ترامب لا يزال يلعب

يبدو أن النشوة التي انتابت كثيرين في الولايات المتحدة وحول العالم بخروج الرئيس الأمريكي السابق من البيت الأبيض دونالد ترامب لن تدوم طويلا. فالرجل دشن موقعا جديدا منذ أيام ليتواصل مع أنصاره في الوقت الذي حظر فيسبوك فيه مقاطع مقابلة أجرتها معه لارا زوجة ابنه. يأتي هذا بعد أسابيع من تصريح مقتضب له؛ لم يحظ باهتمام كثير من وسائل الإعلام، يقول فيه إنه سيحدد موقفه من الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة عام 2024، بناء على نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة العام المقبل 2022.

أيا ما كانت أوجه الخلاف مع كل ما يمثله هذا الرجل، فينبغي التنويه بأن تصريحه الأخير يدل على تحرك سياسي حقيقي ومدروس. فثغرة انتخابات التجديد النصفي لانتخابات الكونجرس العام المقبل نقطة ضعف كبيرة لدى الرئيس الحالي جو بايدن والديمقراطيين. وذلك لأن هناك احتمالا ولو ضعيفا لأن يفقد الحزب الديمقراطي الأغلبية الضئيلة التي يحظى بها في الكونجرس حاليا في انتخابات 2022. وحينها سيكون بايدن في ورطة حقيقية إزاء القرارات المزمع اتخاذها، والأهم من هذا أنه سيعطي الضوء الأخضر للجمهوريين بأنه ثمة أمل في إزاحة الديمقراطيين من السلطة بعد عامين من ذلك التاريخ.

استغراق الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض في إصلاح ما أحدثه ترامب سيستغرق وقتا أطول من ذلك. وليس من المعروف حتى الآن كيف سيدير بايدن هذه المعركة وهو السياسي المخضرم

تحركات ترامب الأخيرة مهمة على مستويين؛ يتعلق الأول منهما بالداخل الأمريكي ويتعلق الثاني بالأوضاع في العالم العربي. بالنسبة للمستوى الأول، فيبدو أن هناك قرارات حاسمة ومصيرية لن يستطيع بايدن أن يقوم بها قبل انتخابات الكونجرس القادمة، خاصة تلك التي من شأنها التأثير على شعبية الديمقراطيين في هذه الانتخابات. وبالتالي ليس من المتوقع أن يصدر الرئيس الأمريكي أية قرارات كبيرة وهامة قبل هذا التاريخ. وفي الوقت نفسه فإن استغراق الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض في إصلاح ما أحدثه ترامب سيستغرق وقتا أطول من ذلك. وليس من المعروف حتى الآن كيف سيدير بايدن هذه المعركة وهو السياسي المخضرم.

بالنسبة للمستوى الثاني المتعلق بالعالم العربي، فيبدو أنه لن يختلف كثيرا عن آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بالداخل الأمريكي، إذ من المتوقع أن تبقى السياسة الخارجية الأمريكية في حدودها المعروفة أو المتوقعة من دون أية قرارات هامة وكبيرة؛ تتعلق بالدول العربية أو في العلاقة مع إسرائيل حتى انتخابات الكونجرس. والسبب الواضح أن أي تحرك غير مدروس بما فيه الكفاية قد ينعكس سلبا وبشكل فوري على هذه الانتخابات، ويوفر سلاحا في يد الجمهوريين من ناحية وأنصار ترامب من ناحية أخرى.

هذه التوقعات تفترض أن تظل الحالة الداخلية الأمريكية على حالها وأن تظل الحالة العربية على حالها، لكن التجارب في العقود الأخيرة تقول إن المتغيرات على الأرض قد تنحرف بشدة وتستدعي مواقف أمريكية لن يكون بمقدور واشنطن أن تقف أمامها مكتوفة الأيدي.

هذه المعطيات وغيرها تدل على أن هزيمة اليمين الأمريكي المتطرف في الانتخابات الرئاسية الماضية كانت هزيمة في جولة وليس في حرب، وبالتالي فهناك معارك مؤجلة مع هذا التيار

والملفات الملغومة في العالم العربي كثيرة، منها حرب اليمن والوضع في السعودية ومسألة سد النهضة وعلاقة إثيوبيا بمصر والسودان، وغيرها من الملفات. وهذا يعني أن مساحة المخاطرة موجودة وليست غائبة. المهم أن تطبيق كثير من وعود بايدن الانتخابية الإصلاحية، والتي داعبت خيال كثيرين داخل وخارج الولايات المتحدة، لن يتم في المدى المنظور وسيكون كثير منها مؤجلا.

كل هذه المعطيات وغيرها تدل على أن هزيمة اليمين الأمريكي المتطرف في الانتخابات الرئاسية الماضية كانت هزيمة في جولة وليس في حرب، وبالتالي فهناك معارك مؤجلة مع هذا التيار الذي استطاع خلال أربع سنوات، هي عمر ولاية ترامب، أن ينشر أفكاره المتطرفة في الساحة السياسية الأمريكية والأوروبية ويلقي بظلال سيئة على الوضع في العالم العربي.

twitter.com/hanybeshr

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل