الانتخابات الفلسطينية في سياق هش

على بعد أقل من عشرة أيام من الموعد المفترض لبدء فترة الدعاية لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، لا تزال حالة عدم اليقين هي السائدة تجاه إجراء الانتخابات أو إلغائها من قبل السلطة الفلسطينية.

“عدم اليقين” يؤكد على هشاشة موقع الانتخابات في النظام السياسي الفلسطيني، وأنه لا ينظر إليها بأنها حق راسخ للشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة باختيار ممثليه بطريقة دورية، وعِوضاً عن ذلك فالانتخابات لا تزال ورقةً بيد الطبقة التي تمتلك النفوذ وتحتكر السلطة، هذه الورقة تستدعى متى شاءت الحسابات السياسية ذلك، وتستبعد متى شاءت.

أما الذريعة التي يلوَّح بها لإلغاء الانتخابات فهي رفض سلطات الاحتلال عقد هذه الانتخابات في مدينة القدس، وتستعمل هذه الحجة سيفاً مشهراً في وجه من يرفض التأجيل: هل تريد انتخاباتٍ بدون القدس؟ وهذا لبس للحقِّ بالباطل، فالإصرار على عقد الانتخابات في مدينة القدس يجب أن يكون عبر خوض معركة شعبية وسياسية ودبلوماسية لانتزاع هذا الحق من الاحتلال، وليس بانتظار إذن الاحتلال وإعطائه ورقةً للتدخل السافر في القرار الفلسطيني.

ربط إجراء الانتخابات بانتظار ردِّ الاحتلال يعني منح الاحتلال حقَّ النقض لأي توافق فلسطيني، وهو يدلل على أن السلطة الفلسطينية لا تعتزم مغادرة حالة التأقلم مع واقع الاحتلال إلى حالة التحدي الوطني. ثم إن إشهار هذه الورقة ليس منطقياً في ضوء أن واقع هيمنة سلطات الاحتلال على مدينة القدس ليس مستجداً، بل هو معروف قبل اتخاذ قرار الانتخابات، فما هو الأساس الذي اتخذ عليه قرار الانتخابات إن كان معلوماً مسبقاً أنها لن تجرى حتى يعطي الاحتلال موافقته؟ وماذا لو أن سلطات الاحتلال رفضت إجراء الانتخابات في القدس إلى الأبد؟ هل يعني ذلك أن الفلسطينيين لن يمارسوا حقهم في تجديد تمثيلهم إلى الأبد؟ إذاً على أي شيء كان يستند رئيس السلطة محمود عباس طوال السنوات الماضية وهو يلح على إجراء الانتخابات؛ متجاهلاً الآراء السياسية التي كانت ترى الأولوية في المصالحة وترتيب البيت الفلسطيني قبل الانتخابات؟

من نافلة القول أن هذه ليست دعوةً إلى إجراء الانتخابات بدون مدينة القدس، لكن ثمة فرق في التعامل مع قضية القدس بأنها عنوان مواجهة مع الاحتلال وابتكار وسائل إبداعية لانتصار الإرادة الفلسطينية فيها، مثل وضع صناديق الاقتراع داخل المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وسط تواجد عشرات آلاف الجماهير، وبين استحضار القدس مبرراً لخدمة أهداف فئوية دون بذل أي جهد ثوري، وربط القرار الوطني بمشيئة الاحتلال.

ارتفاع نبرة حديث السلطة الفلسطينية عن إلغاء الانتخابات لا يمكن فصله عن واقع الأزمة التي تعيشها حركة فتح بقيادة رئيس السلطة محمود عباس، وخشيتها من أن تتسبب الانتخابات في تصدُّع الشرعية التمثيلية لقيادتها لصالح تيارات جديدة داخل حركة فتح، ممثلةً في القدوة والبرغوثي ودحلان، أو أن تجدد هذه الانتخابات شرعية حركة حماس بعد خمسة عشر عاماً من التضييق عليها بالحصار في غزة، وبالاعتقالات والملاحقات في الضفة الغربية.

أثبتت الأسابيع الأخيرة أن حركة حماس لا تزال تمتلك حضوراً قوياً واستعداداً جيداً للانتخابات، وهي إشارة سلبية إلى السلطة وحكومة الاحتلال معاً، فضلاً عن أن السلطة تنظر إلى كثير من القوائم المستقلة على أنها أقرب إلى مشروع المقاومة من مشروع التسوية الذي تقوده. أما تيار دحلان فهو يتقن منذ سنوات لعبة ملء الفراغات التي يتركها محمود عباس والاستثمار في الأماكن المهمَّشة، متسلحاً في ذلك بالأموال التي تتدفق من الخارج لدعمه. ويتميز تيار دحلان بالتماسك مقارنةً مع حركة فتح التي تعاني كثيراً من التشققات والخلافات، وهو ما ظهر جلياً في تشكيل قائمتها الانتخابية، والتي تأخر تقديمها إلى الساعات الأخيرة قبل انتهاء الفترة القانونية للترشح.

أما ناصر القدوة المنشق حديثاً عن فتح عباس، فهو وإن كانت تنقصه قوة الحضور الجماهيري، إلا أن تحالفه مع مروان البرغوثي، والاحتمالات القوية لتحالفه مع دحلان بعد الفوز، يعزز مخاوف محمود عباس من تآكل شرعيته وظهور قيادة جديدة لحركة فتح وللسلطة الفلسطينية، هذه القيادة الجديدة من السهل أن يتواصل معها العالم ويتجاوز بها حقبة محمود عباس.

لا يبدو أن حركة حماس متحمسة للفوز بأغلبية تدفعها إلى تشكيل حكومة، فهي بذلك ستعود إلى ذات المأزق الذي وجدت نفسها فيه عام 2006، لكن المعطيات تشير إلى أنها ستضمن ثقلاً لا بأس به في التمثيل السياسي في مرحلة ما بعد الانتخابات، وفي ذات الوقت ستمثل الانتخابات مخرجاً لائقاً لحركة حماس للتحرر من أعباء الحكم الثقيلة.

وطنياً، فإن دحلان ليس أفضل حالاً من محمود عباس، إذ إن دحلان هو أحد أعمدة المنهج الأمني للسلطة الفلسطينية، ومن العبث النظر إلى الخلاف الحادث بينهما بأنه خلاف سياسي جوهري، فهو خلاف شخصي لا أكثر، والخطورة التي يمثلها دحلان هو أنه يستثمر الأموال المغدقة عليه في بيئة أنهكها الفقر لشراء الولاءات وتثبيت نفسه سياسياً. لذلك وإن كان محمود عباس مداناً في الحالة المتردية التي وصل إليها الواقع الفلسطيني بسبب سياساته في الإقصاء وفرض العقوبات، إلا أن الاعتقاد بأن دحلان يمثل بديلاً وطنياً هو إفراط في السذاجة.

تشارك دولة الاحتلال السلطةَ الفلسطينيةَ مخاوفها من أن تقود الانتخابات إلى تجديد شرعية مشروع المقاومة، وقبل ذلك فإن الحالة الراهنة هي الحالة النموذجية وفق حسابات دولة الاحتلال، لأن الفلسطينيين يعيشون حالة انقسام وتفكك تضعف تمثيلهم السياسي. والاحتلال لا يريد تعافي الفلسطينيين فيعلو صوتهم وتقوى شوكتهم في ميدان المواجهة السياسية، لذلك يمارس الاحتلال تدخلاً مباشراً يتمثل في سياسته اليومية باعتقال النشطاء والمرشحين وتهديد آخرين، والسعي إلى تقويض أي بادرة تعافٍ في ساحة الضفة المحتلة.

في المستوى الشعبي فإن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة قد أنهكوا بسبب حالة الضيق وانسداد الأفق والانقسام، وتفشي الفقر والبطالة وتحطم أحلام الشباب، وضياع حقوق أجيال كاملة في نيل حقوقهم الإنسانية الأساسية. لذلك يتجاوز الفلسطينيون كل الملاحظات السياسية على سياق عملية الانتخابات وينظرون إليها على أنها بادرة الأمل لكسر حالة الجمود. وقد ظهر التعطش الشعبي لهذه الانتخابات في نسبة التسجيل العالية في سجلات الناخبين والتي جاوزت 98 في المئة.

هذا التعويل الشعبي الكبير على فرصة الانتخابات للخلاص من المأزق سيتحول إلى غضب قد يفوق التوقعات إذا ما اتخذت السلطة الفلسطينية قرار التأجيل.

twitter.com/aburtema

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “وكالة عربي اليوم الإخبارية”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل