شرق المتوسط .. أزمة بين قطبين أوراسية – أطلسية

إن الأحداث المتعلقة بالنزاع في منطقة شرق المتوسط والتي برزت إلى سطح الأحداث من خلال تركيا وحربها المستمرة مع اليونان، تدلل على مسألة أن البحر المتوسط هو أحد الخطوط الأمامية في الاستقطاب الجيو – سياسي المستمر، ظاهره إقتتال بين أنقرة وأثينا، لكنه في حقيقة الأمر صراع بين المعسكرين الأوراسي والأطلسي. اليونان ليست أكثر من مجرد بيدق في ذلك المعسكر.

وكالة عربي اليوم الإخبارية

وعلى الرغم من إنخراط تركيا ما بين المعسكرين، مع ترجيح ميلانها نحو المعسكر الأطلسي، والذي يضم قوى كبرى الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا واليونان وجنوب قبرص، مع إضافة الإمارات العربية مؤخراً، في ظاهر الأمر كلهم يستهدفون أنقرة من خلال التنافس على التنقيب عن الغاز، لكن هذا التنافس لا يشمل تركيا وحدها، على الرغم من أن الغاية هي حشرها في زاوية صغيرة، وإخضاعها لإملاءاتهم، ومن خلالها يتم صد أبواب أوراسيا، لتمرير مشاريع المعسكر الآخر.

هذا الأمر، تنبهت له أنقرة وبالتالي تتمسك بتحالفها مع المعسكر الأوراسي، لإرساء الأمن والإزدهار في كل الجغرافيا الأوراسية وأنقرة على يقين من أن الجبهة المفتوحة ضدها في مسألة صراع شرق المتوسط تهددها وتهدد أوراسيا ككل، وبالتالي تستطيع أنقرة منع الحرب في تلك المنطقة من خلال إقامة تحالفات مناهضة للمعسكر الأطلسي من خلال إستغلالها للصراعات الداخلية التي يعاني منها بعض دوله، سواء بطريقة الحرب الباردة أو العسكرية الساخنة، لكن على المقلب الآخر وعلى الرغم من قوة تركيا عسكرياً لكنها تحتاج إلى تحالفات قوية بمستوى الدول المذكورة أعلاه لمواجهة مثل هكذا سيناريو.

واشنطن وتحالفات جديدة

في هذا الصدد تبحث الولايات المتحدة عن حلفاء آخرين غير تركيا لتنفيذ طموحاتها في شرق المتوسط وغيره من المناطق الحيوية بالنسبة لواشنطن رغم أن الدفع بتركيا بعيداً ليس من مصلحتها، فالتلويح بالعمل العسكري في ظل وجود تحالفات قوية بين الجانبين يقوض هذا المسعى، وهذا من جهة.

من جهةٍ اخرى، تحصن الولايات المتحدة معسكرها باتفاقيات موقعة تحت اسم “تطبيع العلاقات مع إسرائيل” ، بينما تحاول عزل تركيا من جهة أخرى. علاوة على ذلك، تحاول الولايات المتحدة فرض انفصال بين تركيا وحلفائها المحتملين. باختصار يتم اتباع استراتيجية ترك أنقرة بدون حلفاء، وبالتالي تسهيل هزيمتها.

موقف روسيا من أزمة شرق المتوسط

بالنظر إلى الخطر الذي يهدد أوراسيا، من المعسكر الأطلسي، هذا الأمر يحتم على روسيا الإتحاد مع شركاء متضررين من هذا الأمر وبالتالي إن موسكو لاعب رئيسي في هذه المسألة، فما هي أهمية منطقة شرق المتوسط بالنسبة لروسيا:

أولاً، شرق المتوسط هو الطريق الممتد نحو البحر الأسود، للقوى الأطلسية، وضعف تركيا في هذا الصراع يعني أن بوابات البحر الأسود ستكون مفتوحة للولايات المتحدة.

ثانياً، إن إحداث توترات في تلك المنطقة أي البحرين الأسود والمتوسط من خلال إعتراض سلاح الجو سواء الروسي للأمريكي أو بالعكس.

إقرأ أيضاً: روسيا .. لافروف وبيدرسون يجتمعان غداً لمناقشة الملف السوري

ثالثاً، الحل النهائي للأزمة السورية يعتمد على الأحداث الدائرة في شرق المتوسط. إن تفوق الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة سيجعل النصر النهائي في سوريا أكثر صعوبة، وهنا لا يمكن لروسيا أن تأخذ دور الحياد في هذا الشأن.

رابعاً، رفع الولايات المتحدة حظر الأسلحة المفروض على جنوب قبرص، ولكن بشرط أن يتخذ القبارصة اليونانيون موقفاً ضد موسكو. وقد بدأت بالفعل المناورات العسكرية المشتركة بين القوات المسلحة الأمريكية والجيش القبرصي اليوناني. وكان ذلك في زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الأخيرة التي حددت هذه الأمور. حيث أشار بومبيو خلال خطابه في القاعدة العسكرية بجزيرة كريت إلى أن روسيا كانت الهدف في شرق البحر المتوسط وذكر أنهما اتفقا مع رئيس الوزراء اليوناني على طرح خيارات الوقوف ضد روسيا على الطاولة.

وتجدر الإشارة إلى نقطة غاية في الأهمية، كلها حدثت بالتزامن مع إحتمالية نشوب حرب عسكرية بين تركيا واليونان، فلقد قررت واشنطن نقل قاعدتها من أنجرليك التركية إلى جزيرة كريت اليونانية، ويعتبر ذلك خطراً يهدد روسيا من تلك البقعة، يضاف إلى ذلك، مشروع إيست ميد، الذي أطلقته إسرائيل واليونان وجنوب قبرص، وهدفه بشكل مباشر نقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وهذا يتقاطع بين روسيا وتركيا من ناحية المصالحة المشتركة في ترك ستريم.

لقد فعلت واشنطن كل الأسلحة لإضعاف تركيا التي بدأت تلعب في الآونة الأخيرة لمصلحتها، حيث تعمل البطريركية الإسطنبولية في أمريكا والتي تقف ضد أنقرة في صراع شرق المتوسط بتوجيه الهجمات ضد تركيا بانتظام نيابة عن المعسكر الأمريكي واليوناني، كما تستهدف بطريركية إسطنبول، روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية.

إقرأ أيضاً: أرمينيا تحصد زرع الفراق عن روسيا : آذربيجان انتصرت.. ماذا الآن؟

يضاف إلى ذلك، ما تشهده العلاقات المالية بين روسيا وجنوب قبرص أيضاً من مشاكل خطيرة. كما أن الاستثمارات الروسية في جنوب قبرص معرضة للخطر في هذا السياق. وهذا قد يدفع بموسكو للتحالف مع جمهورية شمال قبرص التركية كبديل عن جنوب قبرص، وخاصة بعد أن زادت الهجمات مؤخراً على الروس المقيمين في الجزيرة الشمالية، وبالتالي أمام روسيا فرصة ذهبية من خلال تحصين جبهة شرق المتوسط وتوطيد تحالفها مع تركيا، من خلال عدد من الملفات أهمها الملف الليبي، من خلال ترشيح الشخصية المتوازنة (أحمد معيتيق) المنحاز إلى صف روسيا كما تركيا، خاصة وأنه غير منتمٍ لتنظيم الإخوان المسلمين أو تيار إسلامي آخر، فلقد كان دوره بارزاً في إنجاح الإتفاق النفطي والبدء بإنتاج النفط الليبي وتصديره.

إذاً أحمد معيتيق المرشح لإنقاذ ليبيا، يقابله فتحي باشاغا المنحاز إلى الولايات المتحدة، ما يعني أن مسألة من سيتولى خلفاً للسراج في ليبيا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتعاون التركي – الروسي في شرق المتوسط ولكن هناك نقطة مهمة فقد تلعب روسيا دور الوسيط لإحياء العلاقات المصرية – التركية وأي فشل في هذا المسعى هو بتدخل أمريكي يمنع هذا التقارب، إذ أن مصر شريك رئيس في مسألة الصراع في المتوسط، فالتصدع القائم في المعسكر الأطلسي واضح وعلى الأطراف الأخرى إستثماره لصالحهم.

الحرب الإنتخابية

لم تعد العولمة القوة الوحيدة في الولايات المتحدة، فلقد صعد ترامب إلى السلطة كممثل لأولئك الذين يجادلون بأن الولايات المتحدة يجب أن تركز على مشاكلها الداخلية. على الرغم من أنه لم ينفذ سياساته بالكامل أثناء وجوده في السلطة، فقد عطل بشدة الخطة الأمريكية للهيمنة على العالم، هذا الأمر نبه أوروبا إلى الإنسحاب تدريجياً من تبعية واشنطن، ولعل فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد منفصل عن الناتو خير دليل، فمن مصلحة أوروبا عالم متعدد الأقطاب على عكس الغاية الأمريكية بالسيطرة على العالم، فمثلاً يمثل ماكرون العولمة في أوروبا على عكس ترامب، حيث حاول ماكرون إستغلال سياسة ترامب، لكن الجميع يعلم أن قدرات فرنسا محدودة في مواجهة قوة عظمى كأمريكا.

وفي سياقٍ متصل، وبمقارنة بين موقف فرنسا العدواني في شرق المتوسط لعبت ألمانيا دور الوسيط بشكل أكبر. وأما موقف إيطاليا فهي بشكل غير مباشر تصطف إلى جانب المعسكر الأوراسي، وهي لديها مصالحها في ليبيا، وشريك في مشروع الحزام والطريق المرفوض من قبل واشنطن، كما أنها من محاولي تعكيل مشروع إيست ميد للغاز. هذه الأمور كلها تؤكد ان صراع شرق المتوسط حتى الناتو غير قادر على حله، وأن أوروبا ليست موحدة كما تظهر بالفعل، ومواقفها من الأزمة منقسمة تبعاً لمصالح كل دولة منها، وحتى صراع ناغورنو كارباخ غير منفصل من هذا الصراع رغم أنه يبين أنه مصلحة لتركيا، لكن الأمور تسير كما هو مخطط لها من قبل تركيا وروسيا وأذربيجان وأرمينيا مجرد بيادق في هذا الأمر.

إقرأ أيضاً: منفذ عرعر يدخل الخدمة وإنفراجات إقتصادية سورية

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل