعة خاطفة ضد السد، ولكنها تحتاج ترتيبا ودعما لوجستيا كبيرا وتقنية وقوة عسكرية متميزة، وهو ما لن يسمح به أحد دوليا لما سبق، بخلاف أنها تأخرت كثيرا جدا، ومنطقة القرن الأفريقي مهمة لدول كثيرة، ولو جدلا تمت خطوات فيها فلن تسمح بها إسرائيل التي تراقب المنطقة بالقمر الصناعي وسوف تجهضها، بخلاف أن تكنولوجيا طائرات الرافال الفرنسية وF16 الأمريكية تسمح لفرنسا وأمريكا بتتبع حركة الطائرات، وبالتالي إجهاض أي عمل.

6- فإذا كان ما سبق معروف لنظام السيسي، فيتضح أن كلمة خط أحمر هي إعلان إفلاس عن الحل وتغطية للفشل، وأن نظام السيسي في ورطة كبيرة تسبب فيها ويحاول إشغال الشعب بكلمات حماسية وإلقاء عبء ما حدث على ثورة 25 يناير، وهو اتهام في ذاته يرتد إلى الجيش المصري ويحمله المسؤولية؛ لأن المجلس العسكري كان هو الحاكم وقتها لمدة 18 شهرا، وكان السيسي ذاته مديرا للمخابرات الحربية.

7- السيسي يدرك أنه لا حرب لكل ما سبق، ولأنه وقّع في البند العاشر من إعلان المبادئ في آذار/ مارس 2015 على التسوية السلمية للمنازعات، حتى القوة السياسية التى تتمتع بها مصر في اتفاقية 1229 و1959 وكان لها حق نقض أي قرار؛ فرّط فيها السيسي، وأقصى ما يمكن أن يفعله تدويل النزاع وهذا معناه سنوات، وهو مكسب لإثيوبيا التي ستسارع بملء السد ولكن السيسي يحب اللقطة والإلهاء.

وأخيرا: منذ أن جثم العسكر على حكم مصر في انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013. ضاعت إرادة الشعب المصري وحريته، وتوالت الانتخابات المزورة الموجهة مخابراتيا للبرلمان والرئاسة، وضاعت سيادة مصر في بيع جزيرتي تيران وصنافير، بما تمثلهما من سيادة وموقع استراتيجي، وهي واقعة لم تحدث في تاريخ مصر.

وضاع أمان مصر المائي بحرص السيسي على الحكم فقط ودعم إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، فوقّع إعلان المبادئ. فالعسكر لا يهتمون إلا ببقائهم في الحكم، لذلك يسارعون في بناء المنطقة الخضراء (العاصمة الإدارية) والاكتاجون لحماية أنفسهم فقط. أما أولئك الذين يهرلون وراء سراب حرب يقودها السيسي للمياه، فقد انتهي الدرس في 3 تموز/ يوليو 2013 ولكنهم لا يتعلمون.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل