مسرحية التطبيع بعنوان: “شالوم” يا عرب!

من يتابع القنوات التلفزيونية وهي تصدح بأخبار التطبيع وكأنه مهرجان عالمي، يتبين إلى أي دركٍ أسفل وصل الحال بهذه الأمة المنكوبة، ومنهوبة ومسلوبة الإرادة، أمة لا حول لها ولا قوة، إنها أمة العرب، أيها السادة، يا أحفاد عدنانٍ وقحطان، يا أمة المليار ونصف المليار مسلم.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية – عبد العزيز بدر القطان

هذا الأمر يدفعنا لأن نفكر ببضعة سنوات إلى الخلف، ولنكون أكثر دقّة، لنعود إلى العام 2011 وبدء ثورات الربيع العربي التي أطاحت بحكومات ووضعت حكومات إنتقالية عسكرية أو غير عسكرية، يبين مقدار وسطحية التفكير الجمعي للأمة العربية، التي إعتقدت أن تغيير شخص الرئيس أو إستقالة حكومة سيحقق لها ما عجز ساستها طيلة عقود على تقديمه، لنرى أن ما يحدث اليوم هو إمتداد للأمس ومرتبط بعضه ببعض، اليوم بتنا نعرف عرّاب الربيع العربي “برنار هنري ليفي” ماذا كان يفعل في البلاد العربية، وأصبحنا نعرف حجم تلك المؤامرة دون الإصطفاف إلى جانب أحد، أردنا التغيير فعلاً بروح وقلب واحد فجاءت رياحه تعصف بالأمة ويكون التغيير هو وضع اليد بيد من قتل أبنائنا وسلب أراضينا ودمر وحدتنا، تحت مسميات السلام، ولكن السؤال، واليوم هو اليوم العالمي للسلام 21 سبتمبر/ أيلول من كل عام، هل هي مصادفة، أم كل شيء مدبر، أن يتزامن التطبيع مع يوم السلام العالميّ!

والإنقلابات التي شهدتها بعض الأنظمة العربية التي رأى بها البعض أنها الخلاص من حكّام الديكتاتورية حسب تعبيرهم، يضع المتابع أمام مشهد يندى له الجبين، فها هو الحكم العسكري في مصر يجتمع مع شخصية يهودية كبيرة، وعبد الفتاح البرهان، يضع السودان على الدرجة الأولى لـ التطبيع في غفلةٍ منا، لا، لكن في خطوة مستفزة لمشاعر كل العرب، وكأننا لا نعني لهم شيئاً، العجيب أن تلك الدول رأت تجارب الغير، ألا يوجد عاقل بينهم، ألهذه الدرجة أهمية الكراسي تتغلب على الأوطان والشعوب!

إقرأ أيضاً: ليبيا وبداية تفعيل الحل السياسي مصحوباً بعثرات

وهنا لا بد من تبيان حقيقة فشل الثورات العربية، لسببٍ بسيط، أن الأمة تفتقر إلى مشروع رغم أن العرب في غالبيتهم وأنا أولهم مع التغيير الحقيقي والتجديد، لكن إن رافقه مشروع جمعي لا فردي، لكن عندما نكون أمة مخترقة ثقافياً وبدون مشروع قومي، فلغياب هذين الأمر تم إختراقنا، حتى تلك الثورات التي نجحت، وكما قال أحمد مطر: “يستبدلون العملاء بالعملاء”، ما يعني أنه لكل ثورة أرادت النجاح كان يقابلها ثورة مضادة أمريكية جاءت بنظم عسكرية وأخرى تتبع المشروع الصهيو – أمريكي ورأينا ذلك اليوم حقيقة من خلال التطبيع والتهليل لصفقة القرن.

إن الجيوش والمناصب العسكرية في الزمان الماضي كانوا دُعاة للقومية العربية ومناهضة الكيان الصهيوني، أما اليوم الحكومات العسكرية المنتخبة والإنتقالية هم أقرب الناس إلى هذا الكيان المارق، وبعضهم جاهر بقاء نتنياهو في أكثر من مناسبة، في هرولة معيبة نحو وضع الرقاب تحت مقاصل الصهاينة.

لكن كل هذا الأمر لا يزال مقدمة للمسألة الأكثر خطورة، وهي زيادة إدانات حركات التحرر والمقاومة، إدانات للدول التي رفضت التطبيع ومستمرة على موقفها، إدانات للدول الممانعة، وتخصيص قنوات تلفزيونية تبث السموم دون أي رادع أخلاقي، فكما تم الترويج للتطبيع، سيتم الترويج لتشويه صورة مقاومة المحتل، وتحويل هذا المحتل إلى صانع للسلام، والمدافع عن حقوقه إلى إرهابي، وهذه الأسباب مجتمعة أعادتني بالزمان إلى مسرحية عبدالحسين عبدالرضى رحمه الله بفترة الثمانينات وكانت البلاد العربية تعيش في فوضى إبان دعم حارس البوابة الشرقية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكانوا ضد إيران، ومع المعسكر القومي ، والحديث كان عن الحرب العراقية – الإيرانية والحرب الأهلية في لبنان، والفنان عبد الحسين ألف مسرحية من سياق هذه الظروف وأسماها “باي باي يا عرب”.

إقرأ أيضاً: د. عبد العزيز القطان: لبنان .. السلام المفقود!

ما يؤكد ذلك الواقع اليوم، أن الترويج لـ التطبيع يعتمد العمل على المشاعر من خلال فيديوهات ممنهجة جلها من الأطفال يحملون الورود وينادون بالسلام ووقف الحروب، وكأنها كانت بفعل العرب لا بفعل الكيان الصهيوني، فتأليب المشاعر اليوم له سياسته الخبيثة في غسل الأدمغة عبر مشاعر مزيفة خادعة، ومثال آخر كيف يتغلغل الصهاينة بالنفوس العربية، رد تغريدة ضاحي خلفان من قبل المدعو أفيخاي أدرعي من شالوم إلى عليكم السلام، فلتتأملوها كم تحمل من الخبث والعبث بالعقل العربي.

هذا الأمر دفعني للتخيل في هذا الزمن الرديء زمن التطبيع لو كان الفنان عبد الحسين عبد الرضى رحمه الله موجود وألف مسرحية وأسماها “شالوم” يا عرب! ولكن لنتابع ونطلق العنان لخيالنا ونتخيل هذا الفنان اليوم مخرج ونتخيل جميعنا توزيع الأدوار لهذه المسرحية، فمن سيأخذ دور البطولة من القادة العرب في مسرحية العام 2020، وهل سيكون النص تمجيداً للمعتدي الصهيوني وتصويره على أنه حمامة سلام، وشيطنة المقاومين الفلسطينيين، وكيف سيتم صياغة نص يتغير فيه التاريخ!

إذاً إن التطبيع لا شك بأنه خيانة، خيانة للضمير وللأمة وللمقاومة، خيانة لدماء الشهداء وخيانة للإسلام، والرسالة المحمدية، خيبة أمل كبرى، وطعنة في صدورنا جميعاً، الصحوة مهمة فلنتوحد ولنثبت على مواقفنا، إن هذا الكيان عدو ومغتصب ويجب أن نبقى على ثباتنا لآخر رمقٍ فينا، وهذا عهد الله وواجب علينا.

*كاتب ومفكر كويتي.

إقرأ أيضاً: القطان: ترامب يلوح بعصا جديدة.. والحل بـ “ثورة عقل”

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل