سوريا تواجه الإرهاب الاقتصادي بموازاة الميدان

تحول المشهد في سوريا من مكافحة الإرهاب على الأرض، إلى إرهاب إقتصادي شديد شل حركة البلاد، ما إنعكس بشكل واضح على الميدان، بإستثناء ممارسات الوجود الأجنبي ووكلائهم من إستهدافات هنا وهناك.

وكالة عربي اليوم الإخبارية

ما الذي تخططه واشنطن في الشرق السوري؟

على الرغم من تفشي جائحة “كورونا” إلا أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري حط رحاله في محافظة الحسكة في الشرق السوري ومنها طار إلى كردستان العراق، في مهمة مدبرة وواضحة عنوانها العريض “توحيد الأكراد”، لكن السؤال هنا، توحيدهم مع مَن؟

بعد الدور الأخير الذي لعبته العشائر السورية في منطقة الجزيرة السورية، وإجتماعها مع قادة التحالف الدولي، وطلبها بشكل واضح انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مناطقها، ووعودٍ بتحقيق ذلك، لكن ذلك لم يتحقق، فلقد أعلنت أغلب القبائل وقوفها إلى جانب الدولة السورية والقتال تحت مظلة الجيش السوري، هذا الأمر بطبيعة الحال يشكل خطراً على المساعي الأمريكية في الشرق، رغم أن لا حاجة إستراتيجية لها هناك، ورغم أن عائدات النفط الذي تسيطر على أغلب حقوله لا يشكل أرباحاً كبيرة لها، لكنها تريد من إطباق السيطرة هناك على تحدي روسيا بطبيعة الحال، من خلال ذرائع تطيل من أمد الصراع وتفاوض من خلاله مستقبلاً، وهذا أصبح واضحاً للجميع.

إقرأ أيضاً: القانون الدولي .. مـنـهـج لتـصـحيح الأخـطاء

فزيارة جيفري للحسكة والإجتماع مع القياديين الأكراد لجهة توحيدهم مع العشائر السورية، سيناريو إن تحقق فهو خطير، يحاكي سيناريو كانت قد نفذته واشنطن في العراق وأسمته “الصحوات”، لذا نجد الكثير من العشائر العراقية توالي الولايات المتحدة على حساب بلدها العراق، أما الحالة السورية فمختلفة تماماً عن العراق، فخلال عشر سنوات من الحرب، لم يسيطر الصراع الطائفي على طبيعة التكوين والتركيبة الديموغرافية السورية، لجهة نسف التعايش السلمي بين جميع المكونات، وتوحيد الصف اليوم بهذه الطريقة لن يحقق شيء، خاصة وأن العشائر شكلت مقاومتها وطردت قسد من أكثر من قرية وبلدة، وهناك يومياً قتلى من قسد وكان آخرهم قيادي بإستهداف سيارته بعبوة ناسفة.

هل سينجح جيفري بتنفيذ المهمة الموكلة إليه في الشرق؟

إن السيناريو الأمريكي كما أشرنا أعلاه يشابه حركة صحوات العراق، لكن واشنطن غفلت عن أنها ستصطدم بعوائق عدة لعل أبرزها رفض تركيا لهذا المشروع خاصة على حدودها، وهي التي تعتبر مسلحي أكراد سوريا أحد اجنحة حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً في الداخل التركي، وهذا الأمر يعتبر تهديداً صريحاً للأمن القومي التركي وهو الذريعة التي إتخذتها أنقرة للدخول إلى الأراضي السورية.

ولكن هذا البند قد تجد له واشنطن حلاً لجهة تقديم تطمينات لأنقرة بأن لا مشاكل ستحدث جراء ذلك، لكن إن قبلت تركيا به، فهذا يعني خروجها من مناطق سيطرتها سواء في عفرين غرب حلب أو رأس العين في ريف الحسكة وتسليمها للأكراد، وهذا بكل تأكيد لن يحدث.

كل هذا السيناريو يأتي في سياق المماطلة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية، فهو غير موجه لسوريا بقدر ما هو رسالة إلى روسيا بأن واشنطن قادرة على قلب الطاولة، من خلال تحقيق هذا السيناريو وقطع العلاقة السورية مع إيران وحزب الله، لكن كل ما سبق قد يختلف كلياً عما بعد الانتخابات الأمريكية المقبلة التي سيحدد الرابح فيها سياسته الجديدة من الملفات الساخنة.

هل بدأ دور قسد بالإنحسار؟

رغم المعطيات التي تحاول واشنطن تمريرها بين الفينة والأخرى، حيال دعمها لقوات سوريا الديمقراطية – قسد كتوقيع إتفاق نفطي بينها وبين شركة أمريكية أو زيارة جيفري إلى مناطق سيطرتهم، والحديث عن تحقيق المشروع الإنفصالي، وإلى ما هنالك من وعود، تصطدم بواقع مقاومة محلية شعبية لهذا التنظيم، والذي بدأ على شكل مظاهرات منددة وغاضبة تطالب بخروجه، لكن الآن تحول ذلك إلى تصعيد ليس آمناً على وجود قسد كجهة معادية لسوريا، رغم كل التسليح والإمتيازات الأمريكية المقدمة لها، إذ أصبح مقتل عناصر من قسد مشهداً يومياً وأصبحت هذه الإستهدافات تمتلك تقنيات متطورة لجهة شعبية تتصرف منفردة، في طريقة الإستهداف، من زرع عبوات ناسفة إلى تفجير قنابل وإطلاق رصاص حي وإستخدام السلاح الأبيض، أي إستخدام كل الوسائل المتاحة، لقض مضجع هذا التنظيم.

إقرأ أيضاً: روسيا تدعو لوقف فوري لإطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان

فعلى الرغم من قيام قسد بمسألة خطف العشرات وإقتيادهم إلى جهات مجهولة، وإجبار البعض الآخر بالتجنيد الإجباري، فكلما قامت بالتصعيد، تشتد المقاومة ضدها، ورغم الأخبار التي تتحدث عن دعمٍ أمريكي لها، لكن في هذه المسألة تقف القوات الأمريكية على الحياد رغم أنها تستطيع التدخل والتصرف لصالح قسد، لكنها لم تحرك ساكناً إلى الآن، ما يشير إلى أن فرضية إعتبار الإدارة الأمريكية لهذا التنظيم مجرد إستثمار سينتهي مع إنقضاء المصلحة الأمريكية.

من هنا، إن الوضع السوري على مفترق طرق، فمن ناحية، تحاول الدولة السورية مقاومة الإرهاب الاقتصادي بكل ما لديها من قوة جراء الحصار الأمريكي القاهر عليها، ومن ناحية أخرى، لا تزال مشرّعة أبوابها لإمكانية حوار مع كل الأطراف التي ترغب بعودة الأمور إلى مجاريها، لكن الأكيد وبعد كل التطورات في الشرق السوري، أن قسد خارج هذه المعادلة، ولا حوار مع الإرهابيين مهما تبدلت ألوانهم ومسمياتهم، في حين أن المسألة التركية وحلها مرتبط بموسكو أكثر مما هو مرتبط بدمشق، ولعل روسيا تنتظر البدء بالإستثمارات المبرمة بينها وبين الدولة السورية، لتستميل من خلالها أنقرة، فالصراع في سوريا إقتصادي مهما تعددت عناوينه الأخرى.

المصدر: وكالة رياليست.

إقرأ أيضاً: أرمينيا وأذربيجان وصراع تاريخي في منطقة القوقاز!

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل