القدس.. شُعلة النهوض الباقية أبداً

منذ اليوم الأول لاحتلال مدينة القدس عام 1967، عمدت سلطات الاحتلال الاسرائيلي للاستيلاء على المدينة وضمها وتهويدها بالكامل، وسخرت لهذه الغاية جملة من القوانين والأوامر العسكرية الخاصة بهدم المنازل ومصادرة الأراضي وتضييق الخناق على الفلسطينيين، وصولاً للحالة التي تعيشها المدينة اليوم، من التصدي للإجراءات والقوانين الصهيونية، إلى السلسلة المتتابعة للأحداث التي دفعت بالمقدسيين في أعماق مرحلة صراعية جديدة مع المشروع الصهيوني الآخذ بالاتساع لجهة خطط مصادرة الأراضي وبناء الوحدات الاستيطانية، مقابل سياسة الهدم والسطو والتهويد والحصار لأبناء القدس في أحياء باب العمود والشيخ جراح وصور باهر وبقية الأراضي والممتلكات التابعة للقدس.

عاصفة القدس تهب، ولم تتوقف أو تهدأ بعد، فبعد أسابيع قليلة ستشهد بقية المناطق الفلسطينية انتخابات ستفتح الطريق أمام سلسلة جديدة من الخطوات المرتبطة بها، والمعادلة الصعبة في مواصلة المشروع الصهيوني هجومه على القدس، والمستند لأوراق قوة مستمدة بفعل فرض الأمر الواقع مع سلسلة من اتفاقات التطبيع والتصهين الحاصل في المنطقة العربية، وما ترتب على ذلك من واقع ووقائع تحمل سمات الهجوم الإسرائيلي الشامل على الأرض والإنسان الفلسطيني.

ويقابل ذلك حالة دفاع فلسطينية بدأت في القدس مع تحرك بقية الشارع الفلسطيني من الضفة الى غزة، بما يخالف إرادة الاحتلال وترتيباته، ويعري حالة الصمت الرسمي العربي المواكب للعدوان الصهيوني على الأرض والمنكفئ بانحدار مذهل أمام بسالة المقدسيين.

المعادلة الصعبة في القدس، تحمل في داخلها كل عناصر الصراع المستمر، وتحقيق المشروع الصهيوني جزء من “انتصاراته” المتجلية بمخططات الهدم والسيطرة والتهويد للمدينة. وهذه حقيقة على المستوى الفلسطيني والعربي، غير أنها حقيقة تملك جانبها الآخر الذي يُعبر عنه في تصدي المرابطين من أبناء فلسطين والقدس لمخططات الصهيونية.

فبرغم جسامة الاختراقات الصهيونية وخطورتها وضخامة القوى العربية المتصهينة والمتآمرة على القضية الفلسطينية وعلى المقدسات، إلا أن المعيار الوطني والإسلامي والقومي والعقائدي سيبقى يحكم التناقض القائم مع المشروع الصهيوني، وحالة الغضب في الشارع الفلسطيني والتعاطف العربي مع القدس تُثبت أن أدوات التصفية والتبديد للحقوق والأهداف لن تكون غلبتها صهيونية، حتى لو ظهرت غالبية النظام العربي بهذه الصفاقة والخواء وفقدان الكرامة حتى بالمستوى الشخصي أمام الصهيوني، فإن القدس والمقدسيين يقدمون جرعة من كرامة ضائعة، لتبقى شعلة النهوض الباقية أبداً لهذه الأمة في القدس وأكنافها العربية.

بهذا المعنى البطولي والبسالة المقدسية، يتعين على القوى الفلسطينية والفصائل والمنظمة والسلطة أن تجعل من هذه المعاني القدسية محطة لتخطي تعثرها في النضال والمصالحة وتجاوز حالة العجز والضعف، وكل ذلك مشروط بتخطي العوامل التي ظل يشتكي منها الوضع الفلسطيني، سواء بالمعنى السياسي أو التنظيمي، خاصة وأن الشارع الفلسطيني مقبل على صراع ساخن في الانتخابات وستكون القدس في مقدمة الاهتمام، وبالتالي يجب التهيؤ على كافة الصعد لخوض هذا الصراع، الأمر الذي يستدعي جهوزية خارج الحيز الشعاراتي بفاعلية ودينامية توازي جسارة الشارع الفلسطيني في القدس المحتلة، بالعمل الجدي لاجتياز سقف الأداء الكارثي الذي اتسم به العمل السياسي الفلسطيني والعربي في العقود الماضية، والانتقال لسقف جديد تكون فيه المصلحة الوطنية هي ناظم العلاقة الداخلية للسياسة الفلسطينية.

مواجهة الهجمة الإسرائيلية على القدس والقضية الفلسطينية عموماً، تفرض على أطرافها الفلسطينية التوجه الجدي نحو الشارع الفلسطيني والعربي المؤازر لحقوقه لتأسيس مقدمات نهوض موجودة بالفعل بالشارع، وقد أضاعتها لعبة الأجندة السياسية والتلعثم الثوري أمامها، والرهان الفاشل على التسوية المؤلمة أفقدها حماية الذات.

ولأن القدس والمقدسيين غير مكبلين بسلطة التنسيق الأمني، فإن كل الحلول المطروحة والشعارات الفارغة عن نصرة القدس وتحريرها بصواريخ وجيوش جرارة لم تنجح سوى بإدماء مجتمعات عربية، وكل التصهين والتآمر غير قادر على إنهاء جذوة الصراع وبديهياته التي يحملها المقدسيون بفطرة التصدي للهجمة الاستعمارية الصهيونية. ورغم ما تبديه هذه القوة من جبروت إلا أنها تدرك أن نقطة الضعف الكبرى تكمن بمحاصرة ملايين البشر الذين يملكون الأرض والتاريخ والحضارة والإرادة لمواصلة الصراع. فمن بمقدوره كسر إرادة هذا الشعب أو هذه الأمة؟ وشعب فلسطين والقدس بهذا المعنى الصراعي استطاع كسر الهيبة الصهيونية في القدس وأزال متاريسها.

ليالي القدس المضيئة بالأمل تبقى عوامل قلق ورعب للمتصهينين العرب، وتعري كما في سنوات احتلالها العجز الرسمي العربي، وكشفت زيف وأباطيل الفحولة والبطولة لجيوش منشغلة بتدمير شعوبها ومدنها، وتبديد قوتها في قمع وقهر من هو معني بالحرية والكرامة والمواطنة غير البعيدة عن التقديس الذي تتعاطى به أحلام العربي الشاملة والممنهجة بالخلاص من المحتل والطاغية.

أخيراً تثبت القدس وأهلها المرابطون فيها أن شعلة النهوض الباقية للأمة تكمن في أكنافها، ومن يبحث عن خلاص وعن أجندة ومشاريع سياسية وغيرها للخروج من مأزقه ما عليه سوى الإنصات الجيد لحناجر المقدسيين، فهي تُغني عن برامج الشعارات التي طويت والالتفات لإرادة الشارع تُعفي الفصائل والسلطة والنخب عناء البحث عن حل لكوارث العجز، وهي عناصر تخلق بدائل قَفز عنها العقل الرسمي الفلسطيني والعربي.

twitter.com/nizar_sahli

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل