بابا الفاتيكان واليمين المتطرف

خلال استقباله للعديد من ممثلي الجمعيات الفرنسية لمناقشة قضايا البيئة في 15 آذار/ مارس، أعرب البابا فرنسيس عن قلقه إزاء تصاعد الشعوبية في فرنسا واحتمال فوز زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2022، داعيا إلى انبثاق موجة شعبية تواجه هذا التوجه المتطرف.

وفعلا نلاحظ أن المشهد السياسي في أوروبا عامة وفي فرنسا خاصة يتجه إلى اليمين، في سيرورة تزيد من قوة وانتشار اليمين المتطرف، وتذكرنا ولو بشكل مختلف بالتيارات الشعبوية والعنصرية التي عرفتها أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي، والتي أدت إلى وصول أكابر مجرميها – مثل هتلر وموسوليني وفرانكو – إلى السلطة.

مارين لوبان التي يصوت لها الكثير من المسيحيين الملتزمين ردت بقوة على أسقف روما، داعية إياه للاهتمام بما يقع في الكنائس عوض التدخل في السياسة، وذكرته بالمقولة المنسوبة إلى المسيح عليه السلام: “أعطوا ما لقيصر لقيصر، وَمَا لِلّه لِلّه”، قبل أن تكمل تغريدتها على تويتر قائلة: “أنا على اقتناع بأن العديد من المؤمنين سيكونون مسرورين إذا اهتم البابا بما يجري في الكنائس بدلا من صناديق الاقتراع”.

هذا الرد العنيف يدل على مدى الاستياء الذي خلفه هذا التدخل غير المنتظر في أوساط حزب التجمع الوطني الفرنسي (اليميني المتطرف)، وفي هذا الوقت بالذات الذي بدا فيه لزعيمته أنها أقرب ما تكون لتحقيق حلمها وحلم أبيها من قبل، والمتمثل في الوصول لرئاسة الدولة الفرنسية.

يدغدغ اليمين المتطرف في الدول ذات الأغلبية المسيحية – ومنها فرنسا العلمانية – مشاعر المتدينين المسيحيين، خاصة أولئك المتخوفين من الحضور الإسلامي. ويشكل “التيار الهوياتي” الذي يروم حماية “الهوية المسيحية” أكبر التيارات تطرفا داخل الأحزاب اليمينية العنصرية والمتطرفة. فهو يعتبر نفسه ذاك السد المنيع القادر على الحفاظ على الهوية وعلى الدفاع عن أوروبا؛ مهد الحضارة التي صنعت أمجاد الدين المسيحي وحققت شتى الانتصارات العظيمة عبر العالم، كما يركز هذا التيار المتغلغل في أوساط المجتمعات الغربية على أهمية التماسك الديني المسيحي داخل المجتمع، وهو التماسك المهدد بنزعة انفصالية إسلامية “أو إسلاموية” قد تخلق الفتنة وتهز أركان التلاحم وتخلق التفكك بين أبناء الوطن الواحد.

لكن لما يأتي زعيم الكنيسة الكاثوليكية ويقوم بمثل هذا التصريح الذي ذكرناه آنفا، فهو يقوم عمليا بسحب البساط من تحت أرجل أنصار هذا التيار، ويبقيهم يتامى دون مرجعية دينية عليا يمكنهم الاستناد إليها في مواقفهم السياسية الشعبوية. والحقيقة أن البابا فرنسيس وعلى عكس سابقيه الأواخر؛ اتخذ العديد من المواقف التي جرّت عليه سخط بعض أتباعه، ولوم الكثير من السياسيين في أوروبا عامة وفي فرنسا خاصة. إذ أنها ليست المرة الأولى التي يندد فيها بالمواقف المتطرفة، والسياسات المعادية للمهاجرين، بل إن موقفه من التهجم على الإسلام بعيد الهجوم على كاهن كاثوليكي ومقتله على أيدي متطرفين مسلمين في 2016 في شمال غرب فرنسا؛ كان لافتا للنظر، حيث رفض استعمال تعبير “العنف الإسلامي”. وبرر ذلك بقوله: “لا أحب التحدث عن العنف الإسلامي، لأنني أرى العنف كل يوم وأقرأ عنه في الصحف، وهو عنف يصدر عن مسيحيين كاثوليك، وبالتالي إذا تحدثت عن العنف الإسلامي، يجب أن أتحدث عن العنف الكاثوليكي، ففي كل الديانات تقريبا توجد مجموعات أصولية صغيرة و لدينا نحن”.

بإنكاره الطابع الديني للإرهاب، جرّ البابا فرنسيس عليه ويلات أولئك الذين لا يفوتون أبدا فرصة للتنديد بـ”الإسلام المتطرف”، وصلت حد مناداة أحد الصحفيين المشهورين في صحيفة لوفيغارو الفرنسية الواسعة الانتشار؛ البابا السابق للرجوع، قائلا: “بندكت السادس عشر، ارجع!”، بينما صرح رئيس منظمة “مراسلون بلا حدود” سابقا وعمدة مدينة بيزي الفرنسية: “إنه – أي البابا – يعفي الإسلام من كل مسؤولية “عن الإرهاب”، خذلهم في تهمة إلصاق الإرهاب بالإسلام.

أما زعيم اليمين المتطرف الإيطالي ماثيو سالفيني فقد وجد نفسه في مواجهة مع البابا أثناء استحقاقات البرلمان الأوروبي في 2019، عندما قام وفي إشارة واضحة إلى من يهمه الأمر؛ بشجب “النزعة القومية وعودة ظهور الميول العدوانية تجاه الأجانب”، مطالبا بشكيل ما سماه “أوروبا الجسور” التي تستقبل الأجانب مقابل “أوروبا الأسوار” المانعة لدخولهم.

آراء البابا “التقدمية” في مجال الدفاع عن الأقليات والأجانب، وهي بالمناسبة أصيلة في الدين المسيحي، قد تكون راجعة لأصوله وثقافته وتربيته، فهو نفسه أجنبي. فالسيد خورخي ماريو بيرجوليو الأرجنتيني الجنسية هو أول زعيم للكاثوليك من خارج القارة العجوز منذ ما يناهز الثلاثة عشر قرنا، أي منذ وفاة البابا غريغوري الثالث سنة 741 ميلادية. وبنات أفكاره ربما تعود لمخالطته ومعرفته بالعالم الثالث، فهو لم يأت كسابقه المستقيل بندكت السادس عشر من ألمانيا ولم يتبن نظرياته المتشددة. وهو يختلف عن يوحنا بولس الثاني القادم من بولونيا، وهي الدولة الشيوعية آنذاك، فكان على وليدها القيام بدور “المنقذ من ضلال الشيوعية” وإحياء المسيحية في بلدان الدول الشرقية.

يبرر العديد من العنصريين كراهيتهم للأجانب بكونهم دخلاء لا ينتمون للحضارة اليهودية المسيحية، وأن وجودهم سيغير لا محالة عاجلا أم آجلا من التركيبة الإثنية والدينية لأوروبا، طبقا لنظرية الاستبدال الكبير (Le grand remplacement)، وهي النظرية الفرنسية المنشأ، ومفادها أن هناك عملية متعمدة بتواطؤ مع بعض النخب لاستبدال السكان الفرنسيين الكاثوليك البيض ثم الأوروبيين؛ بسكان ينتمون في الأصل إلى أفريقيا السوداء والمغرب العربي والشرق الأوسط وغالبيتهم من المسلمين. وهذا التغيير السكاني سيؤدي بدوره إلى تغيير للحضارة، مما سيعجل بخطر تدمير الثقافة والحضارة الفرنسية.

لا أحد ينكر الإرث المسيحي للحضارة الأوروبية ولا “الجذور المسيحية” لأوروبا التي سُحبت الإشارة إليها من مشروع ديباجة الدستور الأوروبي سنة 2004، بطلب وإصرار من الرئيس جاك شيراك، وهو ما لم يغفره له المتطرفون اليمينيون، لكن الإرث المسيحي لا يعني الاستعلاء على الآخرين ولا الاستسلام للخوف والتطرف والكراهية؛ كراهية الآخر وبغضه وسوء معاملته والتضييق عليه وتحقيره وازدرائه بسبب دينه أو عرقه أو لونه، وإلا فهي العنصرية التي يمقتها بابا الفاتيكان ولا يريد أن يُستغل الدين المسيحي بطريقة انتهازية ماكرة لتبريرها وتسويغها، ولهذا كلما تكلم عنها أو نطق قال المتعصبون: ليته سكت!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل