الزيادة السكانية والتنمية

ما بين وقت وآخر تثار قضية الزيادة السكانية والنظرة السلبية لها بأنها معوق للتنمية. وليس بعيدا عنا ما يدور في مصر بشأن تلك القضية؛ بداية من قمة الهرم الحاكم وحكومته إلى علماء الدين والاقتصاد والاجتماع فضلا عن الإعلام.

ويعود بنا هذا التوجه إلى ما ذكره توماس روبرت مالتوس (1766-1834م) من أن عدد السكان يزداد بمتوالية هندسية (على سبيل المثال 1، 2، 4، 8..)، في حين أن الموارد تزداد بمتوالية حسابية (1، 2، 3، 4..)، وهو ما ينتج كوارث سكانية هي في حقيقتها أساس الأزمات الاقتصادية، نتيجة زيادة السكان بسرعة تفوق الإنتاج. ورأى مالتوس أن “قوانين الطبيعة” ستفعل فعلها لإعادة التوازن وإرجاع الأمور إلى نصابها، عبر تفشي الأمراض والمجاعات وكثرة الحروب؛ اقتتالا على الموارد تحت سطوة غريزة البقاء عند الإنسان.

وقد حمل مالتوس المسئولية عن ذلك للفقراء، ودعا الدولة للكف عن تقديم المساعدات الاجتماعية لهم للحيلولة دون استمرارهم في الإنجاب، كما دعا كذلك للعزوف عن الزواج. وعلى نهج مالتوس تعالت أصوات المنادين بتحديد النسل أو تنظيمه باسم تحديده تارة أخرى في مصر، محملين الفقراء ومحدودي الدخل المسئولية ومطالبين بمنع المساعدات عنهم.

هذه القضية تحتاج إلى مناقشة علمية بعيدا عن التهوين والتهويل، لا سيما في ظل الفشل الذي لاقته نظرية مالتوس وعدم وجود حقيقة علمية تثبت أن الزيادة السكانية على العموم معوقة للتنمية

وهذه القضية تحتاج إلى مناقشة علمية بعيدا عن التهوين والتهويل، لا سيما في ظل الفشل الذي لاقته نظرية مالتوس وعدم وجود حقيقة علمية تثبت أن الزيادة السكانية على العموم معوقة للتنمية.

فمما لا شك فيه أن عملية التنمية وخلق الثروة ترتبط ارتباطا وثيقا بإنتاج السلع والخدمات التي تقاس بالناتج المحلي الإجمالي؛ الذي تعكس زيادته الزيادة في معدل النمو الاقتصادي لبلد ما، وهنا يبرز دور عناصر الإنتاج من موارد طبيعية وعمل ورأس مال وتنظيم في خلق الثروة وإنتاج السلع والخدمات.

إقرأ أيضا :   العدو.. ما لا بد وما ليس منه بد

ويعد عنصر العمل أهم عناصر الإنتاج باعتباره هو الفاعل الرئيس في خلق الثروة، وكما قال السياسي والفيلسوف الفرنس جان بودان: “لا توجد ثروات إلا البشر”. وينظر لعنصر العمل على مستوى الاقتصاد الكلي على أنه القوى العاملة، وبذلك يعتمد الإنتاج على حجم العمل الممثل بالقوى العاملة، وتتناسب القوة الاقتصادية لبلد ما مع القوى العاملة كمّا وكيفا. ونقصد بالكم عدد العاملين، والكيف أو النوع تأهيلهم.

ينظر لعنصر العمل على مستوى الاقتصاد الكلي على أنه القوى العاملة، وبذلك يعتمد الإنتاج على حجم العمل الممثل بالقوى العاملة، وتتناسب القوة الاقتصادية لبلد ما مع القوى العاملة كمّا وكيفا

وبالنسبة للقوى العاملة “كمّا” فإن الزيادة السكانية لا تعني على العموم أنها إشكالية، فقد شهدت أوروبا ارتفاعا في نسبة المواليد بعد الحرب العالمية، وكان لهذا الارتفاع الفضل في ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في دول أوروبا خلال الفترة 1945-1973م، حتى سُميت تلك الفترة خلال بالثورة الخفية من قبل الاقتصادي الفرنسي جان فوراستييه. كما أن الصين كذلك أحسنت استغلال الزيادة السكانية لصالح عملية التنمية بتحسين تنافسيتها ونموها الاقتصادي، وسارت على نفس النهج الهند وإندونيسيا وعدد من دول أمريكا اللاتينية.

وبالنسبة للقوى العاملة “كيفا أو نوعا” فإن هذا الأمر يمثل منطلقا مهما لحسن استغلال المورد السكاني. فالقوى العاملة المؤهلة بشكل أفضل تحسن من نوعية العمل وتزيد من الإنتاجية بصفة خاصة والإنتاج بصفة عامة، وهو ما ينعكس إيجابا على تنافسية الدول ومعدل نموها الاقتصادي.

وفي هذا الإطار قدم غازي بيكر الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1992م؛ تطويره لنظرية “رأس المال البشري” التي تركز على تبرير الإنفاق الحكومي على التعليم والتدريب والصحة. فتأهيل القوى العاملة والاهتمام بها بشكل أفضل ينتج أكثر وبشكل أفضل، وهذه النفقات هي نفقات استثمار وليست نفقات تشغيل.

هذا يحتم الخروج من شماعة العجز والفشل باسم الزيادة السكانية والاستفادة منها كمّا ونوعا لتحقيق متطلبات التنمية

ولعل الثورة التكنولوجية التي نعيشها اليوم تصب في هذا المجال من خلال الاستفادة من التطور التكنولوجي والابتكار للتأهيل النوعي للقوى العاملة، بصورة تؤدي إلى زيادة الإنتاج وتحسين التنافسية.

إقرأ أيضا :   الحرب التي تقترب في ملف سد النهضة

وكل هذا يحتم الخروج من شماعة العجز والفشل باسم الزيادة السكانية والاستفادة منها كمّا ونوعا لتحقيق متطلبات التنمية. والله عز وجل خلق الإنسان وقدّر رزقه وطلب منه المشي في مناكب الأرض بالتخطيط السليم والعمل الدؤوب المستنير، وعدم التجاوز على حقوق الآخرين بالتوزيع العادل المستديم.

وهنا يبرز دور الدولة لسياسة الدنيا وحراسة الدين، بإقرارها وتبنيها ومتابعتها لعملية التوظيف تشريعا وتطبيقا بالتأهيل السليم للقوى العاملة، والاستفادة من كل نسمة في كل شبر من أراضيها بصورة تمكن من وضع الشخص المناسب في مكانه المناسب، بما يحقق ما تصبو إليه من تنمية مستدامة.

twitter.com/drdawaba

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

اترك تعليقا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل