حتى “يوتيوب” مع الأسد

قبل عامين قام موقع “يوتيوب” بمسح آلاف الفيديوهات الموثقة لجرائم عصابات الأسد. ترافق الخبر مع جملة مواقف عربية وإقليمية ودولية تركز على تجاوز مطلب إسقاط ورحيل الأسد، وتطبيع العقل السوري مع جلاديه الذين وثق السوريون ما يمكن إن يقال إنها الجرائم الأكثر وحشية في القرن الحادي والعشرين.. توثيق لأدق التفاصيل من الشهادات المروعة إلى الانتهاكات وجرائم الحرب ضد الإنسانية.. أفلام تحوي مشاهد حرق للجثث لنساء ورجال وأطفال وتعذيب وحشي حتى الموت، “أهازيج” ورقص على الجثث، أدلة لا تقبل الشك أو النقاش، كلها محفوظة في وجدان المعذبين والمحطمين الهائمين على حطام وطنهم.

حتى التكنولوجيا تخذل السوريين، إذا ما أخضعتها القوى المسيطرة طبقا للمعيار السياسي الذي يخدم الطاغية. تجربة سنوات الثورة السورية تشير إلى تغيير كبير في مسرح الجريمة الممتد على مساحة سوريا كلها، ولن يتوقف الأمر عند تراجع موقع “يوتيوب” عن مسح الأدلة والبراهين الموثقة لجرائم تقود رأس النظام للمحاكم الدولية بتهم ارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

تكنولوجيا الدول الكبرى من الأقمار الصناعية تجول فوق مسرح الجريمة رصدت معظم الجرائم منذ العام الأول للثورة.. مشاهد تجريف الأراضي وتدمير المدن، وانتقال عصابات الأسد من منطقة لأخرى، والمجازر.. كلها كانت مرصودة، بالإضافة لاستخدام كل الأسلحة المحرمة دولياً من غاز السارين إلى الكلور والنابالم والقنابل العنقودية والفراغية، إلى الاستعانة بدولة عظمى (روسيا) لتجرب أسلحتها الفتاكة على أجساد السوريين.

مئات من تقارير الاستخبارات الغربية تحدثت عن مسؤولية النظام وعصاباته في ارتكاب الجرائم، وشهادات أمام برلمانات الدول الكبرى، وحقوقيين وتقارير وسائل الإعلام الاستقصائية، وتهريب منشقين عن النظام لأدلة مؤكدة وصور لآلاف الجثث لضحايا التعذيب.. كل ذلك وأقل منه شأنا كان يكفي أن يساق الأسد ونظامه لمحاكم دولية، إذ إن إدانة النظام موجودة ومؤكدة ومثبتة في تصريحات لموفدين أمميين وغيرهم، والأهم أن ملايين السوريين المهجرين والنازحين هم دلائل إدانة في جرائم التهجير والتطهير العرقي.

من التكنولوجيا الرديئة التي امتلكها السوريون لتوثيق جرائم النظام، إلى تلك المتطورة التي يمتلكها المجتمع الدولي لم تكفه للحيولة دون استمرار الفظائع، ليكون السؤال: لم كل هذا الخذلان؟ ولأجل ماذا يجري العمل على تطويع إرادة الشعب السوري، وإضافة قهر فوق قهره؟ لا يجد العقل والمنطق تفسيرا غير تلك الأهمية المنضوية على وظيفة الأسد ونظامه، وتكريس أمر واقع قائم بحكم عوامل تلك الوظيفة والدور المراد تكريسه، وعدم الاكتفاء بما هو قائم من تدمير وتحطيم، بل القبول بإعادة تلميع وتظهير النظام من جديد، بدعم أطراف عربية وتفاهمات دولية توغلت في محاولات تسويق مخططات إجهاض أحلام السوريين في الحرية والديمقراطية.

في المقلب الآخر يحتار نتنياهو فرحا بصكوك الغفران المتتالية من مسرح الجريمة السوري، ويحتار المشروع الصهيوني بإغداق الأسد كل الطرق المفتوحة على الجريمة.. ستصبح خطط التهجير والتدمير وكل صنوف الموت بلا خوف أو محاسبة، وبلدوزر الممانعة يمهد الطريق جيدا أمام المحتل الحائر من صمود الأسرى وهو يراقب مئات أو آلاف المعتقلين الذين قضوا في زنازين المسالخ البشرية، ويحتار أمام صمود سكان البلاد الأصليين وهم يجثمون فوق أطلال منازلهم المدمرة، وطائرات الممانعة قد فتتت الأجساد تحت أنقاض منازلها بفعل البراميل والصواريخ. ما الذي يجبره على إعادة اللاجئين أو المبعدين؟ ما الذي يجبره للإذعان لقوانين دولية أو إنسانية؟

والأسد يلقنه “أعظم الدروس” في الفاشية واقتلاع سكان البلد، وهو يصرخ: لن أدع أحدا يسبقني لهذا العار، فأنا كنت الأول والمنتهى في داريا وحلب والزبداني والقصير والغوطتين وإدلب وحماة، كل زاوية وركن تشهد عليّ. يصرخ الطاغية للمحتل: إن لم تصدق فليصرح كل منا عن لوبياته، ولسان حال المحتل امض في طريقك وقد قطعت ثلاثة أرباع المسافة التي استغرقت مني قرنا كاملا من التخطيط.

تبقى “تكنولوجيا” الشعب السوري الدرس الأعظم، في الشعارات المدونة على كراتينه، ويبقى المفجوعون بجرائم العصابة يحفظون كل ألم وعار.. القاشوش ومطر وحمزة الخطيب وتامر الشرع وباسل شحادة وباسل خرطبيل، ومئات الآلاف من الضحايا لا يمكن إسقاطهم من الذاكرة. متيقنون هم أن كل تاريخ الطغاة لم تكن تسجله فيديوهات وأفلام، بل ذاكرة شعب ووطن صمم على ملاحقة العصابة وإسقاطها حتى النهاية، مهما توهم الطاغية بأبد الإفلات بتواطؤ يوتيوب أو أوباما وترامب وبايدن وبوتين ونتنياهو، ومن خلفهم كل عار العالم المتحضر. سيبقى هناك متسع لإرادة وسلاح يجهله عتاة الطغاة، ولن يقول السوريون حتى أنت يا يوتيوب؟ فالذي قال يوما “يسقط النظام والمعارضة.. يسقط مجلس الأمن.. يسقط العالم.. يسقط كل شيء”، لن يعود أو يعاد لحظيرة الأسد.

twitter.com/nizar_sahli

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل