حركة نشر ومطبوعات في خدمة الاستبداد

شهدت حركة النشر والطباعة العربية في العقدين الأخيرين انتشاراً واسعاً، وظهرت هنالك دور نشر جديدة إلى جانب دور النشر العريقة التي نشأت منذ القرن الماضي وارتبط اسمها بأهم الكتب والإصدارات لكبار المفكرين والكتاب العرب.

تمارس دور النشر الجديدة أدواراً مختلفة في حقل الطباعة والنشر، فبعد أن كانت عملية النشر تمر عبر إجراء محكم وتدقيق محتوى بشكل يعكس جودة المضمون ويضاف للمكتبات، تحوّلت أدوار دور النشر تلك لمجموعة مختلفة عن سابقاتها، فكانت أهم هذه الأدوار:

أولاً الدور التجاري: نشأت دور نشر لدوافع اقتصادية بحتة لرواد أعمالها، وكانت هنالك سلسلة من دور النشر التي يصح أن نسميها مصانع لورق مدجج بالحبر، مع غزارة وكثافة بالطباعة، دون أن يكون لتلك الإصدارات تأثير مباشر على ذوق ووعي القارئ، فانتشرت هنالك ظاهرة الكتابة الماكدونالدزية السريعة الموجهة لهذا النوع من النشاط التجاري في حقل النشر.

وما يميز دور النشر التجارية إغداقها المال على الإخراج الخارجي للكتب، وإصدار الطبعات الفاخرة لكتاب يعبرون الفضاء الثقافي كلمحة عابرة تثير الأضواء وتسترعي اهتماما شعبويا؛ عن طريق توقيع تلك الكتب ضمن احتفاليات وفعاليات ثقافية تعتمد على البهرجة والكرنفالية، أكثر مما تضيف بشكل نوعي في حقل الكتابة التي تسهم تحت مسماه.

ساعد هذا الدور التجاري في الترويج لتجارب كتابة مرتبكة بالأخطاء البنيوية، وغير ناضجة على مستوى الوعي ومستوى الدور المتوقع من كثافة تلك الحركة. رافقت دور النشر تلك الأثرياء والمشاهير والشخصيات المؤثرة عبر الإعلام الاجتماعي، والتي تعاطت مع موضوع التأليف والنشر على أنه مكمل وديكور إضافي لأسهمها عند الجماهير التي تبهرها الطبعات الفاخرة والمجلدة بالألوان الذهبية، والتي تحمل أسماء تلك الشخصيات من مشاهير الساسة والأثرياء والمؤثرين من الشعبويين.

ثانياً: الدور السياسي: لعبت الكثير من دور النشر والطباعة أدوراً مكملة للأنظمة السياسية في دولها، وقام معظمها بشكل يمكن تسميته بالبرستيجي لتلك الدول، بالذات الغنية نفطياً، والتي انشغلت في الإضافة لحقل الطباعة والنشر من أجل حجز مقعد سريع لها في هذا المجال مع التعاطي التجاري والبرستيجي مع تلك الحركة وتلك الفعاليات.

إقرأ أيضا :   الأردن يقترب من بغداد ويتجنب دمشق

وتخصص تلك الدول سنوياً ميزانيات هائلة على فعاليات ثقافية سريعة مليئة بالأضواء والدعاية والإعلام، رغبة من الدول الغنية حديثاً في لفت الأنظار العالمية لها في المجال الثقافي وحركة الطباعة والنشر، من أجل تسويق أنظمتها الحاكمة على أنها تنويرية ومعنية بإطلاق العنان لفضاءات الكلمة والقلم والفكر، إلا أن الوقائع على الأرض تعكس حالة مختلفة، حيث الانتقائية المفرطة لتلك الأنظمة للكُتّاب ولدور النشر؛ كل حسب توجهاته وحسب مشروعه الثقافي الذي لا يخدش سكينة الأنظمة القمعية، لذلك تشهد معارض تلك الدول غياباً متكرراً لدور نشر وشخصيات ثقافية وفكرية وكتاب؛ لأنهم ينتقدون سياسات تلك الدول الداخلية أو الخارجية. بذلك تكون تلك النظم تكرس حركة النشر والطباعة لتأدية مهام وظيفية سياسية من أجل تثبيت دعائم تلك النظم والترويج لها في حقول الفكر والثقافة بين الأمم.

ثالثاً: الدور الأمني السياسي: تمارس دور النشر التي تتبع مباشرة لمؤسسات الدول القمعية رقابة حادة جداً على المحتوى، حيث لا يخلو أي مطبوع من موافقة جهات معينة في الدولة، غالباً ما تكون جهات أمنية بخاصة حين يكون موضوع الكتاب فكريا سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا، ولهذا السبب نشهد حركة منع لمنشورات كتاب تصفهم تلك الدول وأنظمتها بالتهديد المباشر على أمنها القومي أو السياسي أو الاجتماعي أو الديني الطائفي.

حين خضعت دور النشر الحديثة وغير المستقلة لتلك الأدوار، سهل هذا الأمر على النظم القمعية الحاكمة إدارتها والتحكم بمنشوراتها ومطبوعاتها، بخاصة تلك الدور التي تطبع منشوراتها بشكل موسمي، وكي تنافس على الجوائز الثقافية التي تقدمها الدول النفطية القمعية لمن يشارك في تلك المنافسات. فهنالك دور نشر اقترن اسمها بتلك المنافسات وتلك الجوائز المادية المجزية، فكانت دور النشر تلك تعتمد في بنيتها كاملة على ألا تخالف معايير تلك الجهات المانحة للجوائز، فانتقت لنفسها من المنشورات ما يهادن تلك النظم وما لا يزعزع سلامها، كذلك انتقت من الكتاب من يحصل على موافقة أمنية من قبل تلك النظم.

إقرأ أيضا :   أطباء مصر لا بواكي لهم

تدعم النظم القمعية أقلاما محددة ضمن دور النشر التابعة لها، وغالباً ما تكون تلك الأقلام دعائية وتمارس مهام أمنية مساندة لتلك النظم. ففي ظل الغياب اللافت لأي صوت مخالف ضمن تلك الأجواء والترتيبات يبرز إلى الواقع السؤال التالي: ما الذي يمكن أن تضيفه حركة نشر حين تكون برغيا في عجلة النظم القمعية؟ وما الذي يمكن أن تضيفه لحركة النشر العالمية ضمن الموروث الإنساني الثقافي والمعرفي؛ إذا كانت تلغي أهم عقولها ومفكريها وتحاصرهم أمنياً ومادياً، وتسلبهم الإمكانيات التي قد تُخرج ما يكتبون إلى النور وبدون عوائق الرقابة الإلغائية؟

لا يمكن أن تستعيد دور النشر والطباعة أدوارها التنويرية في المجتمعات، وهي تقبع تحت جشع الأرباح المادية وثقافة السوق، ولا يمكن أن تعبر عن حقبتها الزمنية وهي تقصي أهم العقول والأقلام لأنها لاذعة تجاه خراب النظم القمعية. فالطريق نحو حركة نشر حرة يسير بشكل متواز مع الطريق نحو فضاء فكري سياسي حر وديمقراطي، وغير مشروط بالموافقات الأمنية المتتابعة على القلم والفكرة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل