ملامح حقوق الإنسان في العهد الروماني القديم

استطاع العالم الروماني أن يلمح المساواة بين البشر، وقام بمجهود نحو الديمقراطية، وحصل على حق التشريع بواسطة الإستفتاء الشعبي، وعلى المساواة أمام القانون.

خاص وكالة عربي اليوم – عبد العزيز بدر القطان

كما حث العهد الروماني على الحق في الزواج من طبقة الأشراف وفي الوصول إلى مناصب الحكم والوظائف الدينية، وفي أكثر من فترة من فترات تاريخ روما، يلاحظ وجود شعور إنساني وعاطفة تجاه الفقراء والمساكين، حيث تأخذ حركة عتق العبيد وتحرير الرقيق مجالاً واسعاً وتأثيراً طيباً على حرية الفرد بالرغم من الشروط القانونية والقيود التي قيدوا بها المعتق بها بالنسبة لسيده القديم، هذا من جهة.

إقرأ أيضاً: كتب د. القطان.. الإنسانية في بدائيتها عرفت الحقوق!

من جهةٍ أخرى، نرى مجاميع التشريعات القضائية في العهد الروماني تأتي على ذكر نصوص كثيرة هي في صالح الأرقاء والمعتوقين، وقد أوردت مدونة جوستنيان (527 – 567)، أكثر من 70 نصاً أو مرجعاً صدرت كلها في القرن الثاني، وكانت توحي بالدفاع عن الرقيق العامل في بيت سيده، كما توجد نصوص أخرى تقف إلى جانب الحرية والعتق في الحوادث التي يشتبه فيها بوضع فرد ما، عبداً كان أم حرّاً، إلى أن تطورت تلك الحقوق أكثر فأكثر لتأخذ بعين الإعتبار قيمة الشخصية الإنسانية.

وتشير المصادر التاريخية إلى تلمّس حقوق الإنسان في تلك الحقبة، فلقد نهض ماريوس (156 – 86 ق.م)، ضد الأشراف، ورفع علماً لأجل هذه الحقوق.

لكن جميع هذه الجهود في سبيل الحرية والمساواة في العهد الروماني لم تثمر كثيراً، وأخلت الجمهورية مكانها للنظام الإمبراطوري، وكافح القياصرة ضد الأشراف ثم ألغوا الحريات الديمقراطية، وبقيت القوانين التي تفرق بين شرائح الشعب، فلقد حرم النظام الإمبراطوري العالم من كل حرية وطبق حرية الإعتقاد في المسائل الدينية، ما أبقى فقط على حرية المعتقد والذي ظهر في إعلانات حقوق الإنسان بعد مرور قرون على ذلك.

إقرأ أيضاً: شرائع الشرق القديم في حضارة بلاد الرافدين

والمثال على ما ورد أعلاه، أن القانون الجنائي الروماني لم ينص على عقاب أو إهانة توجه للآلهة، وكانوا يرون أنه ليس للعدل البشري أن يعني نفسه بمثل هذا الأمر، ولكل مواطن أن يزاول العبادة التي تروقه أو لا يزاول على الإطلاق.

وإذا كانت هذه الأقوال النظرية الفلسفية لم تترجم عملياً في العصر الروماني إلا أنها تعبر عن نزعة الحرية وسط عالم كانت كل حرية سياسية فيه مفقودة، وكان الحكام فيه يقيسون عظمتهم بمقياس الطاعة الذليلة التي فرضوها على شعبهم دون إدراك منهم، لكن رغم ذلك كان لبعض المفكرين الرومان من أمثال شيشرون شأن كبير في تطور الفكر السياسي وما ألقاه فيما يتعلق بنظرية الرواقيين في القانون الطبيعي التي طبعت الفكر الأوروبي حتى القرن التاسع عشر.

هذه القانون الطبيعي الذي أكد عليه هؤلاء المفكرون بأنه يماشي الطبيعة وينطبق على كل الناس ولا يحوز خلقياً تعطيل أحكامه بتشريعات من صنع البشر، كما لا يجوز الحد من نطاق تطبيقه أو إلغاء نفاذ أحكامه، ما يعني أن الناس سواسية في ضوء هذا القانون بحسب شيشرون وبالتالي هو يؤكد على مسألة خصوصية المساواة، وبذلك إن رجل القانون هو (كاهن العدالة) المتعمق في فلسفتها الحقة، لا مجرد مشتغل بنصوص القانون وشكلياته.

وبالتالي، إن فكرة القانون الطبيعي في العصر الروماني التي شدد عليها الفقهاء كان لها شأنها الكبير في حقوق الإنسان الحديثة حيث كانت مرتكزاتها مبدأ المساواة أمام القانون وإحترام التعهدات وإلتزام الصدق والعدل في المعاملات وتعظيم شأن النية التي إستهدفها المتعاقدون، كمنح المرأة مركزاً قانونياً مساوياً لزوجها.

وقد بلور القانون الروماني في نطاق القانون العام النظرية القائلة بأن سلطة الحاكم تستمد من الشعب، وبالتالي هذا التاريخ سجل للتطور الفكري البشري النير الذي في جميع مراحل التاريخ يرنو إلى حقوق الإنسان رغم الطغيان الذي كان سائداً لفترات طويلة، وإستمر رواده تحت أقسى الضغوط السياسية يعلنون عن رسالة الفكر والحرية الشخصية في وجه الطغيان.

أخيراً، لقد إستطاعت المثل العليا الأخلاقية الكلاسيكية في العصور القديمة أن تحافظ على هذه القوة وأن تدعهما وسط فوضى الفساد السياسي في العالم القديم.

كاتب ومفكر – الكويت.

إقرأ أيضاً: الدكتور القطان: تخطيط الأمة .. يشيُّد حضارة

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل