الانتخابات الأمريكية و سوريا .. كيف ستكون العلاقة ؟

الانتخابات الأمريكية و سوريا .. كيف ستكون العلاقة ؟ – تحت العنوان أعلاه، كتب المحلل السياسي، رامي الشاعر، في صحيفة “زافترا” حول الانتخابات الأمريكية وسوريا.

إن وصول المرشح الديمقراطي، جو بايدن، إلى سدة البيت الأبيض، إذا قدر له أن يفوز بـ الانتخابات الرئاسية الأمريكية المحتدمة في هذه اللحظات، هو الأفضل للولايات المتحدة الأمريكية، لما يتمتع به الرجل من خبرة سياسية كبيرة، من خلال عمله نائبا للرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما.

كذلك فإن الحنكة السياسية، والصراحة التي يتمتع بها جو بايدن، والواضحة في تصريحاته التي يمكن أن توصف أحيانا بالـ “فجة”، إنما تعكس خبرة وتجربة عملية أفضل من رجل الأعمال، والرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، والذي تتصدر أولويات سياسته قضايا المكسب والخسارة، والبراغماتية الاقتصادية والتجارية قبل السياسية والعسكرية.

فعلى مدار الأعوام الأربعة الماضية، دخل دونالد ترامب معترك حروب تجارية مع الصين، وخرج من معاهدات واتفاقيات، وفقدت الولايات المتحدة الأمريكية بسببه، إلى جانب سمعتها الدولية، الكثير من الفرص الواقعية لتجنب التصعيد في الكثير من المناطق حول العالم.

على الجانب الآخر، وعلى الرغم من أن بايدن قد أعلنها صراحة أنه يرى في روسيا “العدو الأساسي للولايات المتحدة الأمريكية”، إلا أن ذلك التصريح إنما يدخل في إطار التصريحات الانتخابية التي تستهدف كسب المزيد من الأصوات، بعدما اعتمدت إدارة ترامب تثبيت مشهد روسيا “العدوانية” في مخيلة الناخب الأمريكي.

لهذا أعتقد أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع رئيس صريح وجدّي وقادر على المناورة والفعل السياسي، ويحمل الخبرة التي يحملها بايدن على كتفه، أفضل كي تنتقل العلاقات الروسية الأمريكية من أجواء العداء والتوجس والقلق والخوف إلى أجواء التفاهم والتعاون وتجاوز أسباب العداء، سعيا إلى رفاهية ورخاء الشعبين، والعالم أجمع.

فروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، هما دولتان عظميان نوويتان، وبعد أن عملت إدارة ترامب على إلغاء بعض الاتفاقيات الخاصة بالحد من الأسلحة النووية، وتسعى مؤخرا إلى عودة أجواء الحرب الباردة، وسباق التسلح النووي، والتقليص من دور هيئة الأمم المتحدة، وصل الأمر إلى إنكار حقائق التاريخ فيما يخص دور الاتحاد السوفيتي في الانتصار على النازية، بمناسبة مرور 75 عاما على هذا النصر العظيم، الذي انطبع في ذاكرة البشرية بوصفه إنجازا مشتركا لدول المحور، ليزعم ترامب أن ذلك النصر كان بسبب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى فحسب!

إننا نأمل أن تتحلى الإدارة الأمريكية الجديدة بقدر أكبر من الموضوعية التاريخية، والاعتراف بالحقائق التي تم الاتفاق عليها منذ 75 عاما بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأنشأت الدول المنتصرة هيئة الأمم المتحدة.

فيما يخص الشأن السوري، فإن مبادرة هامة تقوم بها روسيا من أجل عقد مؤتمر دولي خاص بقضية اللاجئين السوريين، حيث قام وفد رفيع المستوى، برئاسة المبعوث الشخصي للرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافرينتيف، بزيارة الدول المجاورة لسوريا، والتي تستضيف أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين.

وهناك اجتماع مرتقب في دمشق لبحث قضية اللاجئين، بمشاركة ممثلين عن هذه الدول، والذي سيعتبر خطوة شديدة الأهمية، لدفع هيئة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لاتخاذ خطوات عملية نحو عقد مؤتمر دولي واسع، لما تحتاجه هذه القضية إلى جهود المجتمع الدولي للبدء في حلها وتخفيف المعاناة عن الشعب السوري، الذي تقدر تكلفة إعادته إلى أماكن معيشته (زهاء 9 مليون لاجئ سوري ومهجّر) إلى مليارات الدولارات، لبناء ظروف حياتية مناسبة، من بنى تحتية، ومساكن، ومدارس، ومتطلبات الحياة المختلفة، ومن بينها خلق فرص عمل للعائدين.

يفرض ذلك الوضع على السلطات الرسمية في دمشق اتخاذ خطوات لتهيئة الأجواء والمساهمة في تسهيل عمل جميع الأطراف والجهات التي تسعى لمساعدة سوريا في هذا المجال، ولعل على رأس هذه الخطوات إطلاق سراح المعتقلين، والعفو عن المطلوبين، والمبادرة بخطوات عملية نحو المصالحة الوطنية الشاملة، التي تعطي العائدين ضمانات أمنية لعودتهم، وانخراطهم في الحياة المدنية السلمية من جديد، دون ملاحقات أمنية. ولعل الأهم من عودة اللاجئين، أن تعطي السلطات في دمشق الأمل للشباب بمستقبل مشرق على أرض وطنهم، بحيث توقف رغبة الشباب في الهجرة من سوريا، وبحيث يشعر السوريون من جديد برغبتهم في البقاء، حيث تشير التقديرات إلى رغبة الأغلبية من الشباب السوري للهجرة من البلاد، في ضوء الظروف الراهنة.

أرى أن المشكلة الاقتصادية في سوريا ليست في الأموال التي جمّدت في البنوك اللبنانية، بل على القيادة في دمشق أن تنظر بشكل أعمق، حتى تعالج جذور الأزمة. فلو كانت الأوضاع الاقتصادية في سوريا سليمة من الأساس، لما انتقلت هذه المليارات إلى البنوك اللبنانية، بل بقيت في سوريا لتطوير الاقتصاد والصناعة والاستثمار الوطني.

لذلك يجب معالجة الأسباب التي كانت وراء انتقال رؤوس الأموال السورية إلى الخارج، ومحاربة الفساد الذي أفقد رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال الثقة في النظام، وفي القوانين الاقتصادية السورية والخوف منها. ولا نقلل هنا، بطبيعة الحال، من دور العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية على سوريا، وآثارها الكارثية على الحياة هناك، ولكن اليوم، وعلى أعتاب هذه المبادرات التي تسعى لحل الأزمة السورية، فإنه يتعيّن لإنجاح أية جهود دولية في تجاوز العقوبات والحرب المدمرة التي عانت منها البلاد، وحل مشكلة اللاجئين، مبادرة السلطات في دمشق، والمعارضة على الجانب الآخر، في اتخاذ خطوات عملية ملموسة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، والذي بدونه لن يستطيع أحد أن يمد يد العون لسوريا، لإيقاف التدهور الاقتصادي، واستمرار معاناة الشعب السوري.

بعد أن تهدأ الأجواء الغاضبة حول الانتخابات الأمريكية ، وبعدما تشرع الإدارة الجديدة في تسلم مهام عملها خلال شهرين من الآن، أتمنى أن تعي الإدارة الأمريكية الجديدة أهمية تحسين العلاقات الأمريكية الروسية في حل الكثير من القضايا الإقليمية والدولية، وأن تتحلى بإنسانية تميّزها عن إدارة ترامب، التي كانت الإدارة الأقسى من أي إدارة أخرى، وفرضت عقوبات على شعوب بأكملها، من بينها، على سبيل المثال، وقفها تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتمويل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى “الأونروا”، والتي تقدم المساعدة والحماية لأكثر من 5 مليون لاجئ فلسطيني. ناهيك عن العقوبات الأخيرة بحق الشعب السوري، في إطار قانون “قيصر“، وغيرها من الإجراءات التي كانت سببا في معاناة الملايين حول العالم.

اقرأ أيضاً  : ما هي تغييرات السياسة الأميركيّة في حال خسارة دونالد ترامب

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل